الفواحش : ما عظم قبحه من المعاصي .
قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم . . . الآية .
تأتي هذه الآية في أعقاب توجيه المشركين ومناقشتهم ، حتى إذا استبان لهم الطريق ووضحت الحجة ، أمر الله رسوله أن يدعوهم ؛ ليوضح لهم المحرمات ، ويرشدهم إلى الواجبات .
قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم . .
أي : قل لهم يا محمد : أقبلوا ، وأحضروا إلي ؛ لأقرأ لكم الآيات المشتملة على ما حرم الله عليكم وما أوجبه .
أوصيكم ألا تشركوا مع الله في عبادتكم آلهة أخرى ، بل خصوه وحده بالعبادة والخضوع والطاعة ، فإنه هو الخالق لكل شيء .
والنهي عن الإشراك يقتضي الأمر بالإخلاص وصدق النية والبعد عن الرياء ، وقد ساق القرآن مئات الآيات التي تدعو إلى الإيمان ، وتنفر من الشرك ، وتقيم الأدلة الساطعة والبراهين الدامغة على وحدانية الله عز وجل .
قل هو الله أحد . . . ( الإخلاص : 1 ) .
أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أءله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون . ( النمل : 61 ) .
وقال عز شأنه : لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا . . . ( الأنبياء : 22 ) .
وقال تعالى : والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون * والأرض فرشناها فنعم الماهدون * ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون * ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين * ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين . ( الذاريات : 47 – 51 ) .
وقال تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء . . . ( النساء : 116 ) .
وبالوالدين إحسانا . . . ( الإسراء : 23 ) .
أي : أحسنوا إليهما إحسانا وذلك بالبر بهما ، وامتثال أمرهما ونهيهما ، وفيه نهى عن عقوقهما .
وقد جاءت الوصية بالوالدين بعد النهي عن الشرك ؛ تنبيها على أهمية بر الوالدين ، وتحذيرا من عقوق الوالدين خصوصا في حالة الكبر والضعف ، حيث يكون الأب أو الأم في أمس الحاجة إلى الرعاية النفسية .
أو المادية ، وهو نوع من تكافل الأجيال ورد الجميل ، ولا يوفق لإكرام والديه إلا من يرد له الجميل من ذريته وفي الحديث الشريف : ( عفوا ؛ تعف نساؤكم ، وبروا آباءكم ؛ تبركم أبناءكم ) ( 13 ) .
وفي الربيع الثاني من سورة الإسراء قدم القرآن26 وصية وأدبا بدأها بالدعوة إلى التوحيد وعدم الشرك وثناها بالدعوة إلى بر الوالدين . حيث قال تعالى :
وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا .
ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم .
وكانت الجاهلية تفعل ذلك بالذكور والإناث ، خشية الإملاق وتفعله بالإناث ؛ خشية العار ، فبين الله أنه هو الرزاق للوالد والولد وكل الكائنات الحية قال تعالى : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها . ( هود : 6 ) .
والمعنى : لا تقتلوا أولادكم الصغار من أجل الفقر فنحن قد تكلفنا برزقكم ورزقهم .
وفي سورة الإسراء قال تعالى : ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا . ( الإسراء : 31 )
وفي سورة الإسراء قدم رزق الأولاد على الآباء ؛ للإشارة إلى أن الولد الضعيف يرزق أصلا والأب يرزق تبعا .
فالله يرزق الأب تابعا لرزق الابن .
وقد ورد في هدى السنة أن رجلا اشتكى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لأنه يعمل ويكدح ويطعم أخاه الذي لا يعمل ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( لعلك به ترزق ) ( 14 ) .
وكل قول أو فعل تستقبحه العقول فهو فاحشة يجب البعد عنها ، كالسرقة والزنى ، والنميمة وشهادة الزور .
قال أبو السعود : أي : ما يفعل منها علانية في الحوانيت كما هو دأب أرذالهم ، وما يفعل سرا باتخاذ الأخدان كما هو عادة أشرافهم .
ونجد القرآن ينهى عن الاقتراب من الفواحش ؛ لأن من حام حول الحما يوشك أن يقع فيه ، ولأنه إذا حصل النهي عن الاقتراب من الشيء ، فلأن ينهى عن فعله من باب أولى .
ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا . ( الإسراء : 32 )
ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق .
أي : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله قتلها ، بأن عصمها بالإسلام أو بالعهد ، إلا إذا فعلت ما يوجب قتلها كالقصاص أو الردة أو الزنى بعد الزواج .
روى الشيخان عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :
( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) ( 15 ) .
قال الشوكاني : ومن الحق قتلها قصاصا ، وقتلها بسبب زنى المحصن ، وقتلها بسبب الردة ، وهذه هي الأسباب التي ورد الشرع بها .
أي : ذلكم الذي ذكرناه لكم من وصايا جليلة ، وتكاليف حكيمة ، وصاكم الله به ، وطلبه منكم ، لعلكم تستعملون عقولكم في أداء هذه الحقوق الثابتة ، المتجاوبة مع الفطرة ، وهذه الحقوق الخمسة المذكورة في الآية الكريمة وهي :
ولما أبطل دينهم كله أصولاً وفروعاً في التحريم والإشراك ، وبين فساده بالدلائل النيرة ، ناسب أن يخبرهم بالدين الحق{[31611]} مما{[31612]} حرمه الملك الذي له الخلق والأمر ومن غيره{[31613]} ، فليس التحريم لأحد غيره فقال : { قل تعالوا } أي أقبلوا إليّ صاعدين من حضيض الجهل والتقليد وسوء المذهب إلى أوج العلم ومحاسن الأعمال ؛ قال صاحب الكشاف : هو من الخاص{[31614]} الذي صار عاماً ، يعني حتى صار يقوله الأسفل للأعلى { أتل } أي أقرأ ، من التلاوة وهي اتباع بعض الحروف بعضاً . و{[31615]} لما كان{[31616]} القصد عموم كل أحد بالتلاوة وإنما خص المخاطبين بالذكر لاعتقادهم خلاف ذلك{[31617]} ، و{[31618]} كان المحرم أهم ، قدمه فقال : { ما حرم ربكم } أي المحسن إليكم بالتحليل والتحريم { عليكم } فسخطه منكم ، وما وصاكم به إقداماً وإحطاماً فرضيه{[31619]} لكم من قبيلي{[31620]} الأصول والفروع ؛ ثم فسر فعل التلاوة ناهياً عن الشرك ، وما بعده من مضمون الأمر إنما عدي عنها ، فقال : { ألا تشركوا به شيئاً } الآيات مرتباً جملها أحسن ترتيب ، فبدأ بالتوحيد في صريح البراءة من الشرك إشارة إلى أن التخلي عن الرذائل قبل التحلي بالفضائل ، فإن التقية{[31621]} بالحمية قبل الدواء ، وقرن به البر لأنهما من باب شكر المنعم وتعظيماً لأمر العقوق ، ثم أولاه القتل الذي هو أكبر الكبائر بعد الشرك ، وبدأه بقتل الولد لأنه أفحشه وأفحش من مطلقه فعله{[31622]} خوف القلة ، فلما وصى بأول واجب للمنعم الأول الموجد من العدم ، أتبعه ما لأول منعم بعده بالتسبب في{[31623]} الوجود ، فقال ناهياً عن الإساءة في صورة الأمر بالإحسان على أوكد وجه لما للنفوس من التهاون في حقهما ، وكذا جميع المأمورات ساقها هذا السياق المفهم لأن أضدادها منهي عنها ليكون مأموراً بها منهياً عن أضدادها ، فيكون ذلك أوكد لها وأضخم : { وبالوالدين } أي افعلوا بهما { إحساناً } .
ولما أوصى بالسبب في الوجود ، نهى عن التسبب في الإعدام وبدأ بأشده فقال : { ولا تقتلوا أولادكم } ولما كان النهي عاماً ، وكان ربما وجب على الولد قتل ، خص لبيان{[31624]} الجهة فقال : { من إملاق } أي من أجل فقر حاصل بكم ، ثم علل ذلك ، ولأجل أن الظاهر هو{[31625]} حصول الفقر قدم الآباء فقال : { نحن نرزقكم } بالخطاب ، أي أيها الفقراء ، ثم عطف عليه الأبناء فقال : { وإياهم } وظاهر قوله في الإسراء
{ خشية إملاق{[31626]} }[ الإسراء : 31 ] أن الآباء موسرون ولكنهم يخشون من إطعام الأبناء الفقر ، فبدأ بالأولاد فقال : " نحن{[31627]} نرزقهم " ثم عطف الآباء فقال " وإياكم " - نبه عليه أبو حيان .
ولما كان قتلهم أفحش الفواحش بعد{[31628]} الشرك ، أتبعه النهي عن مطلق الفواحش ، وهي ما غلظت{[31629]} قباحته ، وعظم أمرها بالنهي عن القربان فضلاً عن الغشيان فقال : { ولا تقربوا الفواحش } ثم أبدل منها تأكيداً للتعميم قوله : { ما ظهر منها } أي الفواحش { وما بطن } ثم صرح منها بمطلق القتل تعظيماً له بالتخصيص{[31630]} بعد التعميم فقال : { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله } أي الملك الأعلى عليكم قتلها { إلا بالحق } أي الكامل ، ولا يكون كاملاً إلا وهو كالشمس وضوحاً لا شبهة فيه ، فصار قتل الولد منهياً عنه ثلاث مرات ؛ ثم أكد المذكور بقوله : { ذلكم } أي الأمر العظيم في هذه المذكورات .
ولما كانت هذه الأشياء شديدة على النفس ، ختمها بما لا يقوله{[31631]} إلا المحب الشفوق ليتقبلها{[31632]} القلب فقال : { وصّاكم به } أمراً ونهياً ؛ ولما كانت هذه الأشياء لعظيم خطرها وجلالة وقعها في النفوس لا تحتاج إلى مزيد فكر قال : { لعلكم تعقلون * } أي لتكونوا{[31633]} على رجاء من المشي على منهاج العقلاء{[31634]} ، فعلم من ذكر الوصية أن هذه المذكورات هي الموصى بها والمحرمات أضدادها ، فصار شأنها مؤكداً من وجهين : التصريح بالتوصية{[31635]} بها ، والنهي عن أضدادها .