تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ} (25)

{ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ( 25 ) ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ ( 26 ) ثُمَّ يَتُوبُ اللّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ( 27 ) }

المفردات :

حنين : واد بين مكة والطائف ، حدثت فيه المعركة التي نسبت إليه وكانت عقب فتح مكة .

رحبت : أي : برحبها وسعتها ، والباء فيه بمعنى : " مع " .

التفسير :

25 – { لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ . . . }

بين الله في آيات سابقة فضل الجهاد ، وحث عليه وبين في هذه الآيات أنه سبحانه عودهم النصر حين يخلصون في جهادهم .

والمعنى : لقد نصركم الله أيها المؤمنون في مواقع كثيرة ؛ كبدر وقريظة والنضير والحديبية وخيبر ومكة ، وذلك لأنكم نصرتموه بصدق جهادكم فهيأ لكم ثمار النصر .

قال مجاهد : هذه أول آية نزلت من( براءة ) يذكر الله تعالى فضله عليهم ، وإحسانه لديهم في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن ذلك من عنده تعالى وبتأييده وتقديره ، لا بعددهم ولا بعددهم ، ونبههم على أن النصر من عنده ، سواء قل الجمع أو كثر ، فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم ، ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئا ، فولوا مدبرين إلا القليل منهم ، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أنزل الله نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه ؛ ليعلمهم أن النصر من عنده تعالى وحده ، وبإمداده وإن قل الجمع : { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين } . ( البقرة : 249 ) .

{ ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتهم فلم تغن عنكم شيئا } .

أي : ونصركم يوم حنين مع أنكم قصرتم فيه إذا أعجبتكم كثرتكم ، حتى قال بعض المسلمين : ( لن نهزم اليوم من قلة ) وكان عدد المسلمين( 12 ) اثنى عشر ألفا ، عشرة ألاف من المسلمين الذين فتحوا مكة ، وألفان من الطلقاء ، أي : من أهل مكة الذين أسلم كثير منهم وعفا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهم : اذهبوا فأنتم الطلقاء وكان فيهم بعض المشركين .

واتكل المسلمون على قوتهم في مبدإ الأمر ؛ فانهزموا ، ثم لما عدلوا عن غرورهم ، وتضرعوا إلى ربهم كان النصر حليفهم .

أضواء من التاريخ على وقعة حنين

كانت هوزان قوة كبيرة بعد قريش ، وكانت تنافسها فلما بلغها فتح مكة ؛ نادى سيدهم مالك ابن عوف النصري بالحرب ، وهو من بني نصر بن مالك .

واجتمع إليه مع هوزان ثقيف كلها ، ونصر ، وجشم ، وسعد بن بكر وأجمع السير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وساق مع جيشه أموالهم ومواشيهم ونساءهم وأولادهم ، وزعم أن ذلك يحمي نفوسهم به ويقوي شوكتهم ، وكان على ثقيف كنانة بن عبيد ، وشهد الحرب دريد بن الصمة وكان شيخا كبيرا له رأى وحكمة ، ونزلوا بأوطاس ، واد في ديار وهوزان عند الطائف ، كانت فيه وقعة حنين ، ولما علم رسول الله بأمرهم ؛ أزمع السير إليهم ، وخرج معه اثنا عشر ألفا .

والتقى الجيشان فاقتتلوا قتالا شديدا ، فانكشف المسلمون منهزمين ، حتى قال أبو سفيان بن حرب ، لا تنتهي هزيمتهم دون البحر .

وقال أخ لصفوان أبن أمية : الآن بطل السحر ، فقال له صفوان وهو على شركه :

اسكت فض الله فاك ، والله لأن يحكمني رجل من قريش خير من أن يحكمني رجل من هوزان .

{ وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين } .

أي : عن كثرتكم لم تنفعكم شيئا من النفع في أمر العدو ؛ بل انهزمتم أمامه في أول الأمر ، وضاقت في وجوهكم الأرض مع رحابتها وسعتها ، فقد خيل إليكم أن رحابها أغلقت في وجوهكم ، فلا تجدون فيها موضعا تطمئنون فيه وتثبتون كما قال الشاعر :

كأن بلاد الله هي عريضة *** على الخائف المطلوب كفة حابل .

{ ثم وليتم مدبرين }

ثم انصرفتم من وجه العدو متقهقرين لا تلوون على شيء .

لقد صورت الآية الكريمة ما حدث من المؤمنين في غزوة حنين ، تصويرا بديعا معجزا .

فهي تنتقل من سرورهم بالكثرة ، إلى تصوير عدم نفعهم بهذه الكثرة ، إلى تصوير شدة خوفهم حتى لكأن الأرض على سعتها تضيق بهم ، وتقفل في وجوهم ، إلى تصوير حركاتهم الحسية ، في تولية الأدبار ، والنكوص على الأعقاب .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ} (25)

شرح الكلمات :

{ في مواطن } : المواطن جمع موطن بمعنى الوطن وهو محل إقامة الإِنسان .

{ حنين } : وادٍ على بعد أميال يسيرة من الطائف .

{ إذ أعجبتكم كثرتكم } : أي كثرة عددكم حتى قال من قال : لن نغلب اليوم من قلة .

{ فلم تغن عنكم شيئاً } : أي لم تجز عنكم شيئاً من الإِجزاء إذا انهزمتم في أول اللقاء .

{ وضاقت عليكم الأرض } : أي لم تعرفوا أين تذهبون ، وكيف تتصرفون كأنكم محصورون في مكان ضيق .

{ بما رحبت } : أي على رحابتها وسعتها .

المعنى :

/د25

{ لقد نصركم الله في مواطن كثيرة } كَبَدْر والنضير وقريظة والفتح وغيرها { ويوم حنين } حين قاتلوا قبيلة هوازن مذكراً إياهم بهزيمة أصابت المؤمنين نتيجة خطأ من بعضهم وهو الاغترار بكثرة العدد إذ قال من قال منهم : لن نغلب اليوم من الوادي حتى رماهم العدو بوابل من النبل والسهام فلم يعرفوا كيف يتصرفون حتى ضاقت عليهم الأرض على سعتها وولوا مدبرين هاربين ولم يثبت إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان على بغلته البيضاء المسماة ( بالدُلْدُل ) والعباس إلى جنبه وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عمه ، ثم نادى منادي رسول الله : أن يا أصحاب سورة البقرة هلموا أصحاب السمرة ( شجرة بيعة الرضوان ) هلموا . فتراجعوا إلى المعركة ودارت رحاها و { أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً } تلامس القلوب وتنفخ فيها روح الشجاعة والصبر والثبات ، فصبروا وقاتلوا وما هى إلا ساعة وإذا بالعدو سبي بين أيديهم ولم يحصل لهم أن غنموا يوما مثل ما غنموا هذا اليوم إذ بلغ عدد الإِبل اثني عشر ألف بعير ، ومن الغنم مالا يحصى ولا يعد . بهذا جاء قوله تعالى : { ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين } أي هاربين من العدو .

الهداية

من الهداية :

- حرمة العجب بالنفس والعمل إذ هو أي العجب من العوائق الكبيرة عن النجاح .