وحفدة : الحفدة : أولاد الأولاد ، من الحفد وهو الخفة في العمل والخدمة ، كما جاء في القنوت : وإليك نسعى ونحفد . روي عن ابن عباس أنه قال : الحفيد : ولد الابن والبنت ، ذكرا كان أو أنثى ، وقيل : المراد بهم : الأختان والأصهار ، أي : أزواج البنات وأقارب الزوجة ، وكلها أقوال متقاربة .
{ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات . . . } .
خلق الله آدم بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وزوجه حواء ، وجعل من نسل آدم وحواء ذرية كثيرة ، وشاء الله أن تكون الزوجة من جنس الرجل ؛ ليحدث الأنس والمودة والرحمة ، وقد جعل الله هذا الأنس والمودة والرحمة ، آية من آيات الله ، وبذلك يتنعم الزوجان ويذوقان عسيلة بعضهما ، قال تعالى : { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون }( الروم : 21 ) .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( حبّب إلي من دنياكم ثلاث : النساء ، والطيب ، وجعلت قرة عيني في الصلاة )49 .
{ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } .
نلمح هنا المساواة بين الرجال والنساء ، وقد كان بعض أهل الجاهلية يكره ولادة البنات ، ويتوارى خجلا إذا رزق بالبنات ، ويعتبر البنت مولودا غير مرغوب فيه ؛ فيمسكه على هون أو يدسه في التراب ، فلما جاء الإسلام ؛ كرم إنسانية الإنسان .
{ ولقد كرمنا بني آدم }( الإسراء : 70 ) ، وكرم المرأة وليدة ، وناشئة ، وزوجة ، وأمّاً ، فالمرأة من نفس الرجل ، وهي شقيقة الرجل ، وليست المرأة مخلوقا من الدرجة الثانية ، قال تعالى : { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء }( النساء : 1 ) .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( النساء شقائق الرجال )50 .
وقد جعل الله القوامة للرجل على زوجته ، مقابل النفقة والولاية والمسئولية عن الأسرة ، وهي ولاية مودة ورحمة وتعاطف ، لا ولاية غلظة وتجبر .
قال تعالى : { الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم . . . }( النساء : 34 ) .
قال الشيخ أحمد المراغى في تفسير المراغى :
{ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة } . أي : والله سبحانه جعل لكم أزواجا من جنسكم ، تأنسون بهن ، وتقوم بهن جميع مصالحكم ، وعليهن تدبير معايشكم ، وجعل لكم منهن بنين وحفدة أي : أولاد ، وأولاد أولاد يكونون زهرة الحياة الدنيا وزينتها ، وبهم التفاخر والتناصر والمساعدة لدى البأساء والضراء . اه .
يمتنّ الله علينا بالأرزاق المتعددة في المأكل والمشرب والمنكح ، والهداية والملابس والمساكن ، وسائر الطيبات التي ينتفع بها الإنسان إلى أقصى الحدود وأبعد الغايات .
{ أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون } . أي : إن الله قد أنعم أهل مكة بالعديد من النعم ، التي أنعم بها على سائر البشر ، مثل : الأزواج ، والأبناء ، والأحفاد ، والطيبات من الرزق ، لكنهم يؤمنون بالأوثان والأنصاب ، والشركاء والأنداد ، التي لم تقدم لهم أي رزق ، ويكفرون ويجحدون نعم الله المتعددة عليهم ، فلا يقدمون له الشكر ، ولا يعترفون له بالألوهية والوحدانية ، وبأنه وحده الخالق الرازق ، الذي لا شريك له ، ، وقد استهل القرآن هذه الفقرة بالاستفهام الإنكاري : { أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون } . فيشركون به ويخالفون عن أمره ، وهذه النعم كلها من عطائه ، وهي آيات على ألوهيته ، وهي واقعة في حياتهم ، تلابسهم في كل آن .
قوله تعالى : " والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا " ، جعل بمعنى : خلق ، " من أنفسكم أزواجا " ، يعني : آدم خلق منه حواء . وقيل : المعنى : جعل لكم من أنفسكم ، أي : من جنسكم ونوعكم وعلى خلقتكم ، كما قال : " لقد جاءكم رسول من أنفسكم{[9969]} " [ التوبة : 128 ] ، أي من الآدميين . وفي هذا رد على العرب التي كانت تعتقد أنها كانت تزوَّج الجن وتباضعها ، حتى روي أن عمرو بن هند{[9970]} تزوج منهم غولا ، وكان يخبؤها عن البرق لئلا تراه فتنفر ، فلما كان في بعض الليالي لمع البرق وعاينته السعلاة{[9971]} ، فقالت : عمرو ونفرت ، فلم يرها أبدا . وهذا من أكاذيبها ، وإن كان جائزا في حكم الله وحكمته ، فهو رد على الفلاسفة الذين ينكرون وجود الجن ويحيلون طعامهم . " أزواجا " ، زوج الرجل هي ثانيته ، فإنه فرد ، فإذا انضافت إليه كانا زوجين ، وإنما جعلت الإضافة إليه دونها ؛ لأنه أصلها في الوجود كما تقدم .
قوله تعالى :{ وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة } ، فيه خمس مسائل :
الأولى : قوله تعالى : " وجعل لكم من أزواجكم بنين " ، ظاهر في تعديد النعمة في الأبناء ، ووجود الأبناء يكون منهما معا ، ولكنه لما كان خلق المولود فيها وانفصاله عنها أضيف إليها ، ولذلك تبعها في الرق والحرية وصار مثلها في المالية . قال ابن العربي : سمعت إمام الحنابلة بمدينة السلام أبا الوفاء علي بن عقيل يقول : إنما تبع الولد الأم في المالية وصار بحكمها في الرق والحرية ؛ لأنه انفصل عن الأب نطفة لا قيمة له ولا مالية فيه ولا منفعة ، وإنما اكتسب ما اكتسب بها ومنها فلأجل ذلك تبعها . كما لو أكل رجل تمرا في أرض رجل وسقطت منه نواة في الأرض من يد الآكل فصارت نخلة ، فإنها ملك صاحب الأرض دون الآكل ، بإجماع من الأمة ؛ لأنها انفصلت عن الآكل ولا قيمة لها .
الثانية : قوله تعالى : " وحفدة " ، روى ابن القاسم عن مالك ، قال وسألته عن قوله تعالى : " بنين وحفدة " ، قال : الحفدة : الخدم والأعوان في رأيي . وروي عن ابن عباس في قوله تعالى : " وحفدة " ، قال هم الأعوان ، من أعانك فقد حفدك . قيل له : فهل تعرف العرب ذلك ؟ قال نعم ، وتقول أو ما سمعت قول الشاعر :
حَفَد الولائدُ حولهن وأسلمت *** بأكفهن أزِمَّةَ الأَجْمَالِ
أي : أسرعن الخدمة . والولائد : الخدم ، الواحدة وليدة ، قال الأعشى :
كلفتُ مجهولَها نوقًا يمانيَة *** إذا الحُدَاةُ على أكسائها حَفَدُوا{[9972]}
أي : أسرعوا . وقال ابن عرفة : الحفدة : عند العرب الأعوان ، فكل من عمل عملا أطاع فيه وسارع ، فهو : حافد ، قال : ومنه قولهم إليك نسعى ونحفد ، والحفدان : السرعة . قال أبو عبيد : الحفد : العمل والخدمة . وقال الخليل بن أحمد : الحفدة : عند العرب الخدم ، وقاله مجاهد . وقال الأزهري : قيل : الحفدة : أولاد الأولاد . وروي عن ابن عباس . وقيل : الأختان ، قاله ابن مسعود وعلقمة وأبو الضحاك وسعيد بن جبير وإبراهيم ؛ ومنه قول الشاعر{[9973]} :
فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت *** لها حَفَدٌ ما يُعَدُّ كثيرُ
ولكنها نفسٌ عليّ أبيَّةٌ *** عَيُوفٌ لإصهار{[9974]} اللئام قذورُ
وروى زر عن عبدالله قال : الحفدة : الأصهار ، وقاله إبراهيم ، والمعنى متقارب . قال الأصمعي : الختن : من كان من قبل المرأة ، مثل أبيها وأخيها وما أشبههما ، والأصهار منها جميعا . يقال : أصهر فلان إلى بني فلان وصاهر . وقول عبد الله هم الأختان ، يحتمل المعنيين جميعا . يحتمل : أن يكون أراد أبا المرأة وما أشبهه من أقربائها ، ويحتمل أن يكون أراد وجعل لكم من أزواجكم بنين وبنات تزوجونهن ، فيكون لكم بسببهن أختان . وقال عكرمة : الحفدة : من نفع الرجال من ولده ، وأصله : من حفد يحفد - بفتح العين في الماضي ، وكسرها في المستقبل - إذا أسرع في سيره ، كما قال كثير{[9975]} :
حَفد الولائد بينهن . . . البيت
ويقال : حفدت وأحفدت ، لغتان إذا خدمت . ويقال : حافد وحفد ، مثل خادم وخدم ، وحافد وحفدة ، مثل كافر وكفرة . قال المهدوي : ومن جعل الحفدة الخدم ، جعله منقطعا مما قبله ينوي به التقديم ، كأنه قال : جعل لكم حفدة ، وجعل لكم من أزواجكم بنين .
قلت : ما قال الأزهري : من أن الحفدة أولاد الأولاد ، هو ظاهر القرآن بل نصه ، ألا ترى أنه قال : " وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة " ، فجعل الحفدة والبنين منهن . وقال ابن العربي : الأظهر عندي في قوله : " بنين وحفدة " ، أن البنين أولاد الرجل لصلبه ، والحفدة أولاد ولده ، وليس في قوة اللفظ أكثر من هذا ، ويكون تقدير الآية على هذا : وجعل لكم من أزواجكم بنين ، ومن البنين حفدة . وقال معناه الحسن .
الثالثة : إذا فرعنا على قول مجاهد وابن عباس ومالك وعلماء اللغة ، في قولهم إن الحفدة الخدم والأعوان ، فقد خرجت خدمة الولد والزوجة من القرآن بأبدع بيان ، قاله ابن العربي . روى البخاري وغيره ، عن سهل بن سعد ، أن أبا أسيد الساعدي دعا النبي صلى الله عليه وسلم لعرسه ، فكانت امرأته خادمهم . . . الحديث ، وقد تقدم في سورة " هود " {[9976]} . وفي الصحيح عن عائشة قالت : أنا فتلت قلائد بدن النبي صلى الله عليه وسلم بيدي . الحديث . ولهذا قال علماؤنا : عليها أن تفرش الفراش ، وتطبخ القدر ، وتقم الدار ، بحسب حالها وعادة مثلها ، قال الله تعالى : " وجعل منها زوجها ليسكن إليها{[9977]} " [ الأعراف : 189 ] ، فكأنه جمع لنا فيها السكن ، والاستمتاع ، وضربا من الخدمة ، بحسب جري العادة .
الرابعة : ويخدم الرجل زوجته فيما خف من الخدمة ويعينها ، لما روته عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يكون في مهنة أهله فإذا سمع الأذان خرج . وهذا قول مالك : ويعينها . وفي أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخصف النعل ، ويقم البيت ، ويخيط الثوب . وقالت عائشة ، وقد قيل لها : ما كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته ؟ قالت : كان بشرا من البشر يفلي{[9978]} ثوبه ، ويحلب شاته ، ويخدم نفسه .
الخامسة : وينفق على خادمة واحدة ، وقيل على أكثر ، على قدر الثروة والمنزلة . وهذا أمر دائر على العرف ، الذي هو أصل من أصول الشريعة ، فإن نساء الأعراب ، وسكان البوادي ، يخدمن أزواجهن في استعذاب الماء وسياسة الدواب ، ونساء الحواضر يخدم المقل منهم زوجته فيما خف ويعينها ، وأما أهل الثروة فيخدمون{[9979]} أزواجهن ، ويترفهن معهم إذا كان لهم منصب ذلك ، فإن كان أمرا مشكلا شرطت عليه الزوجة ذلك ، فتشهد أنه قد عرف أنها ممن لا تخدم نفسها فالتزم إخدامها ، فينفذ ذلك وتنقطع الدعوى فيه .
قوله تعالى : " ورزقكم من الطيبات " ، أي : من الثمار والحبوب والحيوان . " أفبالباطل " ، يعني : الأصنام ، قاله ابن عباس . " يؤمنون " ، قراءة الجمهور بالياء . وقرأ أبو عبد الرحمن بالتاء . " وبنعمة الله " ، أي : بالإسلام . " هم يكفرون " .