{ إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة ومالهم من ناصرين وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم }
متوفيك : التوفي اخذ الشيء وافيا تاما ثم استعمل بمعنى الإماتة كما قال تعالى : { الله يتوفى الأنفس حين موتها } .
ومطهرك من الذين كفروا : بالرفع والتطهير من تهمة أمه بالزنا .
وجاعل الذين اتبعوك : بتصديق ما جئت به .
55- { إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلى مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون .
اختلف العلماء في المراد بالتوفي هنا .
1- فمن العلماء من قال إنه على حقيقته المعروفة إنه مرتبط بالآية السابقة .
والمعنى : ومكر اليهود بعيسى يريدون قتله ومكر الله فأحبط تدبيرهم وقال سبحانه وتعالى لعيسى { إني متوفيك } حين يأتي أجلك ولن أسلطهم عليك ليقتلوك وقد حقق الله وعده له إذ ألقى شبهه على يهوذا فقتلوه وأنجى عيسى ورفعه إليه وسيبقى إلى آخر الزمان ليبلغ شريعة محمد صلى الله عليه وسلم للناس ثم يتوفاه بعد ذلك كما ورد في السنة الصحيحة .
فالآية على هذا كناية عن عصمته من الأعداء مشفوعة بالبشارة برفعته .
2- ومن العلماء من ذهب إلى ان الآية على ظاهرها وان التوفي هو الإماتة العادية وأن الرفع بعده للروح ولا غرابة في خطاب الشخص وإرادة روحه فالروح هي حقيقة الإنسان ، والجسد كالثوب المستعار يزيد وينقص ويتغير والإنسان إنسان بروحه .
والمعنى : إني مميتك وجاعلك بعد الموت في مكان رفيع عندي كما قال إدريس عليه السلام : { ورفعناه مكانا عليا } ونظرنا في تفسير هذه الآية يحكم علينا أن نشفع القرآن بالسنة الصحيحة التي تفيد ان عيسى عليه السلام قد رفع حيا بدون وفاة وتفيد انه سينزل آخر الزمان ليجدد ما درس من شريعة محمد صلى الله عليه وسلم .
روى الإمام مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والله لينزلن ابن مريم حكما عادلا فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير ، وليضعن الجزية ، ولتتركن القلاص ( 171 ) . فلا يسعى عليها وليذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد وليدعون على المال فلا يقلبه أحد " ( 172 ) .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " كيف انتم إذا نزل فيكم ابن مريم وإمامكم منكم " ( 173 ) .
وبما ان عيسى سيظل آخر الزمان فلابد ان يبق حيا إلى حين ينزل ويبلغ شرع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إذ لو مات قبل ذلك لكان نزوله هذا بعثا له في الدنيا ولا بعث إلا في الآخرة .
ومن المفسرين من ذهب إلى ان حديث الرفع والنزول في آخر الزمان حديث آحاد يتصل بأمر اعتقادي والأمور الاعتقادية لا يؤخذ فيها إلى بالدليل القاطع من قرآن أو حديث متواتر ولا يوجد هنا واحد منهما وقالوا ربما كان المراد بنزول المسيح وحكمه في الأرض غلبة روحه وسر رسالته على الناس بالأخذ بمقاصد الشريعة دون الوقوف عند ظواهرها والتمسك بقشورها دون لبابها ( 174 ) وسئل الشيخ محمد عبده عن المسيخ الدجال وقتل عيسى له فقال : " إن الدجال رمز للخرافات والدجل والقبائح التي تزول بتقرير الشريعة على وجهها والأخذ بأسرارها وحكمها وإن القرآن أعظم هاد إلى هذه الحكم والأسرار وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم مبنية لذلك فلا حاجة للبشر إلى إصلاح وراء الرجوع إلى ذلك ( 178 ) .
ونرى ان الدين لا يؤخذ بالرأي وان الحديث الصحيح قاطع الدلالة في هذا الموضوع فينبغي ان نقبل حكمه وقد مدح الله المؤمنين بأنهم يؤمنون بالمحكم ويفوضون إلى الله معرفة المتشابه مع الإيمان بما ورد على وجه الإجمال وتفويض حقيقة المراد إلى الله تعالى .
" لقد أرادوا صلب عيسى عليه السلام وقتله وأراد الله ان يتوفاه وان يرفعه إليه وان يطهره من مخالطة الذين كفروا والبقاء بينهم وهم رجس ودنس وان يكرمه فيجعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة . وكان ما راده الله وأبطل الله مكر الماكرين " .
{ إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة }
فأما كيف كانت وفاته وكيف كان رفعه . . . فهي أمور غيبية تدخل في المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله ولا طائل وراء البحث فيها ولا في عقيدة ولا في شريعة والذين يجرون وراءها ويجعلونها مادة للجدل ينتهي بهم الحال إلى المراء وإلى التخطيط وإلى التعقيد دون ما جزم بحقيقة ودون ما راحة بال في أمر موكول إلى علم الله .
{ ومطهرك ممن الذين كفروا } أي أنجيك مما كانوا يريدون بك من الشر او مما كانوا يرمونه به من القبائح ونسبة السوء إليه .
{ وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة } من إكرام الله لعيسى انه قد جعل الذين اتبعوه في الدين وآمنوا به فوق الذين كفروا والمراد أنهم أعلى منهم روحا وأحسن خلقا وأكمل أدبا وقيل فوقهم في الحكم والسادة وإن يكن هذا غير مطرد بالنسبة لليهود والنصارى والمعروف الذي يحدثنا به التاريخ ان كل جماعة تتمسك بدينها وآدابه وأخلاقه لابد ان تكون فوق الجميع ( 176 ) .
{ ثم إلى مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون } أي ثم مصيركم إلى البعث فاحكم بينكم حينئذ فيما اختلفتم فيه من أمور الدين وهذا شامل للمسيح والمختلفين معه وشامل للاختلاف بين اتباعه والكافرين به وحينئذ يبين لهم الحق في كل ما اختلفوا فيه .
واذكر أيها النبي ، إذ قال الله : يا عيسى ، إني مستوفٍ*{[3]} ِأجَلَك ، لن أدعَ أحدا يقتلك ، ثم أرفعك إلى محل كرامتي ، فتنجوا من أعدائك . أما الذين اتبعوك ولم ينحرفوا عن دينك فسأجعلهم أقوى من الذين لم يهتدوا بهديك إلى يوم القيامة . وأخيرا ترجعون إليَّ جميعاً يوم القيامة فأقضي بينكم في الذي تنازعتم فيه من أمر الدين ، وأجازي كلاًّ بما يستحق .
قوله تعالى : ( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ) المراد بالوفاة هنا النوم . وذلك كقوله تعالى : ( هو الذي يتوفاكم بالليل ) وقوله تعالى : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ) فهي في منامها متوفاة لكنها لم تمت . وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام عقيب قيامه من النوم : " الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا " .
وعلى هذا فالمراد من قوله : ( متوفيك ) أني متوفيك من الدنيا وليس بوفاة موت . وبعبارة أخرى : قابضك ورافعك إلى السماء من غير موت ، مثل : توفيت مالي من فلان أي قبضته . ويحتج لذلك بالحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو قوله لليهود : " إن عيسى لم يمت ، وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة " {[478]} .
والقول الذي نجده صوابا في كيفية الوفاة هو أن الله تعالى رفعه إلى السماء من غير وفاة ولا نوم ، وذلك من شأن الله ومن تقديره ، فهو القادر على كل شيء ولا يعز عليه أن يفعل أي شيء يريد .
قوله : ( ومطهرك من الذين كفروا ) أي مخرجك من بينهم ليندرأ عنك سوء قصدهم وسوء جوارهم .
أما عن كيفية الرفع إلى السماء فقد ورد فيها أقوال عديدة متقاربة من جملتها ما ذكر عن ابن عباس أنه لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وهم اثنا عشر رجلا ( الحواريون ) من عين في البيت ثم قال لها : أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي ؟ فقام شاب من أحدثهم فقال : أنا . فقال عيسى : اجلس . ثم أعاد عليهم فقال الشاب : أنا . فقال عيسى : اجلس . ثم أعاد عليهم فقال : أنا . فقال عيسى : نعم أنت ذاك . فألقى الله عليه شبه عيسى عليه السلام . ورفع الله تعالى عيسى من روزنة كانت في البيت إلى السماء . ثم جاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبيه فقتلوه ثم صلبوه ، فتفرقوا ثلاث فرق : قالت فرقة : كان فينا الله ما شاء ثم صعد إلى السماء . وهؤلاء اليعقوبية . وقالت فرقة : كان فينا ابن الله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه . وهؤلاء النسطورية . وقالت فرقة : كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه إليه . وهؤلاء المسلمون . فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه و سلم فقتلوا{[479]} .
قوله : ( وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ) .
المراد بالذين اتبعوه هم الذين على دينه من عقيدة التوحيد الكامل ، العقيدة الصحيحة السليمة المبرأة من كل أوضار الشرك ؛ لا جرم أن أتباعه على هذه الملة السديدة من التوحيد الخالص هم المسلمون وحدهم ، سواء كانوا في زمن المسيح . وهم الذين اتبعوه بحث على أنه عبد الله ورسوله ، وليس شيئا غير ذلك مما تهرف به ألسن المبطلين والمضللين أو كانوا من المسلمين بعد ظهور محمد صلى الله عليه و سلم . إن هؤلاء المسلمين هم جاعلهم الله فوق الكافرين جميعا على تعدد مللهم وعقائدهم الفاسدة ، عقائد الشرك والضلال والانحراف .
على أن المراد بالفوقية هنا يحتمل وجهين : أحدهما : الفوقية المادية : وهي فوقية العزة والسلطان ، الفوقية التي يظللها قوة الإعداد والعتاد والقدرة على قتال الضالين المفسدين في الأرض .
ثانيهما : الفوقية الاعتبارية : وهي القائمة على قوة الحجة والبرهان وسطوع الدلائل التي تشكف عن وجه الحق واليقين . والمسلمون في ميزان الله دوما هم الأعلون ، وهم الجديرون بريادة البشرية ليسوسوا الناس بالحق والعدل والقسطاس المستقيم .
حتى إذا قامت القيامة صار الناس جميعا إلى الله ، سواء فيهم أتباع عيسى من أهل التوحيد الخالص ، أو الذين كذبوه أو أشركوا به . وإذ ذاك يقضي الله بين هؤلاء فيما كانوا قد اختلفوا فيه ، إذ تفرقوا في حقيقة عيسى طرائق قددا ، فأما الذين جحدوا نبوة عيسى عليه السلام أو خالفوا ملته السليمة المبنية على الإقرار لله بالعبودية أو قالوا فيه من الأباطيل الظالمة المفتراة ما لم ينزل الله به من سلطان فلسوف يعذبهم الله عذابا شديدا في الدنيا . وذلك بإخضاعهم لسلطان الإسلام وظهور الغلبة والاستعلاء للمسلمين عليهم . فما يجترئون على قتال المسلمين إلا كتب الله النصر لعباده المؤمنين المخلصين وهم المسلمون الصادقون ماداموا غير مختلفين ولا متفرقين . ومادامت تجمعهم العقيدة الإسلامية الراسخة وتشدهم كلمة الإسلام وحقيقة الإخلاص الكامل لله دون سواه . وإذا ما تحول المسلمون عن هذه الحقائق الراسخة إلى حيث التهاون والضعف والاستكانة أو التشبث بمذاهب غير إسلامية كالاشتراكية والفرعونية والقومية والإقليمية ونحو ذلك فلا جرم أن تحيق بالمسلمين الهزائم والأهوال وأن تدور عليهم دوائر القهر والإذلال .
وأما في الآخرة فإن مردهم إلى النار وبئس القرار ، هنالك يجد الظالمون المضلون من عذاب التحريق والاصطلاء ما لا طاقة لهم باحتماله أو الاصطبار عليه . نسأل الله الغفران والرحمة .
وخلافا لأولئك الظالمين الذين باءوا بعذاب الله في كلتا الدارين ، يمتدح الله عباده المسلمين الصادقين الذين آمنوا بعيسى المسيح ، وصدقوه تمام التصديق ، وأقروا له بكل تعاليمه التي بنيت على التوحيد الخالص وعلى تفرد الله وحده بالإلهية من غير شريك له في ذلك البتة ، لا جرم أن هؤلاء سينالهم تكريم من الله وسيحظون من الأجر الأوفى ما هم به خليقون .
ذلك كله مقتضى قوله تعالى : ( فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين ) .