{ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير }
الشهر الحرام : أحد ألشهر التي حرم فيها القتال وهي : رجب وذو القعدة وذو الحجة و محرم
الفتنة : المراد بها تعذيب المسلمين وإخراجهم من ديارهم وصدهم عن المسجد الحرام ، وعن دين الله تعالى .
وقد كره المسلمون القتال في الشهر الحرام فسألوك عنه ، فقل لهم : نعم إن القتال في الشهر الحرام إثم كبير ، ولكن أكبر منه ما حدث من أعدائكم من صد عن سبيل الله ، وعن المسجد الحرام ، وإخراج المسلمين من مكة ، وقد كان إيذاؤهم للمسلمين لإخراجهم من دينهم أكبر من كل قتل ، ولذلك أبيح القتال في الشهر الحرام ، فمع هذه الشرور فهو عمل كبير يتقي به ما هو أكبر منه ، واعلموا أيها المسلمون أن سبيل هؤلاء معكم سبيل التجني والظلم ، وأنهم لا يقبلون منكم العدل والمنطق ، ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ، ومن يضعف أمام هجماتهم ، ويرتد عن دينه حتى يموت على الكفر فأولئك بطلت أعمالهم الصالحة في الدنيا والآخرة ، وأولئك أهل النار هم فيها خالدون .
أخرج الطبراني في الكبير ، والبيقهي في سننه وابن جرير وابن أبى حاتم ومقاتل بن سليمان وغيرهم من المفسرين وأصحاب السير في سبب نزول هذه الآية قصة ملخصها ما يأتي :
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش ومعه اثنا عشر رجلا كلهم من المهاجرين وأعطى كتابا مختوما ، وأمره أن يتوجه قبل مكة ، ولا يقرأ الكتاب حتى يسير ليلتين ، ثم ينظر فيه : " إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل بنخلة مكان بين مكة والطائف فترصد بها عيرا لقريش وتعلم لنا من أخبارهم " .
فقال عبد الله : سمعا وطاعة ، وأخبر أصحابه بذلك ، وأنه لا يستكرههم فمن أحب الشهادة فلينهض ومن كره الموت فليرجع ، فأما أنا فناهض ، فنهضوا جميعا وساروا نحو نخلة فمرت بهم عير لقريش في طريقها نحو مكة فترددوا وهابوا الإقدام عليهم في الشهر الحرام ، ثم شجوا أنفسهم عليهم ، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم فرمى واقد بن عبد الله ، عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله ، وأسروا اثني من المشركين ، وأخذوا عيرهم ، وعادوا إلى المدينة ، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : والله ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام ، فأوقف الرسول الأسيرين والعير ، فلم يأخذ منها شيئا فلما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال سقط في أيديهم ، وظنوا أن قد هلكوا ، وعنفهم إخوانهم من المسلمين .
وقالت قريش حين بلغهم أمر هؤلاء قد سفك محمد الدم الحرام ، وأخذ المال وأسر الرجال ، واستحل الشهر الحرام . فنزلت هذه الآية .
واختلف في وقت حدوت ذلك ، فبعض الروايات تقول : إن ذلك كلن في آخر يوم من جمادى الآخرة ، وهو حلال ولم يكن المسلمون قد شاهدوا هلال رجب .
وبعضها تقول : إنه في آخر يوم من رجب . ولعل ذلك أرجح لأن الآية تؤيده ، إذ فيها أنهم سألوا عن حكم القتال في الشهر الحرام .
كذلك قرر الجواب ذلك ولكنه عذرهم ، إذ تبين أنه وغن كان القتال فيه عظيم الوزر ، ولكن وزر المشركين أكبر من المسلمين ، لأنهم صدوا المسلمين عن المسجد الحرام وفتنوهم ، وأخرجوهم من ديارهم بغير حق .
{ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير }
يسألونك يا محمد عن حكم القتال في الشهر الحرام قل لهم : القتال فيه أمر كبير مستنكر ، وذنب عظيم مستقبح ، لأن فيه اعتداء على الشهر الحرام المقدس ، وانتهاكا لمحارم الله .
والسائلون قيل هم المؤمنون ، وقد سألوا عن حكم ذلك على سبيل التعلم والتماس المخرج لما حصل منهم .
وقيل هم المشركون ، وسؤالهم على سبيل التعيير للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه .
فالجواب تشريع إذا كان السؤال من المسلمين ، وتبكيت وتوبيخ إن كان من المشركين .
والمراد بالشهر الحرام جميعها وهي : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ، وسميت بذلك لحرمة القتال فيها ، فأل في الشهور للجنس ، وقيل للعهد ، والمراد بالشهر الحرام شهر رجب الذي حدثت فيه قصة عبد الله بن جحش وأصحابه .
{ قل قتال فيه كبير } : أي القتال فيه عظيم الوزر كبير الإثم .
وقد أثبت هذا الجواب حرمة القتال في الشهر الحرام ، وأن ما اعتقده أهل الشرك من استحلال الرسول فيه باطل .
أما ما وقع من عبد الله بن جحش وأصحابه ، فقد كان اجتهادا منهم ، فقد رأوا أن قتال المشركين فيه حلال ، لأنهم أخرجوهم من ديارهم وصدوهم عن سبيل الله ، وعن المسجد الحرام وعذبوهم وهم بمكة . ومن اجتهد وأخطأ فله أجر ، فكيف بمن اجتهد وأصاب ، حيث أقر الله اجتهاده وعذره ؟ .
وإعادة لفظ القتال ، للاهتمام بأمر الحكم فيه . وتنكيره للإيذان بأن أي قتال فيه مذموم وإن قل ، وكان ذلك قبل نزول قوله تعالى : { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } . ( البقرة : 191 ) وقوله : { واقتلوهم حيث وجدتموهم } ( النساء : 89 ) فالقتال في الشهر الحرام نسخت حرمته بما ذكر .
{ وصد عن سبيل الله وكفر به في المسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله . . . }
المعنى : وإذا كان القتال في الشهر الحرام إثما كبيرا فإن الصد عن دين الله ، والكفر به والصد عن زيارة المسجد الحرام بمكة للعمرة وإخراج أهله المسلمين منه مجردين من أموالهم وكل هذا أكبر جريمة وأبشع إثما عند الله سبحانه من القتال في الشهر الحرام .
فقد قاوموا الدعوة الإسلامية وعبدوا الأوثان ، ومنعوا المسلمين من أداء شعائر العبادة بالمسجد الحرام ، وعذبوهم ، وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم بمكة .
ثم عطف على الحكم الجزئي السابق ، حكما كليا : يتناول ما تقدم ، كما يتناول ما يماثله مستقبلا فقال تعالى : { والفتنة أكبر من القتل } .
أي ما يفتن به المسلمون ويعذبون به ، أكبر إثما عند الله من القتل . وقد بالغ المشركون في إيقاع الأذى بالمسلمين ، لصرفهم عن دينهم ، فقد عذبوا ياسرا والد عمار كانوا يكوونه بالنار ليرتد عن الإسلام حتى مات في العذاب ، وعذب أبو جهل سمية أم عمار زوجة ياسر تعذيبا شديدا ، ثم طعنها بين فخديها بحربة طعنة قضت عليها .
وأوذى عمار بن ياسر في الله ، حتى حملوه على كلمة الكفر فقالها تقية ، وغفر الله له .
وكان أمية بن خلف يعذب بلالا ، فيجيعه ويعطشه ويطرحه في الرمضاء ويضع على صدره الصخر ، ويكويه بالنار ليرتد عن الإسلام .
وغيرهم كثير ، ولم يسلم النبي صلى الله عليه وسلم من إيذاء قومه ، وأخيرا تآمروا على قتله للقضاء على رسالته السماوية ، فنجاه الله بالهجرة إلى المدينة .
ومن هنا كانت الفتنة أكبر من القتل ، لأنها قتل بطئ مصحوب بالتعذيب والتنكيل .
وقيل المراد بالفتنة الشرك والكفر .
{ ولا يزالوا يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا }
أي هم لم يكتفوا بالصد عن سبيل الله والكفر به ولم يقتنعوا بتعذيبكم وإخراجكم من دياركم بل لا يزالون يفتنونكم ، بشن الحروب عليكم لإبادتكم ، أو صرفكم عن دينكم القويم إن استطاعوا ، وسيظل شأنهم مع المسلمين مستقبلا كذلك .
ولا شك أن مقابلة العدوان بمثله أمر مشروع .
والتعبير بحرف الشرط( إن ) لاستبعاد استطاعتهم صرفهم عن دينهم .
{ ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } .
أي من يستجب منكم لأولئك المشركين ، عن دينه إلى دينهم فيمت وهو كافر : بطل عمله صالح قدمه وخسر الدنيا والآخرة .
وفي هذا إنذار شديد لمن تحدثه نفسه من ضعفاء الإيمان بالارتداد .
{ وأولئك أصحاب النار فيها خالدون }
أي وأولئك المرتدون عن دينهم أهل النار ، هم فيها خالدون إذا ماتوا وهم كافرون ولا يغني عنهم إيمانهم السابق على الردة .
أما من ارتد عن دينه ، ولم يمت وهو كافر بل تاب عن ردته وكفلاه فالله يقبل توبته بفضله .
واستدل الإمام الشافعي بالآية : على أن الردة لا تحبط الأعمال حتى يموت صاحبها عليها .
الفتنة : الشرك وتعذيب المسلمين .
سببُ نزول هذه الآية أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش مع ثمانية من المهاجرين في جُمادى الآخرة ، قبل وقعة بدرٍ بشهرين ، ليترصّدوا عِيراً لقريش . فهاجموا قريشاً وقتلوا منهم عمرو بن عبد الله الحضرمي ، كما أسروا عثمان بن عبد الله بن المغيرة والحكَم بن كيسان ، ثم إنهم استاقوا العِير والأسيرين إلى المدينة المنورة ، وكان ذلك في غُرة رجب ، وهو من الأشهر الحُرم . وكانوا يظنونه آخر يوم من جمادى الآخرة . فقالت قريش : لقد استحلّ محمدٌ الشهر الحرام . وقامت اليهود تشهّر بالنبيّ والمسلمين ، ويقولون : عمرو ، عَمُرت الحرب ، والحضرمي ، حضرت الحرب ، وواقد ، وقدت الحرب .
وكان واقد بن عبد الله هو الذي قتل عمرو بنَ الحضرمي . فلما أكثر الناسُ في ذلك أنزل الله الآية : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام . . . } وتفسيرها :
يسألونك يا محمد ، عن القتال في الشهر الحرام ، فقل لهم : إن القتال فيه أمرٌ مستنكَر ، لكن ما ارتكبتموه أنتم من الكفر بالله والصدّ عن بيته ، وإخراج المسلمين منه ، والشِرك الذي أنتم عليه ، والفتنة التي حصلت منكم ، كل ذلك أكبرُ عند الله من قتالكم في الشهر الحرام . لذلك أباح الله لنا القتال في الشهر الحرام لقمع هذه الشرور ، على أساس اختيار أهون الشريّن . واعلموا أيها المسلمون ، أن سبيل هؤلاء معكم سبيل التجني والظلم ، وأنهم سيظلون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ، إذ لا همّ لهم إلا منع الإسلام عن الانتشار .
إذن فإن انتظاركم إيمانهم بمجرد الدعوة طمعٌ منكم في غير مطمع ، والقتال في الشهر الحرام أهون من الفتنة عن الإسلام . ومن يضعف منكم أمام هجماتهم ، ويرتد عن دينه ثم يموت على الكفر ، فأؤلئك بطلت أعمالهم ، وأولئك أهل النار هم فيها خالدون .
قوله تعالى : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم ) .
جاء في سبب نزول هذه الآية أن الرسول ( ص ) بعث في رجب عبد الله بن جحش الأسدي ومعه ثمانية رجال من المهاجرين ، وكتب لعبد الله بن جحش كتابا وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به ولا يستكره أحدا من أصحابه ، ففعل عبد الله بن جحش ما أمره به ، فلما فتح الكتاب وقرأه وجد فيه : إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا ، وتعلّم لنا من أخبارهم " فلما قرأ الكتاب قال : سمعا وطاعة ، ثم أخبر أصحابه بذلك ، وبأنه لا يستكره أحدا منهم ، وأنه ناهض لوجهه بمن أطاعه ، وأنه إن لم يطعه أحد مضى وحده ، فمن أحب الشهادة فلينهض ومن كره الموت فليرجع . فقالوا : كلنا نرغب فيه وما منا أحد إلا وهو سامع مطيع لرسول الله ( ص ) ، ونهضوا فسلك على الحجاز ، وشرد لسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان جمل كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه ، ونفذ عبد الله بن جحش مع سائرهم لوجهه حتى نزل بنخلة ، فمرت بهم عير لقريش تحمل زبيبا وتجارة فيها عمرو بن الحضرمي وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميان ، والحكم بن كيسان . فتشاور المسلمون وقالوا : نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام فإن نحن قاتلناهم هتكنا حرمة الشهر الحرام ، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرام ثم أنفقوا على لقائهم فقتلوا عمرو ابن الحضرمي ، وأسروا عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان ، ثم قدموا بالعير والأسيرين . فأنكر رسول الله ( ص ) قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام ، فسقط في أيدي القوم ، فأنزل الله عز وجل ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ) .
وهذه إحدى الروايات التي ذكرت في سبب نزول الآية ، وهي في مجموعها تبيين أن نفرا من المسلمين بعثهم النبي ( ص ) لرصد قريش فقتلوا ابن الحضرمي ثم عادوا ومعهم أسيران والعير ، وكان ذلك في أول رجب أحد الأشهر الحرم التي لا يباح فيها القتال . وقد عيّرت قريش المسلمين في ذلك بقولها : إن محمدا يزعم أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب . فرد الله مقالتهم فيما أنزله من هذه الآية . وهو أن القتال في الشهر الحرام غير مباح ، ذلك صحيح ، لكن الذي اقترفتموه أنتم أيها المشركون أكبر وأشد من القتل في الشهر الحرام ، وهو أنكم كفرتم بالله ، وصددتم عن دينه ، وحاربتم نبيه وأصحابه ، وكفرتم بالمسجد الحرام ، وصددتم عنه المؤمنين وهم أهله ، وأخرجتموهم منه ، وفتنتم المسلمين في دينهم حين آذيتموهم وعذبتموهم{[293]} .
وقوله : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ) ( قتال ) بدل من الشهر ، وهو بدل اشتمال ؛ لأنهم سؤالهم شمل الشهير والقتال . والمعنى أن المشركين يسألونك يا محمد مستنكرين للقتل الذي في الشهر الحرام .
وقوله : ( قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله كفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ) أي قل لهم يا محمد : لئن كان القتال في الشهر الحرام مستنكرا ومحرما فإن ما فعلتموه أنتم من صد عن الإسلام وكفر بالله والمسجد الحرام وإخراج المؤمنين من ديارهم وهو الحرم ، لهو أشد نكرا وتحريما . فقبل أن تعيروا المسلمين بهذه المخالفة فاذكروا أنتم ما صنعتموه من مخالفات هي أشد وأعظم . فعيروا أنفسكم قبل أن تعيروا غيركم .
قوله : ( والفتنة أكبر من القتل ) الفتنة هي حرف المسلم عن دينه عن طريق التعذيب وغيره . المعنى أن تعذيبكم وتنكيلكم بالمسلمين لحرفهم عن دينهم وصرفهم إلى ملة الكفر ، لهو أعظم جرما مما عمله المسلمون من القتل في الشهر الحرام .
قوله : ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) وفوق جرائم المشركين في الصد عن دين الله والكفر به والمسجد الحرام وإخراج المؤمنين منه ظلما وعدوانا ، فإنهم لا يزالون مصممين وماضين في حربكم وقتلكم ليردوكم عن الإسلام إن استطاعوا . ومن المعلوم أن الارتداد عن ملة الإسلام إلى ملل الكفر جريمة شنيعة بل هو كبرى الجرائم التي يتردى فيها التعساء في هذه الحياة ، فإن الذي يبدل دين الإسلام ليدخل في الكفر ثم يظل على حاله من الارتداد إلى أن يموت كافرا قد باء الخسران وحبوط الأعمال في الدنيا والآخرة . وحبوط الأعمال أي فسادها أو بطلانها ، ومنه الحبط وهو مرض يصيب الدواب والأنعام في بطونها ؛ لكثرة ما تأكله من الكلأ مما يؤدي إلى انتفاخ أجوافها واحتمال موتها{[294]} . وينسحب مثل هذا المعنى على الأعمال الصالحة إذا أتى عليها الحبوط ، فإنه يفسدها ويجعلها هدرا بغير قيمة أو اعتبار ، وذلك في الدنيا والآخرة . أما حبوطها في الدنيا فهو أن يُضرب عن ذكرها صفحا ، فتصبح كأنها لم تكن ، فلا يبقى لها في أذهان الناس وذكرياتهم أي تقدير أو حساب . ولا يكون للمرتد بعد موته وحبوط عمله من ثناء عليه أو إحساس بتذكره وإطرائه طيلة الحياة الدنيا ، ليكون بذلك نسيا منسيا . وأما حبوطها في الآخرة فهو فسادها وزواها البتة حتى إذا جاء المرتد يوم القيامة لم يجد من أعماله الصالحة شيئا .
وثمة أحكام للمرتد نعرض لبعضها في هذا الصدد ، وأولها الاستتابة . فقد ذهب فريق من العلماء إلى أن المرتد عن الإسلام يستتاب ، فإن تاب صين دمه وإذا لم يتب قتل .
وفي حجم المدة التي يتاح فيها للمرتد أن يتوب ، اختلفوا ، فقيل : يستتاب مدة ساعة من نهار ، وقيل : يستتاب شهرا ، وقيل كذلك : يستتاب أياما ثلاثة وهو قول الإمام مالك . وقال الحسن البصري : يستتاب مائة مرة . وللشافعي في أحد قوليه أن المرتد يقتل في الحال ودون استتابة .
وذكر عن أبي حنيفة أن المرتد يعرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا قتل مكانه ، إلا أن يطلب التأجيل ، فإن طلب ذلك أمهل أياما ثلاثة . مع أن المشهور في المذهب الحنفي أن المرتد لا يقتل حتى يستتاب .
أما الذي يبدل ملة الكفر بأخرى كالذي ينتقل من الكفر إلى الكفر ، فلا شان لنا به ؛ لأنه انتقل إلى ما لو كان عليه في الأصل لترك وحاله . وذلك الذي عليه جمهور الفقهاء . أما الإمام الشافعي فقد ذكر عنه أنه يقتل مستندا في ذلك إلى العموم من حديث النبي ( ص ) " من بدل دينه فاقتلوه " وهو في لم يخص مسلما أو كافرا . وفي تقديرنا أن الأول أرجح ؛ إذ لا صحة لما استدل به الإمام الشافعي من الحديث المذكور على القتل ، فإن أصدق تأويل للحديث أنه ينطبق على من بدّل دينه الإسلام بدين آخر .
والآن ما حكم المرتد إذا رجع إلى الإسلام ، فهل يحبط عمله السابق ؟ فقد قال الإمام الشافعي : إن الذي يرتد ثم يعود إلى الإسلام لم يحبط عمله ، وعليه فإن حجه وصيامه وصلواته وسائر أعماله باق بغير حبوط ، وهو بعد عوده إلى الإسلام لا يبقى في ذمته فريضة بحج أو صيام أو غيره ، أما الذي يموت وهو باق على حاله من الردة فإن أعماله كلها قد أتى عليها الحبوط . وذهب مالك إلى أن المرتد يحبط عمله بمجرد ارتداده . وبناء على ذلك فإن المسلم إذا حج ثم ارتد ثم أسلم فإنه يلزمه الحج من جديد . وقال الشافعي : ليس عليه إعادة للحج من جديد ، فإن حجه الأول باق{[295]} .