تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (151)

المفردات :

تعالوا : أقبلوا وأحضروا .

أتل : أقرأ .

إملاق : فقر وفاقة .

الفواحش : ما عظم قبحه من المعاصي .

وصاكم به : أمركم وألزمكم به .

التفسير :

قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم . . . الآية .

تأتي هذه الآية في أعقاب توجيه المشركين ومناقشتهم ، حتى إذا استبان لهم الطريق ووضحت الحجة ، أمر الله رسوله أن يدعوهم ؛ ليوضح لهم المحرمات ، ويرشدهم إلى الواجبات .

قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم . .

أي : قل لهم يا محمد : أقبلوا ، وأحضروا إلي ؛ لأقرأ لكم الآيات المشتملة على ما حرم الله عليكم وما أوجبه .

ألا تشركوا به شيئا .

أوصيكم ألا تشركوا مع الله في عبادتكم آلهة أخرى ، بل خصوه وحده بالعبادة والخضوع والطاعة ، فإنه هو الخالق لكل شيء .

والنهي عن الإشراك يقتضي الأمر بالإخلاص وصدق النية والبعد عن الرياء ، وقد ساق القرآن مئات الآيات التي تدعو إلى الإيمان ، وتنفر من الشرك ، وتقيم الأدلة الساطعة والبراهين الدامغة على وحدانية الله عز وجل .

قال تعالى :

قل هو الله أحد . . . ( الإخلاص : 1 ) .

وقال سبحانه :

أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أءله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون . ( النمل : 61 ) .

وقال عز شأنه : لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا . . . ( الأنبياء : 22 ) .

وقال تعالى : والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون * والأرض فرشناها فنعم الماهدون * ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون * ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين * ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين . ( الذاريات : 47 – 51 ) .

وقال تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء . . . ( النساء : 116 ) .

وبالوالدين إحسانا . . . ( الإسراء : 23 ) .

أي : أحسنوا إليهما إحسانا وذلك بالبر بهما ، وامتثال أمرهما ونهيهما ، وفيه نهى عن عقوقهما .

وقد جاءت الوصية بالوالدين بعد النهي عن الشرك ؛ تنبيها على أهمية بر الوالدين ، وتحذيرا من عقوق الوالدين خصوصا في حالة الكبر والضعف ، حيث يكون الأب أو الأم في أمس الحاجة إلى الرعاية النفسية .

أو المادية ، وهو نوع من تكافل الأجيال ورد الجميل ، ولا يوفق لإكرام والديه إلا من يرد له الجميل من ذريته وفي الحديث الشريف : ( عفوا ؛ تعف نساؤكم ، وبروا آباءكم ؛ تبركم أبناءكم ) ( 13 ) .

وفي الربيع الثاني من سورة الإسراء قدم القرآن26 ‌وصية وأدبا بدأها بالدعوة إلى التوحيد وعدم الشرك وثناها بالدعوة إلى بر الوالدين . حيث قال تعالى :

وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا .

( الإسراء : 23 ، 24 )

ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم .

الإملاق : الفقر .

وكانت الجاهلية تفعل ذلك بالذكور والإناث ، خشية الإملاق وتفعله بالإناث ؛ خشية العار ، فبين الله أنه هو الرزاق للوالد والولد وكل الكائنات الحية قال تعالى : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها . ( هود : 6 ) .

والمعنى : لا تقتلوا أولادكم الصغار من أجل الفقر فنحن قد تكلفنا برزقكم ورزقهم .

وفي سورة الإسراء قال تعالى : ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا . ( الإسراء : 31‍ )

وفي سورة الإسراء قدم رزق الأولاد على الآباء ؛ للإشارة إلى أن الولد الضعيف يرزق أصلا والأب يرزق تبعا .

فالله يرزق الأب تابعا لرزق الابن .

وقد ورد في هدى السنة أن رجلا اشتكى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لأنه يعمل ويكدح ويطعم أخاه الذي لا يعمل ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( لعلك به ترزق ) ( 14 ) .

ولا تقربوا الفواحش .

وكل قول أو فعل تستقبحه العقول فهو فاحشة يجب البعد عنها ، كالسرقة والزنى ، والنميمة وشهادة الزور .

ما ظهر منها وما بطن .

قال أبو السعود : أي : ما يفعل منها علانية في الحوانيت كما هو دأب أرذالهم ، وما يفعل سرا باتخاذ الأخدان كما هو عادة أشرافهم .

ونجد القرآن ينهى عن الاقتراب من الفواحش ؛ لأن من حام حول الحما يوشك أن يقع فيه ، ولأنه إذا حصل النهي عن الاقتراب من الشيء ، فلأن ينهى عن فعله من باب أولى .

وقريب ذلك من قوله تعالى :

ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا . ( الإسراء : 32 )

ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق .

أي : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله قتلها ، بأن عصمها بالإسلام أو بالعهد ، إلا إذا فعلت ما يوجب قتلها كالقصاص أو الردة أو الزنى بعد الزواج .

روى الشيخان عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :

( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) ( 15 ) .

قال الشوكاني : ومن الحق قتلها قصاصا ، وقتلها بسبب زنى المحصن ، وقتلها بسبب الردة ، وهذه هي الأسباب التي ورد الشرع بها .

ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون .

أي : ذلكم الذي ذكرناه لكم من وصايا جليلة ، وتكاليف حكيمة ، وصاكم الله به ، وطلبه منكم ، لعلكم تستعملون عقولكم في أداء هذه الحقوق الثابتة ، المتجاوبة مع الفطرة ، وهذه الحقوق الخمسة المذكورة في الآية الكريمة وهي :

توحيد الله .

الإحسان إلى الوالدين .

عدم قتل الأولاد .

الابتعاد عن الفواحش .

عدم قتل النفس إلا بالحق .

وأداء هذه الوصايا يتفق مع العقل والفطرة السليمة .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{۞قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (151)

شرح الكلمات :

{ اتل } : اقرأ .

{ من إملاق } : من فقر .

{ الفواحش } : جمع فاحشة كل ما قبح واشتد قبحه كالزنى والبخل .

{ حرم الله } : أي حرم قتلها وهي كل نفس إلا نفس الكافر المحارب .

{ إلا بالحق } : وهو النفس بالنفس وزنى المحصن ، والردة .

المعنى :

ما زال السياق في إبطال باطل العادلين بربهم المتخذين له شركاء الذين يحرمون بأهوائهم ما لم يحرمه الله تعالى عليهم فقد أمر تعالى رسوله في هذه الآيات الثلاث أن يقول لهم : { تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } لا ما حرمتموه أنتم بأهوائكم وزينه لكم شركاؤكم . ففي الآية الأولى جاء تحريم خمسة أمور وهي : الشرك ، وعقوق الوالدين ، وقتل الأولاد ، وارتكاب الفواحش ، وقتل النفس فقال تعالى : { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً } فأن تفسيرية ، ولا ناهية وهذا أول محرم وهو الشرك بالله تعالى ، { وبالوالدين إحساناً } ، وهذا أمر إذ التقدير وأحسنوا بالوالدين إحساناً ، والأمر بالشيء نهي عن ضده فالأمر بالإِحسان يقتضي تحريم الإِساءة والإِساءة إلى الوالدين هي عقوقهما ، فكان عقوق الوالدين محرماً داخلاً ضمن المحرمات المذكورة في هذه الآيات الثلاث . { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم } فهذا المحرم الثالث وهو قتل الأولاد من الإِملاق الذي هو الفقر وهذا السبب غير معتبر إذ لا يجوز قتل الأولاد بحال من الأحوال وإنما ذكر لأن المشركين كانوا يقتلون أطفالهم لأجله وقوله تعالى { نحن نرزقكم وإياهم } تعليل للنهي عن قتل الأولاد من الفقر إذ ما دام الله تعالى يرزقكم أنتم أيها الآباء ويرزق أبناءكم فلم تقتلونهم ؟ وفي الجملة بشارة للأب الفقير بأن الله تعالى سيرزقه هو وأطفاله فليصبر وليرج ، ولا يتقل أطفاله . وقوله تعالى { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن } . هذا الأمر الرابع مما حرم الله تعالى ، وهو فعل الفاحشة التي هي الزنى وسواء ما كان منه ظاهراً أو باطناً والتحريم شامل لكل خصلة قبيحة قد اشتد قبحها وفَحُش فأصبح هذا هو المحرم الخامس وهو قتل النفس التي حرم الله قتلها وهي كل نفس ما عدا نفس المحارب فإنها مباحة للقتل ، الحق الذي تقتل به النفس المحرمة واحد من ثلاثة وهي القود والقصاص فمن قتل نفساً متعمداً جاز قتله بها قصاصاً . والزنى بعد الإِحصان فمن زنى وهو محصن وجب قتله رجماً بالحجارة كفارة له ، والردة عن الإِسلام ، وقد بينت هذه الحقوق السنة فقد قال صلى الله عليه وسلم في الصحيح : " لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني ، والتارك لدينه المفارق للجماعة " وقوله تعالى في ختام الآية { لعلكم تعقلون } أي ليعدكم بترك هذه المحرمات الخمس لأن تكونوا في عداد العقلاء ، لأن من يشرك بربه صنماً أو يسىء إلى أبويه أو يقتل أولاده أو يفجر بنساء الناس أو يقتلهم ، لا يعتبر عاقلاً أبداً إذ لو كان له عقل ما أقدم على هذه العظائم من الذنوب والآثام .

الهداية

من الهداية :

- هذه الوصايا العشر عليها مدار الإسلام وسعادة الإِنسان في الدارين كان عبد الله بن مسعود يقول فيها " من سره أن ينظر إلى وصية رسول الله التي عليها خاتمه فليقرأ الآيات الثلاث من آخر سورة الأنعام : { قل تعالوا . . . . تتقون } .

- حرمة الشرك وعقوق الوالدين وقتل الأولاد والزنى واللواط وكل قبيح من قول أو عمل أو اعتقاد وقتل النفس إلا بالحق ، وأكل مال اليتيم ، وبخس الكيل والوزن ، وقول الزور وشهادة الزور ، ونكث العهد وخلف الوعد . الردة عن الإِسلام ، واتباع المذاهب الباطلة والطرق الضالة .

- كمال العقل باجتناب المحرمات الخمس الأولى .