سورة آل عمران سورة مدنية وآياتها مائتان نزلت بعد الأنفال والمراد بعمران هو والد مريم أم عيسى عليهما السلام وآل عمران هم عيسى ويحيى ومريم وأمها .
و تسمى الزهراء : لأنها كشفت عما التبس على أهل الكتاب في شأن عيسى عليه السلام .
و الأمان : لأن من تمسك بها فيما آمن من الغلط في شانه .
و الكنز : لتضمنها الأسرار العيسوية .
و المجادلة : لنزول نيف وثمانين آية منها في مجادلة الرسول صلى الله عليه وسلم نصارى نجران .
و سورة الاستغفار : لما فيها من قوله تعالى : { و المستغفرين بالأسحار } ( آل عمران 17 ) .
1- بيان معنى الدين ومعنى الإسلام فليس الدين هو كل اعتقاد في الله إنما هو صورة واحدة من صور الاعتقاد فيه سبحانه صورة التوحيد المطلق الناصع القاطع :
توحيد الألوهية التي يتوجه إليها البشر .
وتوحيد القوامة على البشر وعلى الكون كله فلا يقوم شيء إلا بالله تعالى ولا يقوم على الخلائق إلا الله تعالى
2- تصوير حال المسلمين مع ربهم واستسلامهم له وتلقيهم لكل ما يأتيهم منه بالقبول والطاعة والإتباع الدقيق .
3- التحذير من ولاية غير المؤمنين والتهوين من شأن الكافرين مع هذا التحذير وتقرير أنه لا إيمان ولا صلة بالله مع تولي الكفار الذين لا يحتكمون لكتاب الله ولا يتبعون منهجه في الحياة .
4- بيان أن اللذائذ الدنيوية زائلة والآخرة خير وأبقى .
5- محبة الله سبحانه لا تتم إلا بمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم .
6- بيان قصص بعض المصطفين الأخيار كمريم وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام و ما جرى لعيسى من المعجزات والرد على من ادعى أنه ابن الله .
7- أمر النبي أن يدعو أهل الكتاب إلى المباهلة والدعاء بأن ينزل الله لعنته على الكافرين .
8- بيان أنه تعالى أخذ الميثاق على الأنبياء : أن يؤمنوا بجميع الرسل وأن من صفة محمد كونه مصدقا لما معهم .
9- بيان أفضلية البيت الحرام على غيره وأن حجه واجب على المستطيع .
10- ذكر غزوة أحد وبيان أن طريق الجنة : الجهاد والعمل الصالح وان كثيرا من الأمم حاربت مع أنبيائهم .
11- النبي صلى الله عليه وسلم رحيم بأمته ولو كان سيء الأخلاق لابتعد الناس عنه وقد حثه القرآن على مشاورة أصحابه والعزم على التوكل على الله وقد تفضل الله على الخلق برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .
12- بيان حال الشهداء وفضلهم ومنزلتهم السامية عند الله .
13- بيان أن بعض أهل الكتاب آمنوا وحث المؤمنين على الصبر والمرابطة والتقوى والتمسك بالوحدانية المطلقة .
{ ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام }
تحدثا عن فواتح السورة في أول سورة البقرة وتكلمنا عن الحروف المقطعة التي بدأت بها بعض السور وآراء العلماء في هذه الفواتح ترجع إلى رأيين اثنين .
أحدهما : أنها جميعا مما استأثر الله به ولا يعلم معناها أحد سواه وهذا رأي كثير من الصحابة والتابعين .
ثانيهما : أن لها معنى وقد ذهبوا في معناها مذاهب شتى فمنهم من قال هي أسماء للسورة ومنهم من قال هي رموز لبعض أسماء الله تعالى أو صفاته ومنهم من قال هي حروف للتنبيه ومنهم من ذكر أنها حروف للتحدي والإعجاز وبيان أن الخلق عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن مع انه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها وفي هذا دليل على أنه ليس من صنع بشر بل تنزيل من حكيم حميد .
هي السورة الثالثة ، مدنية ، وعدد آياتها مائتان . وسبب تسميتها " آل عمران " أنه جاء ذكر عمران مرتين في آيتين متتاليتين . وقد سميت سورة البقرة بهذا الاسم لقصة فيها ، أما سورة المائدة فقد سميت بذلك لقصة المائدة التي طلب الحواريون إنزالها من السماء . وهكذا نرى أن السور تسمى بأهم أو أغرب ما اشتملت عليه .
وليست سورة آل عمران من أوائل ما نزل بالمدينة ، فقد كان نزولها بعد فترة تقلبت فيها على المؤمنين أحوال من النصر والهزيمة في غزوات متعددة ، واختلطوا بأهل الكتاب وجرى بينهم كثير من الحجاج والنقاش فيما يتصل بالدعوة المحمدية وفروعها . وقد نزلت " آل عمران " بعد سورة الأنفال التي تكلفت بالكلام على موقعة بدر ، وبرزت العناية فيها بأمرين عظيمين لهما خطرهما في سعادة الأمم وشقائها .
أحدهما : تقرير الحق في قضية العالم الكبرى ، وهي مسألة الألوهية وإنزال الكتب وما يتعلق بها من أمر الدين والوحي والرسالة .
والثاني : تقرير العلة التي من أجلها ينصرف الناس في كل زمان ومكان عن التوجه إلى معرفة الحق والعمل على إدراكه والتمسك به .
لذاك نجدها بدأت بتقرير الأمر الأول فذكرت وحدانية الله ، وأنه وحده الحي الذي لا يدركه الفناء ، القيوم الذي له الهيمنة على شئون الخلق بالإيجاد والتربية الجسمية والعقلية . كما قررت علمه المحيط وقدرته النافذة القاهرة . ثم قدّرت اصطفاء الله لبعض خلقه { رسلا مبشرين ومنذرين } يعرفون مهمتهم وهي دعوة الخلق إلى الحق ، وأن الله تعالى أخذ على هؤلاء الرسل جميعا العهد والميثاق أن يصدِّق بعضهم بعضا في الحق وفي دعوة الناس إلى الله .
هذا هو العهد الذي حفظه عيسى عليه السلام وتوفي عليه وبه يلقى ربه يوم القيامة .
كما أبرزت السورة وحدة الدين عند الله وعلى لسان رسله جميعا . وقد خصت جماعة المسرفين في شأن عيسى ، الزاعمين له ما ليس له من ألوهية أو بنوة أو حلول ، فذكرت أنه لم يكن إلا رجلا من آل عمران الذين اصطفاهم الله من بين من اصطفى ، وبينت أن الخوارق التي ظهرت على يده لم تكن إلا من سنّة الله في تأييد رسله بالمعجزات .
وبعد أن تكشف السورة لأولئك شُبهتهم التي ضلوا بها ، تسلك معهم سبيلا آخر فتأمر الرسول الكريم أن يتقدم إليهم فيدعوهم إلى المباهلة : وهي أن يجتمعوا جميعا في صعيد واحد ، ويستمطر الكل لعنة الله على الكاذب من الفريقين ، فلم يقبلوا ، بل خافوا وتولوا وانقطعوا عن الحِجاج . ثم ذكرت السورة أمورا كثيرة عن تفنّن أهل الكتاب في إضلال المؤمنين ، كما بينت حيلهم وفنّدتها في كثير من الآيات البينات .
وبينما كانت السورة تقرر هذا المقصد على النحو الذي شرحناه باختصار ، فقد عرضت أثناء ذلك بيان العلة التي تستحوذ على قلوب الناس ، فتحُول بينهم وبين اعتناق الحق والعمل به . وهذا هو المقصد الثاني للسورة . وهي ترده إلى شيء واحد هو الاعتزاز بما لهم من أموال وأولاد وسلطان . فقد كان المشركون يتصورون أن إيمانهم بمحمد فيه زلزلة لما لهم من جاه وسلطان . . وهم يريدون الحفاظ على ذلك .
وبعد أن ترسِّخ السورة هذين المقصدين تتجه إلى جماعة المؤمنين ، فتحذرهم ألا يتأثروا قليلا أو كثيرا بخطة هؤلاء المعاندين في الاغترار بمتاع الحياة الدنيا . وتطلب إليهم أن يعتصموا بحبل الله . ثم تبين لهم علاقاتهم بغير المؤمنين وكيف يجب عليهم أن يعاملوهم ، شارحة ما يباح لهم وما لا يباح .
وهي تلفت نظرهم إلى واقعة بدر وكيف أنهم انتصروا فيها بالإيمان والصبر رغم قلة كانت لديهم في العدة والعدد ، وكثرة لدى أعدائهم في الجانبين .
ثم توجه انتباههم إلى واقعة أحُد ، يوم اعتمدوا على قوتهم وكثرتهم . يومذاك انهزموا ، بعد أن خطفت أبصارهم زخارف الدنيا .
وهي تذكر أن تلك الهزيمة كانت ابتلاء من الله وتمحيصا للمؤمنين ، وتقرر أن العاقبة لهم على كل حال . أما الشهداء فهم الفائزون ، لأنهم أحياء عند ربهم يُرزقون .
بعد ذلك وجهت السورة نداءات إلهية لجماعة المؤمنين ، وحرمت الربا قليله وكثيره ، ثم نبهت المؤمنين إلى أنّ من شأن أرباب الحق أن ينالهم كثير من الأذى ، بالقول والعمل ، من حُماة الباطل . وأن واجب المؤمنين أن يتلقوا كل ذلك بالصبر والاحتمال .
وبعد هذا كله تُختم السورة بأمرين عظيمين :
الأول : رسم الطريق الذي يصل به الإنسان إلى معرفة الحق والإيمان به .
والثاني : هذه النصيحة الغالية التي ما تمسكت بها أمة إلا سمت وعزّت ، ولا تخلت عنها أمة إلا أخذها الضعف فأفضى بها إلى الذل والهوان .
{ يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } .
ووجهُ اتصال هذه السورة بالتي قبلها : أن كلا منهما بدأ بذكر الكتاب وحال الناس في الاهتداء به . وأن الأولى تأتي على ذكر آدم وخلْقه ، والثانية على خلق عيسى . وكلاهما جرى على غير سنة سابقة في الخلق . وفي كل منهما محاجّة لأهل الكتاب . وقد جاء الحِجاج في " البقرة " بإسهاب في محاجة اليهود وباختصار في محاجة النصارى ، وفي " آل عمران " عكس هذا .
وفي آخر كل من السورتين دعاء ، كما أن الثانية ختمت بما يناسب بدء الأولى وكأنها متممة لها ، فبدئت الأولى بآيات الفلاح للمتقين ، وختمت هذه بقوله تعالى { واتقوا الله لعلكم تفلحون } .
ألف لام ميم : وردت هذه الأحرف في فاتح عدد من السور ، وقد قدمنا الكلام عليها في أول سورة البقرة . والرأي المرجح أنها جاءت في أوائل السور لتنبيه المخاطبين إلى ما يلقى بعدها من حديث يستدعي العناية بفهمه .
روى الطبري في تفسيره أن الله عز وجل أخبر عباده أن الألوهية خاصة به دون ما سواه ، وأن العبادة لا تجوز إلا له . وقد افتتح السورة بنفي الألوهية عن غيره احتجاجاً منه على طائفة من النصارى ، قدمِتْ على رسول الله من نجران . وكانوا ستين راكباً فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم ، أميرهم العاقب ، واسمه عبد المسيح ، وهو صاحب مشورتهم الذي لا يصُدرون إلا عن رأيه . وكان منهم أبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل ، أسقفهم وحبرهم وإمامهم . ولقد قدموا إلى المدينة ، فدخلوا مسجد الرسول حين صلى العصر . وحانت صلاتهم فقاموا يصلّون في مسجد النبي ، فقال لأصحابه دعوهم . فصلّوا إلى المشرق . فقام رؤساؤهم وكلّموا رسول الله في شأن المسيح ، وأنه هو الله ، وابن الله ، وثالث ثلاثة . فقال لهم النبي : ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه ؟ قالوا بلى . قال : ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت ، وأن عيسى عليه الفناء ؟ قالوا : بلى ، قال : ألستم تعلمون أن ربنا قيّم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه . قالوا : بلى ، قال : فهل يملك عيسى من ذلك شيئا ؟ قالوا : لا ، قال : أفلستم تعلمون أن الله عز وجل لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء . قالوا : بلى ، قال : فهل يعلم عيسى من ذلك شيئا إلا ما عُلِّم ؟ قالوا : لا ، قال : فإن ربنا صوّر عيسى في الرحم كيف شاء ، فهل تعلمون ذلك ؟ قالوا : بلى ، قال : ألستم تعملون أن ربنا لا يأكل الطعام ، ولا يشرب الشراب ولا يُحدث الحدث ؟ قالوا : بلى ، قال : ألستم تعلمون أن عيسى حملته امرأة كما تحمل المرأة ، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ، ثم غُذي كما يغذّى الصبي ، ثم كان يَطعم الطعام ، ويشرب الشراب ، ويُحدث الحدث ؟ قالوا : بلى ، قال : فكيف يكون هذا كما زعمتم ؟ قال : فعرفوا ثم أبَوا إلا جحودا . فأنزل الله عز وجل { الم الله لا إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم } إلى بضع وثمانين آية كما سيأتي .