تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ} (1)

مقدمة السورة:

دروس من سورة الأنعام

1- كيف أنزلت ؟

سورة الأنعام سورة مكية وهي أول سورة مكية في ترتيب الصحف فسورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة كلها سورة مدنية أما سورة الأنعام فهي أول سورة مكية ، توضع في السبع الطوال من سور القرآن الكريم .

وقد جاءت عدة روايات تذكر فضل سورة الأنعام وتبين أنها نزلت جملة واحدة مشيعة بالملائكة .

قال الإمام الرازي في تفسيره ( مفاتيح الغيب ) :

( إن هذه السورة اختصت بنوعين من الفضيلة . أحدهما : أنه نزلت دفعة واحدة والثاني : أنها شيعها ألفا من الملائكة والسبب في ذلك أنها مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وإبطال مذاهب المبطلين والملحدين ) .

ويقول القرطبي :

قال العلماء : هذه السورة أصل في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين ومن كذب بالبعث والنشور وهذا يقتضي إنزالها جملة واحدة لأنها في معنى واحد من الحجة وإن تصرف ذلك بوجوه كثيرة وعليها بني المتكلمون أصول الدين .

وعدد آيات سورة الأنعام ( 165 ) آية وعدد كلمتها ( 3053 ) كلمة .

2- لم سميت بسورة الأنعام :

سميت هذه السورة بسورة الأنعام ، والأنعام ذوات الخف والظلف : وهي الإبل والبقر والغنم بجميع أنواعها ، لأنها هي السورة التي عرضت لذكر الأنعام على تفصيل لم يرد في غيرها من السور ، فقد ورد ذكر الأنعام في مواضع كثيرة من القرآن عرضا ، أما سورة الأنعام ، فقد جاءت بحديث طويل عن الأنعام ، استغرق خمس عشرة آية ، من أول الآية 136 إلى آخر الآية 150 . وقد تناول الحديث عن الأنعام في هذه الآيات من السورة جوانب متعددة ، تتصل بعقائد المشركين فبينت السورة ما في عقائدهم من الخلل والفساد ، إذ كانوا يحرمون بعض الأنعام على أنفسهم ، ويجعلون قسما من الأنعام لآلهتهم وأصنامهم : وقسما لله ، ثم يجورون على القسم الذي جعلوه لله فيأخذون منه لأصنامهم .

3- تاريخ نزول السورة :

نزلت سورة الأنعام في السنة الرابعة من البعثة المحمدية ، أي عقب أمر النبي صلى الله عليه و آله وسلم أن يصدع بالدعوة ويعلنها للناس بعد أن أسر بها ثلاث سنين .

وتميزت الفترة التي نزلت فيها سورة الأنعام بقسوة المشركين وعنفهم في مقاومة الدعوة الإسلامية وإنكارها ، فقد بدأت الدعوة سرا ثم جهر النبي بدعوته في مكة ، ونزلت سورة الأنعام بعد الجهر بالدعوة بسنة واحدة ، فاستعرضت الأدلة على توحيد الله وقدرته ثم ساقت أدلة المشركين وشبههم فأبطلتها وفندتها .

وقد أخذ المشركون بالنجاح الذي صارت عليه دعوة الإسلام حتى استطاعت أن تستعلن بعد الخفاء ، وأن تتحدى في صوت عال ونداء جهير ، بعد أن كان المؤمنون بها يلجئون إلى الشعاب والأماكن البعيدة ليؤدوا صلاتهم ، ورأى المشركون أن محمدا ماض في إعلان دعوته وتلاوة ما أنزل عليه من الكتاب ، وفيه إنذار لهم وتنفيذ لمعتقداتهم وتسفيه لآرائهم ، وإنكار لآلهتهم ، وتهكم بأوثانهم وتقاليدهم البالية ، فكان منهم من يستمع للقرآن متأثرا بقوته أو متذوقا لبلاغته ، ومنهم من يبعد عنه خوفا منه . يومئذ واجهت دعوة الحق أعداءها مفسرة واضحة متحدية ، ووقف هؤلاء الأعداء مشدوهين مضطربين ، يشعرون في أعماق نفوسهم بصدقها وكذبهم ، ويترقبون يوما قريبا لانتصارها وانهزامهم ، ولا يجدون لهم حيلة إلا المكابرة والمعارضة المستميتة بما درجوا عليه من العقائد الباطلة ، وبادعائهم كذب الرسول ، وبزعمهم أن إرسال الرسل من البشر أمر لم يقع من قبل ، وأن الله لو شاء إبلاغ عباده شيئا لأنزل إليهم الملائكة ، وأنكر كفارة مكة البعث والدار الآخرة ، واستماتوا في الدفاع عن عقائدهم وآلهتهم ، ونسوا أن محمدا عاش فيهم عمرا طويلا لم يقل فيهم يوما قولة كاذبة ، ولم يخن فيهم يوما أمانة اؤتمن عليها ، وأنهم لذلك كانوا يلقبونه بالصادق الأمين .

ولكنهم فكروا فقط في أن الدعوة الجديدة يجب أن تموت في مهدها ، ويجب أن تكتم أنفاسها قبل أن تنبعث حرارة هذه الأنفاس إلى البلاد والقبائل والشعوب .

ووجهت الدعوة الإسلامية بهذا النضال وتحملت جميع مقتضياته وأثقاله ، وكانت سورة الأنعام مثالا لتحقيق هذه الدعوة الإسلامية في هذه الفترة . فقد جمعت كل العقائد الصحيحة ، وعنيت بالاحتجاج لأصول الدين ، وتفنيد شبه الملحدين ، وإبطال العقائد الفاسدة ، وتركيز مبادئ الأخلاق الفاضلة .

4- مميزات المكي والمدني :

وضع العلماء ضوابط تميز السور المكية من المدنية ، واستنبطوا خصائص الأسلوب والموضوعات التي تناولتها كل مجموعة منها .

فمن خصائص السور المكية ما يأتي :

1- الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله وحده وإثبات الرسالة وإثبات البعث والجزاء وذكر القيامة وهولها والنار وعذابها والجنة ونعيمها ، ومجادلة المشركين بالبراهين العقلية والآيات الكونية .

2- وضع الأسس العامة للفضائل الأخلاقية التي يقوم عليها كيان المجتمع ، وفضح جرائم المشركين في سفك الدماء . وأكل أموال اليتامى ظلما ، ووأد البنات ، وما كانوا عليه من سوء العادات .

3- ذكر قصص الأنبياء والأمم السابقة زجرا للكافرين حتى يعتبروا بمصير المكذبين قبلهم ، وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى يصبر على أذاهم ويطمئن على الانتصار عليهم .

4- قصر الفواصل مع قوة الألفاظ ، وإيجاز العبارة ، بما يصخ الآذان ويشتد قرعه على المسامع ، وينبه القلوب ويحرك الأفئدة .

ومن خصائص السور المدنية ما يأتي :

1- بيان العبادات والمعاملات ، والحدود ، ونظام الأسرة ، والمواريث ، وفضيلة الجهاد ، والصلات الاجتماعية ، والعلاقات الدولية في السلم والحرب وقواعد الحكم ومسائل التشريع .

2- مخاطبة أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، ودعوتهم إلى السلام ، وبيان تحريفهم لكتب الله ، وتجنيهم على الحق ، واختلافهم من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم .

3- الكشف عن سلوك المنافقين ، وتحليل نفسيتهم ، وإزاحة الستار عن خباياهم ، وبيان خطرهم على الدين .

4- طول المقاطع والآيات في أسلوب يقرر الشريعة ويوضح أهدافها .

5- خصائص السور المكية واضحة في سورة الأنعام :

( سورة الأنعام مثل كامل للخصائص المكية ، إنها حشد من الصور الفنية العجيبة واللمسات الوجدانية الموحية ، والمنطق الطبيعي الحي . . وهي كلها من أولها إلى آخرها تنبض بإيقاع واحد ، وتترقرق بماء واحد وتفيض بينبوع زاخر متدفق ) ( 51 ) .

( إن موضوعها الذي تعالجه من مبدئها إلى منتهاها هو موضوع العقيدة ، بكل مقوماتها وبكل مكوناتها ، وهي تأخذ بمجامع النفس البشرية وتطوف بها في الوجود كله ، وراء ينابيع الحقيقة وموحياتها المستترة والظاهرة في هذا الوجود الكبير . . إنها تطوف بالنفس البشرية في ملكوت السماوات والأرض ، تلحظ الظلمات فيها والنور ، وترقب الشمس والنجوم ، وتسرح في الجنات المعروشة وغير المعروشة ، والحياة الباطلة والجارية ، وتقف على مصارع الأمم الخالية ، وآثارها البائدة والباقية ، ثم تسبح مع ظلمات البحر والبر وأسرار الغيب والنفس ، والحي يخرج من الميت والميت يخرج من الحي ومع الحبة المستكنة في ظلام الأرض ، والنطفة المستكنة في ظلام الرحم . ثم تموج بالجن والأنس ، والطير والوحش ، والأولين والآخرين والاحياء والأموات ، والحفظة من الملائكة على النفس بالليل والنهار .

إنه الحشد الكوني الذي يزحم أقطار النفس ، و أقطار الحس ، وأقطار اللمس وأقطار الخيال . . ثم إنها اللمسات المبدعة المحببة ، التي تنتفض المشاهد بعدها والمعاني أحياء تمرح في النفس والخيال . وإذا كل مكرور مألوف من المشاهد والمشاعر جديد نابض كأنما تتلقاه النفس أول مرة ، ولم يطلع عليه من قبل ضمير إنسان . إلا أنها القدرة المبدعة تتبدى في صورة من صورها الكثيرة فما يقدر على بث الحياة هكذا في الصور والمشاعر والمعاني إلا الله الذي بث في الوجود الحياة ( 52 ) .

6- الأغراض الرئيسية لسورة الأنعام :

إن الأغراض الرئيسية التي استهدفتها هذه السورة الكريمة هي تركيز العقائد الأساسية الثلاث التي كان المشركون يومئذ يتنازعون فيها ، وهذه العقائدة الأساسية هي :

أولا : توحيد الله . ويتصل بهذا إقامة الدليل على وحدة الألوهية ، بلفت النظر إلى آثار الربوبية ، وإلى صفات الله الخالق المتصرف ، كما يتصل بها إبطال عقيدة الشرك ، وشبهات المشركين ، وتقرير أن العبادة والتوجه والتحريم والتحليل ، إنما ترجع إلى الله .

ثانيا : الإيمان برسوله الذي أرسل ، وكتابه الذي أنزل ، وبيان وظيفة هذا الرسول ورد الشبهات التي تثار حول الوحي والرسالة .

ثالثا : الإيمان باليوم الآخر وما يكون فيه من ثواب وعقاب وجزاء .

وسوف نتناول كل غرض من هذه الأغراض بالتوضيح :

( أ‌ ) وحدة الألوهية :

لقد بدأت سورة الأنعام بتقرير الحقيقة الأولى في كل دين وعلى لسان كل رسول ، تلك الحقيقة التي تؤمن بها الفطر السليمة ويدل عليها العالم بأرضه وسمائه . وما فيه من مخلوقات ناطقة

وصامته ظاهرة وخفية ، وما فيه من تحولات وتقلبات ونور وظلمات ؛ وهذه الحقيقة هي أن الإله الذي له ( الحمد ) المطلق والتنزيه الذي لا يحد هو الله ، لأنه هو الذي ( خلق ) وهو الذي ( جعل ) ؛ فالخلق إنشاء وإبداع ، والجعل تصريف وتقليب ، والعالم أجمع في دائرتيهما ؛ فلا ينفك شيء منه عن كلا هذين المظهرين : ( خلق ) و ( جعل ) ومقتضى ذلك أن المخلوق المجهول ، لايمكن أن يتسامى إلى مرتبة الخالق الجاعل فيعبد كما يعبد ؛ ويقصد كما يقصد ؛ ذلك هو مطلع السورة ( الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ، وجعل الظلمات والنور ، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) . وكل ما جاء في هذه السورة إنما هو بيان وتفصيل ؛ أو تمثيل وتطبيق على هذه الحقيقة أحيانا بصفة مباشرة ، وأحيانا بوسائط تقرب أو تبعد .

وهذا هو المعنى الذي يعبر عنه بعض العلماء بأنه الحكم بتوحيد الألوهية استدلالا بوحدانية الربوبية ، وذلك في القرآن كثير فأول فاتحة الكتاب :

الحمد لله رب العالمين .

وأول الكهف :

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب .

وأول فاطر :

الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا .

ولو ذهبنا نتتبع هذا المعنى فأوغلنا في التتبع ، ورأينا الكثير من الآيات فإن هذا هو أصل الأديان كلها وهو الحقيقة الأولى كما تجلى ذلك في سورة الأنعام . وقد ساقت السورة عددا من الأدلة على توحيد الله ، فهي تلفت النظر إلى مظاهر الملك التام ، والسلطان القاهر في الخلق والتصرف الكامل ، والعلم المحيط فتقول :

قل لمن ما في السموات والأرض قل لله . ( الأنعام : 12 ) .

وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم . ( الأنعام : 13 ) .

وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر و البحر . ( الأنعام : 59 ) .

وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار . ( الأنعام : 60 ) .

وهي تلفت النظر إلى ملكوت السموات والأرض ، وما خلق الله من شيء ، لأن هذا النظر لابد أن يثمر الإيمان بالله .

بل تلفت نظر الإنسان إلى نفسه ، ليتفكر في داخله كيف خلق ؟ وكيف يفكر وكيف يعيش وكيف يموت ؟

وبهذا تكون الحجة عامة لكل ذي عقل سليم وفطرة صافية وإخلاص في تطلب الحقيقة من دلائلها المبثوثة في آفاق السماوات والأرض ولذلك يقول جل شأنه :

سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه كل شيء شهيد . ( فصلت 51 )

( ب‌ ) قضية الوحي والرسالة :

كما تحدثت سورة النعام عن الألوهية والربوبية ، ولفتت الناس إلى مظاهرهما في الخلق والتصرف والتدبير المحكم ، تحدثت عن حقيقة ثانية تنبني على الإيمان بهذه الحقيقة الأولى : ذلك أن من شأن الإله الرب أن يهدي عباده ويرشدهم إلى ما تصلح عليه أمورهم وتقوم عليه سعادتهم في دنياهم وأخراهم .

ومن رحمة الله بعباده أن أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب لهداية الناس من الضلالة إلى الهدى وإخراجهم من الظلمات إلى النور .

وقد عينت سورة الأنعام بهذه الحقيقة ، فتحدثت في كثير من آياتها عن الوحي والرسالة من جوانب شتى ، بعضها يتصل بإثبات الوحي وبيان حكمته والرد على منكريه ، وبعضها يرجع إلى بيان ما هو من وظيفته ، وبعضها يتصل بموقف الناس أمام الرسالات الإلهية ، وبعضها يتعلق الآداب التي رسمها الله للرسول وما ينبغي أن يكون عليه سلوكه مع مخالفيه وموافقيه . قال تعالى :

وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ . ( الأنعام : 19 ) .

وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين . ( الأنعام : 114 ) .

تكذيب المرسلين :

عرضت السورة لموقف المكذبين من الرسالة وبينت أن التكذيب سنة قديمة . فعلى الرسول أن يصبر ويصابر حتى لا يضيق صدره بتكذيبهم إياه ؛ ولا ييأس من هدايتهم . وبينت السورة حسن عاقبة المرسلين . وسوء عاقبة المكذبين قال تعالى :

قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون . ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله لقد جاءك من نبإ المرسلين . ( الأنعام : 34 ، 33 ) .

ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون . ( الأنعام : 10 ) .

نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم :

أثبت القرآن الوحي والرسالة ؛ ثم أثبت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدليل القاطع والحجة البالغة . فقد نشأ هذا النبي يتيما فقيرا أميا في بيئة مشركة جاهلة ؛ فمن أين له هذا الكتاب المحكم الذي اشتمل على مبادئ الإصلاح العالمي كلها ؟ والذي لم يستطع العلم في أزهى عصوره أن يهدم حقيقة من الحقائق التي جاء بها .

إن القرآن قد تحدى العرب ببلاغته وقوة بيانه فعجزوا عن الإتيان بمثله أو بعشر سور منه ؛ أو بسورة واحدة .

وقد تحدى القرآن الزمان كله بخلوده وصحته ؛ وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .

وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء . ( الأنعام : 91 ) .

( ج ) قضية البعث والجزاء :

نزلت سورة الأنعام في السنة الرابعة من البعثة بعد أن أمر الله رسوله أن يجهر بالدعوة وأن يعلن عن العقيدة الإلهية ويقرر حقيقة البعث والجزاء علنا أمام المشركين .

وقد سلكت سورة الأنعام طرقا شتى في الاستدلال على قضية البعث فقد استدلت عليه بخلق السموات والأرض في مقدمتها العنوانية :

الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون . ( الأنعام : 1 ) .

فمن خلق السموات والأرض بقدرته ، فهو قادر على إحياء الموتى وإعادة خلق الإنسان فخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

وكررت هذه الحقيقة وأكدت في آياتها بصور شتى فذكرت أن البعث حق ، وأن الله بيده الخلق والأمر والبدء والإعادة والحساب والجزاء قال تعالى :

ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه . ( الأنعام : 12 ) .

وقال سبحانه :

ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون . ( الأنعام : 164 ) .

وقد لون القرآن في قضية البعث والجزاء واستدل عليها بعديد من الأدلة ، منها : أن الحكمة والعدل يقضيان بالحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه كما يقضيان بأن ينال المحسن إحسانه والمسيء إساءته حتى يطهر المسيء من دنس النفس ويكون أهلا لرحمة الله الكاملة ، وهذان شأنان هامان إذ كثيرا ما يرتحل الناس عن الدنيا دون أن يسهل طريق النقاء لمن دسى نفسه ، ودون أن يعرفوا الحق فيما اختلفوا فيه وإذن فلا بد من دار أخرى يلقى الإنسان فيها الجزاء أمام حاكم عادل عليم خبير بكل ما قدم الإنسان .

وقد تعرض أحد القضاة الفرنسيين لتاريخ القضاء في فرنسا وأصدر كتابا فيه عديدا من الحالات حكم فيها بالإعدام أو الإدانة على متهمين ثم برأتها الأيام والحقائق ، وأحصى عديدا من الحالات برأ القضاء فيها متهمين ثم أثبتت الأيام وحقائق الأحداث أنهم مدانون .

ثم عقب القاضي بقوله : إنه لابد من جزاء وحساب أمام قاض آخر لا تخفى عليه خافية ولا تغيب عنه حادثة في دار أخرى ليعوض الناس عن أخطاء القضاء في الدنيا وليكون حكمه فيصلا ومنصفا للمظلمومين ورادعا للمجرمين .

وفي القرآن الكريم آيات عدة تؤكد هذا المعنى ، قال تعالى :

ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون . ( الأنعام : 70 ) .

أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون . ( الجاثية : 21 ) .

وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون . ( الأنعام : ( 32 ) .

وقد لون القرآن ونوع في أدلته على إثبات البعث ، وعرض مشاهد القيامة واضحة للعيان . وعرضت سورة الأنعام لشأن البعث باعتباره أمرا كائنا ليس موضع إنكار ، ولا محلا لريب وصورت فيه موقف المشركين وما سيكونون عليه في ذلك اليوم كأنهم حاضرون معرضون أمام الناس يتأملهم الإنسان ويرى فعلهم وقولهم : قال تعالى :

ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين . أنظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون . ( الأنعام : 22 – 23 ) .

وقال سبحانه :

و لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ، وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون . ( الأنعام : 94 ) .

إلى غير ذلك مما تضمنته السورة من الوصف العيني لمظاهر البعث الذي يأخذ القلب وينير الوجدان .

7- قصة إبراهيم الخليل :

حفلت سورة الأنعام بذكر طرف من قصة إبراهيم الخليل عليه السلام ، فإبراهيم أبو الأنبياء ، والرسول الذي دافع عن التوحيد وتحدى عباد الأصنام ، وأخذ يتأمل بفكره في ملكوت السماوات والأرض ، ليرشد قومه عن طريق الحوار إلى فساد اعتقادهم ودليل خطئهم في تأليه الكواكب والقمر والشمس وغيرها . جن عليه الليل وستره الظلام فرأى كوكبا مما يعبدون وهو بين جماعة منهم يتحدثون ويسمرون فجاراهم في زعمهم وحكى قولهم فقال هذا ربي فلما أفل هذا الكوكب . وغاب هذا النجم تحت الأفق تفقده فلم يجده وبحث عنه فلم يره فقال لا أحب الآلهة المتغيرة من حال إلى حال .

ولما رأى القمر بازغا وهو أسطع نورا من ذلك الكوكب وأكبر منه حجما وأكثر نفعا قال :

هذا ربي . استدراجا لهم واستهواء لقلوبهم ، فلما أفل هذا أيضا واحتجب ، واختفى نوره واستتر قال : لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين . ( الأنعام : 77 ) .

بين لهم أن الله مصدر الهداية ، ومانح التوفيق عند الشك والحيرة . ثم رأى إبراهيم الشمس بازغة يتألق نورها وينبعث منها شعاعها وقد كست الدنيا جمالا و ملأت الأرض حياة وبهاء ، وأرجاء الكون نورا وضياء ، فقال : هذا ربي ، هذا أكبر من كل الكواكب ، وأكثر نفعا وأجل شأنا ، فلما أفلت كغيرها ، وغابت عن عبادها ، رماهم بالشرك وقال :

إني بريء مما تشركون . فهذه الكواكب التي تنتقل من مكان إلى مكان وتتحول من حال إلى حال لابد لها من خالق يدبرها ويحركها وإله ينظمها ويسيرها ، فهي لا تستحق عبادة ولا تعظيما .

وبعد أن أعلن إبراهيم انصرافه عن آلهتهم ، وبراءته من معبوداتهم أفاض الحديث عن إخلاصه لله بعبادته وخضوعه فقال :

إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين . ( الأنعام : 79 ) .

ولقد كان إبراهيم جريئا في إعلان إيمانه ، وإخلاصه لربه ، ومجادلة قومه وإفهامهم أن غير الله لا ينفع ولا يضر . وإن الله وحده هو النافع الضار ، والمعطي المانع ، وهو على كل شيء قدير . وقد ناقش إبراهيم أباه ، وأوضح له طريق الهدى ، وأخلص الدعاء لأبيه أن يلهمه الله طريق الهداية والرشاد ، فلما تبين لإبراهيم أن أباه عدو لله تبرأ منه . وهكذا كان إبراهيم عمليا في دعوته ، عمليا في هجرته وعزلته .

وقد ظهرت قدرة إبراهيم وإخلاصه وتضحيته ، حين حطم الأصنام ، ولام قومه على عبادة ما لا يسمع ولا يبصر ، ولا يضر ولا ينفع ، وظهرت بطولة إبراهيم حين امتحنه الله بذبح ولده إسماعيل ، فامتثل إبراهيم لأمر ربه وخاطب ابنه قائلا :

يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر سيجدني إن شاء الله من الصابرين . ( الصافات : 102 ) .

وصدق الأب في طاعة ربه ، وصدق الابن في الوفاء والامتثال ، وعزم الأب على ذبح ابنه وأخلص النية ، فلما رأى الله منه صدق النية فدى إسماعيل بكبش عظيم وأصبحت الأضحية سنة في كل عام ، يذبحها الغني المقتدر ويوزع من لحمها على الفقراء وعلى الأصدقاء ، ذكرى للتضحية والفداء . واقتداء بإبراهيم الخليل ، وكم لإبراهيم من مواقف جليلة عظيمة في مصر ، وفي فلسطين ، وفي جوار بيت الله الحرام ، وفي بناء الكعبة وهو يخلص الدعاء لله في كل عمل . وقد مدحه القرآن ووصفه بأحسن الصفات إذ يقول جل جلاله :

إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين . ( النحل : 120 ) .

8- الوصايا العشر :

افتتح الربع الأخير من سور الأنعام بالدعوة إلى عشر وصايا هي النهي عن الإشراك بالله ، والأمر بالإحسان إلى الوالدين ، والنهي عن قتل الأولاد مخافة الحاجة ، والنهي عن مقاربة الفاحشة في السر أو العلن ، والنهي عن قتل النفس التي حرم الله قتلها . ثم أمرت الآيات بالإحسان إلى اليتيم وإتمام الكيل والميزان ، كما أمرت بالعدل في كل شيء وأمرت بالوفاء بالعهد والاستقامة على الصراط القويم .

الوصية الأولى : من هذه الوصايا العشر التي وردت بسورة الأنعام هي قوله تعالى :

قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا . ( الأنعام : 151 ) .

وهي الأساس الذي يصلح عليه أمر الناس ، فإن المجتمع الذي يقوم على إيثار الله على كل ما سواه هو المجتمع الفاضل المثالي السعيد ، أما المجتمع الذي يشرك بالله أحدا ويشرك بالله شيئا ، فإنه مجتمع منحل ، تسيره المادة الصماء التي لا روح فيها ولا صلاح ولا قرار معها .

والوصية الثانية : وبالوالدين إحسانا . ( الأنعام : 151 ) .

فالوالدان سبب في حياة الولد فيجب أن يشركهما ويحسن إليهما خصوصا في حالة الكبر والشيخوخة .

والوصية الثالثة : ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم . ( الأنعام : 153 ) .

إن قتل الإنسان لابنه اعتلال في الطبع أو خلل في العقل ، فإن الولد بضعة من الوالد ، والشأن حتى في الحيوان أن يضحي الوالد من أجل أولاده ويحميهم ويتحمل الصعب في سبيلهم ، وفي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن من أكبر الكبائر أن قتل ولدك خشية ان يأكل معك ) ( 53 ){[1]} إذ أن الله يبسط الرزق لمن يشاء : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها . ( هود : 6 ) .

الوصية الرابعة : ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ( الأنعام : 151 ) .

الفواحش هي كل فعل تنكره العقول السليمة والفطر المستقيمية ، والمجتمع الذي يؤمن بأن هناك ( فواحش ) يجب أن تجتنب و ( محاسن ) يجب أن تلتمس هو المجتمع السليم الجدير بالنمو والإرتقاء .

الوصية الخامسة : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون . ( الأنعام : 151 ) .

فالإنسان بنيان الله ، ومن هدم بنيان الله ملعون ، وبذلك يقرر الإسلام عصمة الدم الإنساني إلا بالحق ، ويعتبر من يعتدي على نفس واحدة بغير حق كأنه اعتدى على الإنسانية كلها . وهو المبدأ الذي يعتبر أن الجريمة اعتداء على المجتمع كله .

الوصية السادسة : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن . ( الأنعام : 152 ) .

فاليتيم عارض يعرض في كل مجتمع ، ومن شأن المجتمعات الناضجة أن ترعى اليتامى وأن تحافظ على صلاحهم في أنفسهم وفي أموالهم . و على الواصي أن يعامل اليتيم كما لو كان إبنا من أبناءه فيحسن توجيهه وتأديبه ورعايته وكفالته حتى ينشأ اليتيم مواطنا صالحا وعضوا نافعا .

الوصية السابعة : وأوفوا الكيل والميزان بالقسط . ( الأنعام : 152 ) .

المؤمن عادل في بيعه وشرائه يضبط الكيل ويعطي الحق ويأخذ الحق .

الوصية الثامنة : وإذا قمتم فاعدلوا ( الأنعام : 152 ) .

والعدل هو أساس الحكم السليم ، العدل في القول ، والعدل في الحكم ، والعدل في الشهادة ، والعدل في كل فعل وعمل .

الوصية التاسعة : وبعهد الله أوفوا ( الأنعام : 152 ) .

الوفاء خلة حميدة ، وصفة طيبة من الصفات التي يتحقق بها الخير والصلاح وتستقر عليه أمور الناس .

الوصية العاشرة : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله . ( الأنعام : 153 ) .

وهذه الوصية الأخيرة هي الجامعة لكل ما جاءت به دعوة الحق فهي تدعوا إلى السير على طريق الله وشريعة الله ، وأوامر الله ، والابتعاد عن طريق الشيطان ، وطريق الله سبيل النجاح في الدنيا والآخرة ، وفي سورة الفاتحة : اهدنا الصراط المستقيم .

***

المفردات :

ثم الذين كفروا بربهم يعدلون : أي يسوون به غيره ، تعالى الله عن ذلك .

التفسير :

1- الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور . . . الآية . الثناء الجميل والحمد كله مستحق لله تعالى ، الذي أنشأ بقدرته هذه العوالم العلوية والسفلية وأوجد ما فيها من مخلوقات ناطقة وصامتة ، وظاهرة وخافية وأحدث ما يتعاقب عليها من تحولات وتقلبات ونور وظلمات .

وجعل الظلمات والنور . أي جعل الله ظلام الليل ليكون سكنا . وجعل نور النهار ليكون مجال نشاط الناس وسر الحياة لزروعهم وحيواناتهم .

ثم الذين كفروا بربهم يعدلون . أي بعد هذا الخلق الكبير في خلق السماء وما أضلت ، وخلق الأرضين وما أقلت ، وتسخير الليل والنهار ، فإن الذين كفروا يشركون بالله ، ويعدلون به ويساوون به ما لا يقدر على شيء وهذا نهاية الحمق .

وقد بدأت خمس سور بالحمد لله . وهي : سورة الفاتحة ، وسورة الأنعام ، وسورة الكهف وسورة سبأ ، وسورة فاطر .

فأول سورة الفاتحة : الحمد لله رب العالمين .

وأول سورة الأنعام : الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور .

وأول سورة الكهف : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا

وأول سورة سبأ : الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير .

وأول سورة فاطر : الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير .


[1]:- حاشية الجمل 2/647 نقلا عن تفسير الخازن.
 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الأنعام

هي السورة السادسة من سور القرآن الكريم ، وهي مكية ، وآياتها مئة وخمس وستون نزلت بعد الحجر ، وقد نزلت جملة واحدة على قول معظم المفسرين والرواة . أما تاريخ نزولها فغير معروف بالضبط ، ولكن أقرب الأقوال أنها نزلت في السنة الخامسة أو السادسة من البعثة . ويعود ترجيح ذلك إلى تعدد الموضوعات التي تناولتها ، والتوسع في عرضها الذي تلمح منه الدعوة والجدل مع المشركين ، بسبب من طول الأعراض من طرفهم وإصرارهم على تكذيب رسول الله . وكل هذا يقتضي التوسع في عرض القضايا العقيدية على هذا النحو .

وفي المصحف الأميري أنها مكية إلا الآيات " 20 ، 23 ، 91 ، 92 ، 114 ، 141 ، 151 ، 152 ، 153 " .

أما الرواية عن قتادة وابن عباس فتقول إن السورة كلها مكية نزلت في ليلة واحدة جملة واحدة ، ما عدا آيتين منها نزلتا بالمدينة ، هما قوله تعالى { وما قدروا الله حق قدره . . } إلى قوله { ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } ( 91 ) نزلت في مالك بن الصيف وكعب بن الأشرف اليهوديين . وقوله تعالى : { وهو الذي أنشأ جنات معروشات الآية . . . } ( 141 ) نزلت في قيس بن ثابت أو في معاذ بن جبل .

ولسورة الأنعام منهج خاص في معالجتها للقضايا يخالف منهج السور المدنية الأربع التي سبقتها ، وهي : البقرة وآل عمران والنساء والمائدة . فهذه السور تشترك كلها في هدف واحد ، هو تنظيم شئون المسلمين بالتشريع لهم على اعتبارهم أمة مستقلة ، وبإرشادهم إلى مناقشة جيرانهم أهل الكتاب فيما يتصل بالعقيدة والأحكام ، وإلى الأساس الذي يرجعون إليه ويحكمونه في التعامل معهم في السلم والحرب . وقلما تعرض هذه السور إلى شيء من شئون الشرك ومناقشة المشركين ، كما تفعل سورة الأنعام . ومع اشتراك هذه السور في أصل الهدف العام ، فإنها تختلف قلة وكثرة فيما تتناوله من التشريع الداخلي الخاص بالمسلمين ، والتشريع الخارجي بينهم وبين من يخالفهم في الدين .

أما سورة الأنعام فإنها تتميز عن تلك السور من حيث أهدافها ، فهي ، كسورة مكية ، لم تعرض لشيء من الأحكام التنظيمية لجماعة المسلمين ، كالصوم والحج في العبادات ، والعقوبات في الجنايات ، والمداينة والربا في الأموال ، وأحكام الأسرة في الأحوال الشخصية .

كذلك لم تذكر شيئا عن القتال ومحاربة الخارجين على الدعوة ، كما لم تتحدث في شيء عن أهل الكتاب ، ولا طوائف المنافقين . ولا نجد في السورة نداء واحدا للمؤمنين باعتبارهم جماعة تنظمها وحدة الإيمان ، لأن المجتمع الإسلامي ما كان قد تكون في تلك الفترة .

وتنهج سورة الأنعام منهجا خاصا في معالجتها للقضايا الكبرى التي شغلت العقول منذ القدم ، فتبدأ بالحمد لله ، تثبت استحقاقه وحده له ، وتسير في طريق نوع من أنواع التربية العامة ، وهو ذكر نوع الخلق والإيجاد للكائنات وظواهرها ، { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ، وجعل الظلمات والنور ، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } .

ثم تسير في وصف عظمة الله في آياته الكونية ، سمائه وأرضه ، وتعرض لاستدلال إبراهيم على وحدانية الله بظاهرة البزوغ والأفول للأجرام السماوية التي لا ينفك الإنسان يقلب بصره فيها .

وأخيرا تقول في نتيجة هذا السبح الطويل : { بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ، وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ، ذلكم ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل ، لا تدركه الأبصار ، وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ، قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ، ومن عمي فعليها ، وما أنا عليكم بحفيظ وكذلك نصرف الآيات ، وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون } .

فسورة الأنعام عرضت للعناصر الدينية الأولى ، وهي القضايا الكونية الكبرى التي شغلت العقل البشري منذ نظر في الآفاق . وقد كانت هذه القضايا من قديم الزمن ميدانا لاختلاف النظر ، واختلاف ما يدين به الإنسان في خلق العالم ، قديما وحاضرا . والواقع أن هذه القضايا هي التي تحاول نتائجها الإجابة عن أسئلة ثلاثة تتفاعل في نفس الإنسان وكثيرا ما يقف العقل البشري أمامها حائرا مضطربا .

وهذه القضايا هي : قضية الألوهية وعبادة الله ، وقضية الوحي والرسالة ، وقضية البعث والجزاء .

وقد تناولت سورة الأنعام هذه القضايا التي لو عرفتها البشرية وآمنت بها حق الإيمان ، لتخلصت من ظلمات المادة القاتلة ، واستخدمت تلك المادة في بلوغ أقصى درجات السعادة ، وحققت حكمة الله في خلق الإنسان ، وفي إرسال الرسل إلى الناس .

وقد جاء في تضاعيف هذه السورة تصوير متكرر بعبارات مختلفة وأساليب متعددة في هذه القضايا الثلاث .

قضية الألوهية : فمن تصوير قضية الألوهية : { قل أغير الله أتخذ وليا ، فاطر السماوات والأرض } . { قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون } . { قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله } . { قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا } . { ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه ، وهو على كل شيء وكيل } . { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له } . { قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء } .

قضية الوحي والرسالة : ومن تصوير قضية الوحي والرسالة : { وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ } . { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } . { اتبع ما أوحي إليك من ربك } { وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا ، والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين } . { الله أعلم حيث يجعل رسالته } .

قضية البعث : ومن تصوير قضية البعث : { ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا يرب فيه } . { وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ، وللدار الآخرة خير للذين يتقون ، أفلا تعقلون } { لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون } . { ويوم يقول كن فيكون ، قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور } . { ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } .

هذه نماذج من تصوير سورة الأنعام للقضايا الثلاث التي دار حديثها حولها . وهو تصوير يحمل توجيها واضحا وقويا إلى الحجة والبرهان ، وحسب المنصف في نظره وتدبره أن ينظر فيتفهمه على وجهه الحق ويدرك إشارته وإيحاءه .

ثم تنتهز السورة من الحديث في التحليل والتحريم فرصة لدعوة الناس إلى ما حرم الله في وصايا عشر ، ترجع إلى العقيدة وإلى الأموال والأنفس والمعاملة والفواحش والعدل والوفاء بالعهد . ثم تكون الوصية العاشرة : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون } .

ثم تختم السورة – بعد أن تقطع أعذار المشركين وتتوعدهم على الإعراض عن الحق – بآية تكشف للإنسان مكانته عند ربه في هذه الحياة ، فهو خليفة في الأرض ، جعل الله عمارة الكون تحت يديه . وقد فاوت الخالق في المواهب بين أفراد الإنسان لغاية سامية وحكمة عظيمة ، هي الابتلاء في مواقف هذه الحياة . { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم إن ربك سريع العقاب ، وإنه لغفور رحيم }

ومن هنا كانت سورة الأنعام بين السور المكية ذات شأن في تركيز الدعوة الإسلامية ، تقرر حقائقها وتفند شبه المعارضين لها ، فاقتضت الحكمة الإلهية أن تنزل جملة واحدة ، وقد شاركها في البدء بالحمد أربع سور مكية هي : الفاتحة ، والكهف ، وفاطر ، وسبأ .

يقول الإمام القرطبي في تفسيره : " قال العلماء : إن هذه السورة أصل في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين ، ومن كذب بالبعث والنشور . وهذا يقتضي إنزالها جملة واحدة " .

مناسبة هذه السورة لما قبلها : إن من نظر في ترتيب السور كلها في المصحف يرى أنه قد روعي في ترتيبها الطول والتوسط والقصر في الجملة . ومن الحكمة أن في ذلك عونا على تلاوته وحفظه ، فالناس يبدأون بقراءته من أوله ، فيكون الانتقال من السبع الطوال إلى المئين ، فالمثاني ، فالمفصل أنفى للملل وأدعى إلى النشاط . ويبدأون من آخره ، لأن ذلك أسهل على الأطفال . ولكن في كل قسم من الطوال والمئين والمفصل تقديما لسور قصيرة على سور أطول منها ، ومن حكمة ذلك أنه قد روعي التناسب في معاني السور مع التناسب في السور ، أي مقدار الطول والقصر .

والسبع الطوال أولها البقرة وآخرها التوبة . وسور المئين ما كانت آياتها أكثر من مائة أو قريبا منها . والمثاني ما كانت آياتها أقل من مائة مما قبل المفصل ، وقد سميت مثاني لأنها ثانية المئين أو لأنها تثنى وتعاد كثيرا في التلاوة- وسميت الفاتحة المثاني لهذا المعنى أيضا . أما المفصل فقد سمي كذلك لكثرة الفصل بين سوره .

وقد تقدم سورة الأنعام أربع سور طوال مدنية ، وجاء بعدهن سورتا الأنعام والأعراف المكيتان ، وبعدهما سورتا الأنفال والتوبة المدنيتان ، وتقعان في أوائل الربع الثاني من القرآن . وما بعدهما من سور النصف الأول من القرآن كله مكي . وسور الربع الثالث كلها مكية ، إلا سورة النور فإنها مدنية ، وسورة الحج فهي مختلطة . أما الربع الرابع فهو مختلط وأكثره سور المفصل التي تقرأ في الصلاة . وهنا يحسن أن نبين مناسبة جعل سورتي الأنعام والأعراف المكيتين بعد السور الأربع المدنية وقبل الأنفال والتوبة ، ثم مناسبة الأنعام للمائدة .

إن سورة البقرة أجمع سور القرآن لأصول الإسلام وفروعه ، ففيها بيان التوحيد والبعث والرسالة العامة والخاصة ، وأركان الإسلام العملية . وفيها بيان الخلق والتكوين ، وأحوال أهل الكتاب والمشركين والمنافقين في دعوة القرآن ، ومحاجة والجميع . فيها بيان أحكام المعاملات المالية ، والقتال ، والزوجية ، والسور الطوال التي بعدها متممة لما فيها ، فالثلاث الأولى منها مفصلة لكل ما يتعلق بأهل الكتاب ، لكن البقرة أطالت في محاجة اليهود خاصة ، وأطالت آل عمران في محاجة النصارى في نصفها الأول ، وحاجتهم سورة النساء في أواخرها ، واشتملت في أثنائها على بيان شئون المنافقين مما أجمل في سورة البقرة . ثم أتمت سورة المائدة محاجة اليهود والنصارى فيما يشتركان فيه وفيما ينفرد كل منهما به .

ولما كان أمر العقائد هو الأهم المقدم في الدين ، وكان شأن أهل الكتاب فيه أعظم من شأن المشركين ، قدمت السور المشتملة على محاجتهم بالتفصيل ، وناسب أن يجيء بعدها ما فيه محاجة المشركين بالتفصيل . وتلك سورة الأنعام لم تستوف مثله سورة مثلها ، فهي متممة لشرح ما في سورة البقرة مما يتعلق بالعقائد .

وجاءت سورة الأعراف بعدها متممة لشرح ما فيها ومبينة لسنن الله تعالى في الأنبياء والمرسلين وشئون أممهم معهم . وهي حجة على المشركين وأهل الكتاب جميعا . لكن سورة الأنعام فصلت الكلام في إبراهيم الذي ينتمي إليه العرب وأهل الكتاب في النسب والدين ، فيما فصلت سورة الأعراف الكلام في موسى الذي ينتمي إليه أهل الكتاب ويتبع شريعته جميع أنبيائهم حتى عيسى ابن مريم .

ولما تم بهذه الصورة تفصيل ما أجمل في سورة البقرة من العقائد في الإلهيات والنبوات والبعث ، ناسب أن يذكر بعدها تكملة ما أجمل فيها من الأحكام ، ولا سيما أحكام القتال والمارقين والمنافقين .

وبذلك يتبين أن ركن المناسبة الأعظم بين سورتي المائدة والأنعام أن المائدة معظمها في محاجة أهل الكتاب ، والأنعام في محاجة المشركين . ومن التناسب بينهما في الأحكام أن سورة الأنعام قد ذكرت أحكام الأطعمة المحرمة في دين الله والذبائح بالإجمال ، فيما ذكرت سورة المائدة ذلك بالتفصيل .

والخلاصة : أن سورة الأنعام نبهت الناس إلى الكون وما فيه من دلالة على عظم المنشئ وجلاله ووحدانيته ، كذلك تضمنت السورة قصص بعض النبيين ، بدءا بقصة إبراهيم ، وكيف أنه أخذ معنى الوحدانية من مطالعة كتاب الكون ، انطلاقا من النجوم ، فالقمر ، ثم الشمس ، وانتهى إلى عبادة الله وحده ، كما وجهت الأنظار إلى عجائب الخلق : كيف ينبت الحي الرطب من الجامد اليابس ، وكيف ينفلق الحب فيكون منه النبات .

وقد ذكرت السورة صفات الجاحدين ، وكيف يتعلقون بأوهام تبعدهم عن الحق وتضلهم . ومن ذلك انطلقت إلى بيان هذه الأوامر التي هي خلاصة الإسلام والأخلاق الحميدة ، وهي : تحريم الشرك ، والزنى ، وقتل النفس ، وأكل مال اليتيم ، ووجوب إيفاء الكيل والميزان ، وتحقيق العدالة ، والوفاء بالعهد ، والإحسان إلى الوالدين ، ومنع وأد البنات . وهذه التي سماها بعض العلماء " الوصايا العشر " .

هذه سورة الأنعام في جملتها ، وفي أسلوبها ، وفي مقارنتها بسواها ، وفيما امتازت به عن غيرها . ومن ذلك يظهر أنه لا مجال للقول بأن بعضها مدني ، ولا بأن آية كذا نزلت في حادثة كذا . أنها كلها جملة واحدة ، نزلت لغاية واحدة هي تركيز الدعوة بتقرير أصولها ، والدفاع عنها ، على الوجه الذي بيناه .

بسم الله الرحمان الرحيم

الحمد : الثناء الحق والذكر الجميل .

الظلمة : الحال التي يكون عليها كل مكان لا نور فيه ، والنور قسمان : حِسّي وهو ما يدرك بالبصر ، ومعنويّ وهو ما يدرَك بالبصيرة .

الجَعل : الإنشاء والإبداع كالخلق ، إلا أن الجعل مختص بالإنشاء التكويني كما في هذه الآية ، وبالتشريعي كما في قوله تعالى : « ما جعل الله من بَحيرة ولا سائبة »الآية .

ولم يذكر النور في القرآن إلا مفرداً ، والظلمة إلا جمعاً . وذلك لأن النور واحد حتى لو تعددت مصادره ، فيما تتم الظُلمة بعد حجب النور واعتراضه ، ومصادر ذلك كثيرة . وكذلك حال النور المعنوي ، فهو شيء واحد فيما الظلمات متعددة . فالحق واحد لا يتعدد ، والباطل الذي يقابله كثير . والهدى واحد ، والضلال المقابل له كثير . وقُدمت الظلمات في الذكر على النور لأنها سابقة عليه في الوجود ، فقد وُجدت مادة الكون وكانت سديما كما يقول علماء الفلك ، ثم تكوّنت الشموس والأجرام بما حدث فيها من الاشتعال لشدة الحركة . وإلى هذا يشير حديث عبد الله بن عمرو : « إن الله خلق الخلق في ظلمة ، ثم رشّ عليهم من نوره ، فمن أصابه نورُه اهتدى ، ومن أخطأهُ ضل » رواه أحمد والترمذي . ويؤيده قوله تعالى : { ثُمَّ استوى إِلَى السماء وَهِيَ دُخَانٌ ، فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ أتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } .

ومثلُ ما سبق أن الظلمات المعنوية أسبقُ في الوجود ، فان نور العلم والهداية كسبيٌ في البشر ، وغير الكسبيِّ منه الوحي ، وظلمات الجهل والأهواء سابقة على هذا النور { والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ، وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } .

يعدلون : يجعلون له عديلاً مساوياً في العبادة ، أي : يتخذون له أندادا .

الثناء والذِكر الجميل لله ، الذي خلق هذا الكون وما فيه مما نراه وما لا نراه ، وأوجد الظلمات والنور لمنفعة العباد . ثم مع هذه النعم الجلية يُشرِك به الكافرون ويجعلون له شريكاً في العبادة ! !

بدأت سورة الأنعام هنا في آياتها الأولى ، فركّزت اتجاهها نحو القضايا الثلاث التي أشرنا إليها : الألوهية ، الوحي والرسالة ، وقضية البعث بعد الموت ، فقررت في أولاها ما يوجب النظَر في التوحيد ، وأثبتت لِلّه في سبيل ذلك استحقاق الحمد بحقيقته الشاملة لجميع أنواع صوره ، وأهابت بالعقول أن تلتفت إلى أنه هو الذي خلق الكون بمادته وجوهرة ، فلا أحد غيره يستحق شيئا من الحمد والثناء ، لأن الله هو وحده المصدر ، ولا يصح في عقلٍ أن يتجه بالعبادة والتقديس إلى غيره ، فما أضلَّ أولئك الذين تنكبوا طريق العقل السليم واتخذوا له شركاء هو الّذي خلقهم في جملة ما خلق .

ففي الآية الكريمة إشارة إلى عظمة الخلق ووحدته ، وعظمةُ الخلق تدل على وحدانية الخالق وجلاله : فالسماوات بنجومها وكواكبها ، والأرض وما عليها من حيوان ونبات ، وما في باطنها من معادن جامدة وسائلة ، والبحار وما يسبح فيها من لآلئ وأحياء ، كلها تدل على وحدانية الخالق . وكذلك النور الواحد والظلمات المنوعة ، كظلمة الصخر والبحر والكهف والضباب المتكاثف . . . كل هذا يدل على إبداع الخالق .