تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ} (12)

المفردات :

كتب على نفسه الرحمة : أي أوجبها على نفسه ، فضلا منه وكرما .

التفسير :

12- قل لمن ما في السموات والأرض قل لله . . . الآية . أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الجاحدين المعرضين عن دعوتك : لمن هذا الكون بكل ما فيه من يملك السماء وما فيها من شموس وأقمار وملائكة وأبراج وأفلاك ؟

ومن يملك الأرض وما فيها من نبات ، وإنسان وحيوان وحشرات وإنس وجن وغير ذلك من المخلوقات ؟

إن الإجابة الصحيحة التي يعترفون بها ولا يستطيعون إنكارها ، أن هذا الكون كله قد خله الله .

قال تعالى : ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون . ( العنكبوت : 21 ) .

وإنما أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يتولى الإجابة عنهم لأن هذا الجواب معترف به منهم لا يسعهم إنكاره .

قال الإمام الرازي : وقوله : قل لمن ما في السموات والأرض . سؤال ، وقوله : قل لله . جواب فقد أمره الله تعالى بالسؤال أولا ثم الجواب ثانيا ، وهذا إنما يحسن في الموضع الذي يكون الجواب قد بلغ في الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره منكر ، ولا يقدر على دفعه دافع ، وهنا كذلك لأن القوم كانوا معترفين بأن العالم كله لله وتحت تصرفه وقهره وقدرته ( 60 ) .

قال الزمخشري :

والمقصود من السؤال هنا ، التبكيت والتوبيخ .

كتب على نفسه الرحمة . أي أوجهها على نفسه لعباده فضلا منه ومنة فهو سبحانه خالق الكون ومبدعه على غير مثال سابق ، وهو سبحانه يسمع النداء ويجيب الدعاء ، وهو سبحانه غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ، وهو سبحانه قريب من عباده ، متحنن على خلقه ، وهو سبحانه قسم الرحمة مائة جزء أنزل جزءا واحدا في الدنيا يتراحم به الناس وادخر 99 جزءا يرحم بها عباده يوم القيامة ، وهو سبحانه ، يتلطف ويتحنن على عباده فيفتح بابه بالليل ليتوب مسيء النهار ويفتح بابه بالنهار ليتوب مسيء الليل ، وفي الحديث الصحيح : ( ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فينادي يا عبادي : هل من داع فأستجب له ، هل من مستغفر فأغفر له ، هل من تائب فأتوب عليه ، هل من طالب حاجة فأقضيها له حتى يطلع الفجر ( 61 ) .

ومن رحمة الله بعباده أنه يجمعهم للجزاء والثواب والعقاب يوم القيامة ، وبذلك يثق المؤمن أن وراء هذه الدنيا دارا أخرى هي دار الجزاء العادل ، والفاجر يرتدع وينزجر ولا يتمادى في فجوره ، ومن رحمة الله أن جعل جزاء الحسنة عشر أمثالها وجعل جزاء السيئة سيئة مثلها ، وفي الصحيحين ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن الله لما خلق الخلق كتب كتابا عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي ) ( 62 ) .

وقد أفاض الأستاذ سيد قطب عند تفسير هذا المقطع من الآية في بيان فضل الله ورحمته وكرمه ولطفه وإنعامه على عباده .

ثم نقل طائفة كثيرة من الأحاديث النبوية الشريفة في بيان رحمة الله وفضله ، ثم نقل جانبا من سعة رحمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتربيته لأصحابه على معاني الرحمة حيث بين لهم أن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حار يطيف ببئر قد أخرج لسانه من العطش فنزعت خفها فسقته به فغفر الله لها ( 63 ) وفي رواية عند مالك والشيخين أن رجلا سقى كلبا فشكر الله له فغفر له ، قالوا يا رسول الله وإن لنا في البهائم لأجرا ؟ قال : في كل كبد رطبة أجر . ( 64 ) .

ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه . وهذا الجمع من سعة فضل الله ورحمته وعدله بين عباده فقد جمعهم لإثابة المحسن ومعاقبة المسيء ، وقد أكد هذا المعنى بلام القسم وبنون التأكيد الثقيلة ، وبقوله سبحانه لا ريب فيه . أي ، ه يوم لا ينبغي لأحد أن يرتاب فيه لوضوح أدلته .

الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون . ستكون خسارتهم شديدة يوم القيامة ، هؤلاء الذين عطلوا أماكن الإدراك في أنفسهم ، فعموا أعينهم عن الحق ، وصموا آذانهم عن سماع النصح ، وأغلقوا قلوبهم عن التفتح لنداء الإيمان ، وأهدروا قواهم العقلية وعطلوها عن النظر في آيات الله .

لقد خسروا أنفسهم فلم تعد لهم نفس تؤمن ، إن هؤلاء لم يخسروا شيئا ويربحوا شيئا ، إن خسارتهم كاملة فقد خسروا أنفسهم وخسروا بواعث الإيمان وخسارتهم أكبر الخسائر في الدنيا وعند البعث والجزاء .

قال الألوسي : في تفسيره روح المعاني :

الفاء في قوله : فهم لا يؤمنون . للدلالة على أن عدم إيمانهم وإصرارهم على الكفر مسبب عن خسرانهم ، فإن إبطال العقل والانهماك في التقليد أدى بهم إلى الإصرار على الكفر والامتناع عن الإيمان .

/خ16

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ} (12)

كتب على نفسه الرحمة : أوجب على نفسه إيجاب فضل وكرم .

في الآيات السابقة ذكرَ اللهُ تعالى أصول الدين الثلاثة : التوحيد ، والبعث ، والجزاء ، ورسالة محمد ، ثم ذكر شبهات الكافرين الجاحدين وبيّن ما يدحضها ، ثم أرشد إلى سننه تعالى في أقوام الرسل المكذّبين وعاقبتهم . وهنا يرد ذِكر هذه الأصول الثلاثة بأسلوب آخر : أسلوب السؤال والجواب .

هذا الأسلوب في طريقين بارزين لا نكاد نجدهما بهذه الكثرة في غير هذه السورة . فهي تورد الأدلةَ المتعلقة بتوحيد الله ، وتفرُّدِه بالمُلك والقدرة في صورة الشأن المسلَّم بالتقرير الذي لا يقبل الإنكار أو الجدل { هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ وَهُوَ الله فِي السماوات وَفِي الأرض يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ الخ . . . } هذا الأسلوب .

أما الأسلوب الثاني فهو أسلوب التلقين : تلقين الحجة والأمر بقذفها في وجه الخصم حتى تحيط به من جميع جوانبه فلا يستطيع التفلّت منها ، ولا يجد بُدّاً من الاستسلام لها . ففي حجج التوحيد والقدرة :

{ قُل لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض قُل للَّهِ كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة }

{ قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السماوات والأرض . . . الآية } .

{ قُلْ إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } .

{ قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله أَوْ أَتَتْكُمْ الساعة أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } .

{ قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ }

وفي حجج الوحي وبيان مهمة الرسول ، وأن الرسالة لا تنافي البشرية ، وفي إيمان الرسول بدعوته ، واعتماده على الله ، وعدم اكتراثه بهم ، أو انتظار الأجر منهم :

{ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً ؟ قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ } .

{ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله ولا أَعْلَمُ الغيب ، ولا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحَى إِلَيَّ } إلى آيات كثيرة .

وفي وعيدهم على التكذيب :

{ قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض ثُمَّ انظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المكذبين } .

{ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الظالمون } .

{ قُلْ يَا قَوْمِ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ إِنَّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدار } .

{ قُلِ انتظروا إِنَّا مُنتَظِرُونَ } .

وفي الرد عليهم في التحليل والتحريم من دون الله وتفنيدِ شبهتهم في الشرك وآثاره ، وفي بيان ما حرم خاصة في الطعام ، وعامة في نظام الله :

{ قُلْ آالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنثيين } .

{ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً الآية . . . } .

{ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ ؟ } .

{ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } .

هذان الأسلوبان قد تناوبا معظم ما تضمنته هذه السورة العظيمة ، والقرآن كله عظيم . .

ويدل الأسلوبان على أنهما صدرا في موقف واحد ، وفي مقصد واحد ، ولخصم واحد بَلَغ من الشدة والعتو مبلغاً استدعى من الله تزويد الرسول بعدةٍ قوية تتضافر في جملة شديدة يقذف بها في معسكر الأعداء ، فتزلزل عمده ، وتهد من بنيانه ، فيخضع بالتسليم للحق .

{ قُل لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض ؟ } .

قل أيها الرسول ، لقومك الجاحدين لرسالتك ، المعرضين عن دعوتك : من هو مالك السماوات والأرض ومن فيهن ؟ فإن أحجموا ولم يجيبوا ، فقل الجواب الذي لا جواب غيره : إن مالكها هو الله وحده لا شريك له . لقد أوجب على ذاته العلية الرحمة بخلقه ، فلا يعجل في عقوبتهم وإنما يقبل توبتهم . ومن مقتضى هذه الرحمة أن يجمعكم إلى يوم القيامة .

{ الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } ، والذين ضّيعوا أنفسَهم ، وعرَّضوها للعذاب في هذا اليوم هم الذين لا يؤمنوا بالله ، ولم يصدقوا رسوله ، ولا بيوم الحساب .