تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞لَّيۡسَ عَلَيۡكَ هُدَىٰهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلِأَنفُسِكُمۡۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ ٱللَّهِۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ} (272)

{ ليس عليكم هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون للفقراء الذين أحرصوا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحاقا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }

قال القرطبي ما ملخصه : " قوله تعالى : { ليس عليك هداهم } هذا الكلام متصل بذكر الصدقات فكأنه بين فيه جواز الصدقة على المشركين .

روى سعيد بن جبير مرسلا عن النبي صلى الله علي وسلم في سبب نزول هذه الآية أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة فلما كثر الفقراء من المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تصدقوا إلا على أهل دينكم " ( 50 ) .

فنزلت هذه الآية مبيحة للصدقة على من ليس من دين الإسلام وروى عن ابن عباس أنه قال كان ناس من الأنصار لهم قرابات من ببي قريظة والنضير كانوا يتصدقون عليهم رغبة في أن يسلموا إذا احتاجوا فنزلت الآية بسبب أولئك ثم قال : قال علماؤنا هذه الصدقة التي أبيحت لهم حسب ما تضمنته هذه الآثار هي صدقة التطوع وأما المفروضة فلا يجزي دفعها لكافر لقوله عليه الصلاة والسلام : " أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها إلى فقرائكم "

و المعنى : ليس عليك يا محمد هداية من خالفك في دينك ولكن الله تعالى يهدي من يشاء هدايته إلى نور الإيمان وطريق الحق وما دام الأمر كذلك فعليك وعلى أتباعك أن تعاملوا غيركم بما يوجبه عليكم إيمانكم من سماحة في الخلق وعطف على المحتاجين ولو كانوا المخالفين لكم في الدين .

و على هذا المعنى الذي يؤديه سبب النزول يكون الضمير في قوله : " هداهم " يعود على غير المسلمين .

ومن المفسرين من يرى أن الضمير في قوله : " هداهم " يعود على المسلمين المخاطبين في الآيات السابقة فيكون المعنى لا يجب عليك أيها الرسول الكريم أن تجعل المسلمين جميعا مهددين إلى الإتيان بما أمروا به ومنتهين عما نهوا عنه من ترك المن والأذى والرياء في صدقتهم ولكن الله وحده الذي يهدي من يشاء هدايته إلى الاستجابة لتوجيهات هذا الدين الحنيف .

قال الألوسي : وعلى هذا الجملة معترضة جيء بها على طريق تلوين الخطاب وتوجيهه إلى سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم مع الالتفات إلى الغيبة فيما بين الخطابات المتعلقة بأولئك المكلفين مبالغة في حملهم على الامتثال . . ثم قال : والذي يستدعيه سبب النزول رجوع ضمير " هداهم " إلى الكفار وحينئذ لا التفات وإنما هناك تلوين الخطاب فقط ( 52 ) .

ثم حض سبحانه المؤمنين على الإنفاق في وجوه الخير { و ما تنفقوا من خير فلأنفسكم } أي ما تقدمونه من مال في وجوه البر أيها المؤمنون فأن نفعه سيعود بالسعادة في الدنيا وبالثواب الجزيل في الآخرة فكونوا أسخياء في الإحسان إلى الفقراء وابتعدوا عن وسوسة الشيطان الذي يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ( البقرة 268 ) .

و " ما " شرطية جازمة لتنفقوا وهي منتصبة به على المفعولية و " من " للتبعيض وهي مع مجرورها متعلقة بمحذوف وقع صفة لفعل اسم الشرط والتقدير : أي الشيء تنفقوا كائنا من المال فهو لأنفسكم لا ينتفع به في الآخرة غيركم .

قال الفخر الرازي ما مخلصه : " و قوله تعالى : { و ما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله } يحتمل وجوها الأول : أن يكون المعنى : ولستم في صدقتكم على أقاربكم من المشركين تقصدون إلا وجه الله في صلة الرحم وسد خلة مضطر وليس عليكم اهتداؤهم حتى يمنعكم ذلك من الإنفاق عليهم الثاني أن هذا وإن كان ظاهره خبرا إلا ان معناه نهي أي : ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله . الثالث أن قوله : " و ما تنفقون " أي ولا تكونوا منفقين مستحقين الاسم الذي يفيد المدح حتى تبتغوا بذلك وجه الله وفي ذكر الوجه تشريف عظيم لأنك إذا قلت فعلت هذا الشيء لوجه زيد فهو أشرف في الذكر من قولك فعلته له لأن وجه الشيء أشرف ما فيه ثم كثر حتى صار يعبر عن الشرف بهذا اللفظ وأيضا فأن قولك : فعلت هذا الفعل لوجهه يدل على أنك فعلت له فقط وليس لغيره فيه شركة " ( 53 ) .

ثم ختم سبحانه الآية بقوله " { و ما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } أي أن ما تنفقوا من خير أيها المؤمنون ستعود عليكم ثماره ومنافعه في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فإنكم بسبب هذا الإنفاق تزكوا أموالكم وتحسن سيرتكم بين الناس وأما في الآخرة فإنكم تنالون من خالقكم ورازقكم أجزل الثواب وأفضل الدرجات .

و قوله : { و أنتم لا تظلمون } أي لا تنقصون شيء مما وعدكم الله به على نفقتكم في سبيله .

قال الجمل : وهاتان الجملتان أي قوله تعالى : { و ما تنفقوا من خير يوف إليكم } و قوله : { و انتم لا تظلمون } تأكيد للجملة الشرطية الأولى وهي قوله : { و ما تنفقوا من خير فلأنفسكم } وقوله : { و أنتم لا تظلمون } جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من الضمير في : { إليكم } فالعامل فيها : يوف وهي تشبه الحال المؤكدة لأن معناها مفهوم من قوله : { يوف إليكم } لأنهم إذا وفوا حقوقهم لا يظلمون ويجوز أن تكون مستأنفة لا محل لها من الإعراب أخبرهم فيها أنه لا يقع لهم ظلم فيندرج فيه توفية أجورهم بسبب إنفاقهم في طاعة الله تعالى اندراجا أوليا " ( 54 ) .

هذا والذي يتدبر هذه الآية الكريمة يراها من أجمل الآيات التي وردت في الحض على بذل المال في وجوه الخير فقد كرر فيها فعل تنفقوا ثلاث مرات لمزيد الاهتمام مستقلة ببعض الأحكام لكي يسهل حفظها وتأملها فتجري على الألسنة مجرى الأمثال وتتناقلها الأمم والأجيال .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞لَّيۡسَ عَلَيۡكَ هُدَىٰهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلِأَنفُسِكُمۡۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ ٱللَّهِۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ} (272)

الهدى : الرشاد ، ضد الضلال .

الخير : المال .

ابتغاء وجه الله : في طلب رضاه .

أحصروا في سبيل الله : حبسوا أنفسهم فوقفوها في سبيل الله .

لا يستطيعون ضربا في الأرض : يعجزون عن التكسب في التجارة أو العمل . التعفف : منع النفس مما تريد من الشهوات .

السيما : العلامة .

إلحافاً : إلحاحاً .

ليس عليك يا محمد ، هدى المشركين إلى الإسلام حتى تمنعَهم صدقة التطوع ، ولا تعطيهم منها إلا إذا دخلوا فيه . ما أنت إلا بشير ونذير . إن عليك الإرشاد والحث على الفضائل ، والله يهدي من يشاء من خلقه إلى الإسلام فيوفّقهم . إن أمْرَ الناس مفوَّض إلى ربهم لا إليك ، فلا تمنعهم الصدقة .

أخرج ابن ابي حاتم عن ابن عباس قال : «كان النبي يأمرنا أن لا نتصدق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية » .

ويا أيها المسلمون ، إن جميع ما تنفقونه من خير وتبذلونه من معونة لغيركم ، مهما كان دينه ، لكم أنتم فائدته في الدنيا والآخرة ، هذا إذا كنتم لا تقصدون بالإنفاق الا إرضاء الله لا لأجل جاهٍ أو مكانة ، وفي تلك الحال يعود إليكم ثوابه كاملاً دون نقصان .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞لَّيۡسَ عَلَيۡكَ هُدَىٰهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلِأَنفُسِكُمۡۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ ٱللَّهِۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ} (272)

قوله تعالى : ( ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) في سبب نزول هذه الآية روي عن سعيد ابن جبير مرسلا عن النبي ( ص ) أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة ، فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله ( ص ) : " لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم " فنزلت هذه الآية لتبيح الصدقة على الفقراء من غير المسلمين .

وروي عن ابن عباس قوله : كان ناس من الأنصار لهم قرابات من بني قريظة والنضير ، وكانوا لا يتصدقون عليهم رغبة منهم في أن يسلموا إذا احتاجوا فنزلت الآية فيهم .

والذين يظهر من ذلك أن مقصد المسلمين والنبي ( ص ) من منع الصدقة عن الفقراء من غير المسلمين إنما كان ليسلموا وينقلبوا عن شركهم إلى دين الإسلام ، فأنزل الله فيهم : ( ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ) .

وثمة خلاف بين العلماء في نوع الصدقة التي أباحت الآية إعطاءها للفقراء من غير المسلمين . فقد ذهب فريق من أهل العلم في قول مرجوح لا يعوّل عليه إلى جواز إعطائهم من الصدقات عموما ، سواء في ذلك صدقة التطوع أو الفريضة .

لكن المذهب الصحيح المعتمد في ذلك أنهم يعطون من الصدقة النافلة ( التطوع ) ولا يعطون من الزكاة المفروضة . وفي ذلك يقول الرسول ( ص ) : " أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم " ويعزز ذلك ما ذكره من إجماع أهل العلم على أن غير المسلمين لا يعطون من زكاة الأموال شيئا ، لكن أبيح إعطاؤهم من صدقة التطوع .

وجملة القول أن هؤلاء المشركين لا ينبغي حرمانهم من الخير إن تيسر . وما يكون حرمانهم سببا في هدايتهم ، بل لا يملك الإنسان هداية غيره من خلق الله ، فإن الله جلت قدرته هو الهادي وهو الذي ييسر للعباد من أسباب الهداية والاستقامة وما يقودهم إلى الرشاد .

قوله ( وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ) الخير المراد به المال . فإن المؤمن لا ينفق من ماله إلا كان مكتوبا له في حسابه عند الله ولا يُضيع الله أجر العاملين والمحسنين .

قوله : ( وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ) يحتمل معنيين . أحدهما : النفقة المعتبرة والتي يتقبلها الله هي التي يبتغي بها المنفق وجه الله ، يكون مخلصا في بذله المال للفقراء ، فلا يبتغي من ذلك المديح والثناء أو غرضا من الأغراض الدنيوية ، بل يبتغي مرضاة الله ، فهو في ذلك مأجور ، سواء وقعت صدقته في يد بر أو فاجر ، محتاج أو غير محتاج .

وثانيهما : أن هذه الآية شهادة من الله للصحابة الكرام – رضي الله عنهم- بأنهم إنما ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاته فهم بذلك مخلصون في إنفاقهم ، وذلك على سبيل الإطراء لهم والثناء عليهم .

قوله : ( وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) ذلك بتأكيد لما قبله ( وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ) فإن المنفقين المخلصين توفّى إليهم أجورهم غير مبخوسين أو مظلومين{[355]} .


[355]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 323 وتفسير البيضاوي ص 62.