تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسۡلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلٗاۚ يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} (69)

65

المفردات :

السبل : واحدها : سبل .

ذللا : واحدا : ذلول ، أي : منقادة طائعة .

شراب : عسلا .

مختلف ألوانه : من أبيض إلى أصفر إلى أسود بحسب اختلاف المرعى .

التفسير :

{ ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } .

جاء الحديث في الآية السابقة ، عن إلهام النحل : أن تتخذ بيوتها من بعض الجبال ، ومن بعض الأشجار ، وفوق العروش التي يصنعها الإنسان ، فليس كل جبل صالحا لحياة النحل ، ولهذا جاءت من التبعيضية ، أي : اتخذي من بعض الجبال .

وهنا أباح الأكل من جميع ما تشتهيه ، وما تحب أكله من الثمرات ، { ثم كلي من كل الثمرات } . أي : الحلو والمز والحامض والحريف ، ويتحول بقدرة القادر إلى شهد .

{ فاسلكي سبل ربك ذللا } . أي : سيري في الطرق التي ألهمك الله أن تسلكيها ، وتدخلي فيها لطلب الثمار ، ولا تعسر عليك وإن توعرت ، ولا تضلي عن العودة منها وإن بعدت .

والخلاصة : سيري في الطرق والمسارات التي ذللها الله لك ، ويسر لك السير فيها ، والعودة منها إلى منزلك ، أو سيري حال كونك مذللة لله مسخرة منقادة لخدمة الإنسان .

{ يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه } .

كان الحديث عن النحلة فيما سبق ، وهنا اتجه الحديث إلى الناس ؛ لإعلامهم بفضل الله عليهم .

والمعنى : يخرج من بطون النحل شراب هو العسل ، متعدد الألوان ، فتارة يكون أبيض ، وأخرى أصفر ، وحينا أحمر ، بحسب اختلاف المرعى .

{ فيه شفاء للناس } . أي : إن العسل نافع لكثير من الأمراض ، وكثيرا ما يدخل في تركيب العقاقير والأدوية .

وقد اختلف العلماء في هذا الشفاء ، هل هو عام لكل داء ، أو خاص ببعض الأمراض .

فقالت طائفة : هو على العموم في كل حال ولكل أحد .

وقالت طائفة أخرى : إن ذلك خاص ببعض الأمراض ، ولا يقتضي العموم في كل علة وفي كل إنسان ، وليس هذا بأول لفظ خصص في القرآن ، فالقرآن مملوء منه ، ولغة العرب يأتي فيها العام كثيرا بمعنى الخاص ، والخاص بمعنى العام ، ومما يدل على هذا ، أن العسل نكرة في سياق الإثبات ، فلا يكون عاما باتفاق أهل اللسان ، ومحققي أهل الأصول . وتنكيره وإن أريد به التعظيم ، لا يدل إلا على أن فيه شفاء عظيما لمرض أو أمراض ، لا لكل مريض ، فإن تنكير التعظيم لا يفيد العموم .

وحديث البخاري : ( إن أخي استطلق بطنه )42 ، يفيد : معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم ، بأن هذا المرض يناسبه العسل ، ولا نستطيع أن نقول : إن جميع الأمراض يناسبها العسل ، بل نقول : العسل مناسب وشفاء لبعض الأمراض ، وينبغي أن نرجع إلى معرفة الأطباء المختصين ، ونتبع مشورتهم ، وأن نمتنع عن أكل العسل إذا أفاد الطبيب : أنه غير مناسب لمرض من الأمراض43 .

{ إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } . أي : فيما ذكره الله تعالى من تعداد هذه النعم ، وتسخير النحل وإلهامها : أن تأكل من كل الثمرات ، وأن تتخذ البيوت من الجبال والشجر والعروش ، وتيسير نظامها وعملها وخروج العسل منها ؛ ليكون شفاء للناس ؛ في كل ما ذكر آيات ودلائل واضحات ، لقوم يتفكرون ويتأملون ، ويشهدون بأن كل ذلك من صنع الإله الواحد الأحد ، الذي ليس كمثله شيء ، وأنه لا ينبغي أن يكون له شريك ، ولا تصح الألوهية إلا له .

ملحق بتفسير الآية

تتبع علماء المواليد أحوال النحل ، وكتبوا فيها المؤلفات ، بكل اللغات ، وخصصوا لها مجلات تنشر أطوارها وأحوالها ، وقد وصلوا من ذلك إلى أمور :

( أ‌ ) أنها تعيش جماعات كبيرة ، قد يصل عدد بعضها نحو خمسين ألف نحلة ، وتسكن كل جماعة منها في بيت خاص يسمى : خلية .

( ب‌ ) أن كل خلية يكون فيها نحلة واحدة كبيرة تسمى : الملكة أو اليعسوب ، وهي أكبرهم جثة وأمرها نافذ فيهم ، وعدد يتراوح بين أربعمائة وخمسمائة يسمى الذكور ، وعدد آخر من خمسة عشر ألفا إلى خمسين ألف نحلة ، ويسمى : الشغالات أو العاملات .

( ج‌ ) تعيش هذه الفصائل الثلاث في كل خلية عيشة تعاونية على أدق ما يكون نظاما ، فعلى الملكة وحدها وضع البيض ، الذي يخرج منه نحل الخلية كلها فهي أم النحل ، وعلى الذكور تلقيح الملكات وليس لها عمل آخر ، وعلى الشغالة خدمة الخلية ، وخدمة الملكات ، وخدمة الذكور ، فتنطلق في المزارع طول النهار لجمع رحيق الأزهار ، ثم تعود إلى الخلية فتفرز عسلا ، يغذى به سكان الخلية صغارا وكبارا . . . كما عليها أن تنظف الخلية ، وتخفق بأجنحتها لتساعد على تهويتها ، وعليها أيضا الدفاع عن المملكة ، وحراستها من الأعداء ، كالنمل والزنابير وبعض الطيور .

من هدى السنة

روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري : أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن أخي استطلق بطنه ، فقال له رسول الله : ( اسقه عسلا ) فسقاه عسلا ، ثم جاء فقال يا رسول الله ، سقيته عسلا ، فما زاده إلا استطلاقا ، قال : ( اذهب فاسقه عسلا ) ، فذهب فسقاه عسلا ، ثم جاء فقال : يا رسول الله ، ما زاده ذلك إلا استطلاقا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صدق الله وكذب بطن أخيك ، اذهب فاسقه عسلا ) فذهب فسقاه عسلا فبرئ44 .

وعلّل هذا بعض الأطباء الماضين ، قال :

كان لدى هذا الرجل فضلات في المعدة ، فلما سقاه عسلا ؛ تحللت فأسرعت إلى الخروج فزاد إسهاله ، فاعتقد الأعرابي أن هذا يضره وهو فائدة لأخيه ، ثم سقاه فازداد التحلل والدفع ، وكلما سقاه حدث مثل هذا ، حتى اندفعت الفضلات الفاسدة المضرة بالبدن ، فاستمسك بطنه ، وصلح مزاجه ، وزالت الآلام والأسقام ، بإرشاده عليه السلام .

وروى البخاري عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

( الشفاء في ثلاثة : شرطة محجم ، أو شربة عسل ، أو كية بنار ، وأنهي أمتي عن الكي )45 .

وروى البخاري أيضا عن جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن كان في شيء من أدويتكم ، أو يكون في شيء من أدويتكم خير ، ففي شرطة محجم ، أو شربة عسل ، أو لذعة بنار توافق الداء ، وما أحب أن أكوى )46 .

وقد تحدث الأطباء في القديم والحديث عن فضل العسل وأهميته في علاج بعض الأمراض ، وذكروا أن التركيب الكيماوي للعسل كما يلي :

من 25 : 40% جلوكوز .

من 30 : 45% ليفيلوز .

من 15 : 25% ماء .

والجلوكوز الموجود في العسل بنسبة أكثر من أي غذاء آخر ، وهو سلاح الطبيب في أغلب الأمراض ، واستعماله في ازدياد مستمر بتقدم الطب ، فيعطى بالفم ، وبالحقن الشرجية ، وتحت الجلد ، وفي الوريد ويعطى بصفته مقويا ومغذيا ، وضد التسمم الناشئ من أمراض أعضاء الجسم ، مثل : التسمم البولي الناشئ من أمراض الكبد ، والاضطرابات المعدية والمعوية ، وضد التسمم في الحميات ، مثل : التيفويد والالتهاب الرئوي ، والسحائي ، والمخي ، والحصبة ، وفي حالات ضعف القلب ، وحالات الذبحة الصدرية ، وبصفة خاصة في الارتشاحات العمومية الناشئة من التهابات الكلي الحادة وفي احتقان المخ ، وفي الأورام المخية . . الخ47 .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسۡلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلٗاۚ يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} (69)

قوله تعالى : " ثم كلي من كل الثمرات " ، وذلك أنها إنما تأكل النوار من الأشجار . " فاسلكي سبل ربك " أي طرق ربك . والسبل : الطرق ، وأضافها إليه ؛ لأنه خالقها . أي ادخلي طرق ربك لطلب الرزق في الجبال وخلال الشجر . " ذللا " جمع ذلول وهو المنقاد ، أي : مطيعة مسخرة . ف " ذللا " حال من النحل . أي : تنقاد وتذهب حيث شاء صاحبها ؛ لأنها تتبع أصحابها حيث ذهبوا ، قاله ابن زيد . وقيل : المراد بقوله : " ذللا " السبل . يقول : مذلل طرقها سهلة للسلوك عليها ، واختاره الطبري ، و " ذللا " حال من السبل . واليعسوب سيد{[9953]} النحل ، إذا وقف وقفت ، وإذا سار سارت .

قوله تعالى : " يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس "

فيه تسع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " يخرج من بطونها شراب " رجع الخطاب إلى الخبر على جهة تعديد النعمة والتنبيه على العبرة فقال : " يخرج من بطونها شراب " يعني العسل . وجمهور الناس على أن العسل يخرج من أفواه النحل ، وورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال في تحقيره للدنيا : أشرف لباس ابن آدم فيها لعاب دودة ، وأشرف شرابه رجيع نحلة . فظاهر هذا أنه من غير الفم . وبالجملة فإنه يخرج ولا يدرى من فيها أو أسفلها ، ولكن لا يتم صلاحه إلا بحمى أنفاسها . وقد صنع أرسطاطاليس بيتا من زجاج لينظر إلى كيفية ما تصنع ، فأبت أن تعمل حتى لطخت باطن الزجاج بالطين ، ذكره الغزنوي . وقال : " من بطونها " ؛ لأن استحالة الأطعمة لا تكون إلا في البطن .

الثانية : قوله تعالى : " مختلف ألوانه " ، يريد أنواعه من الأحمر والأبيض والأصفر والجامد والسائل ، والأم واحدة والأولاد مختلفون ، دليل على أن القدرة نوعته بحسب تنويع الغذاء ، كما يختلف طعمه بحسب اختلاف المراعي ، ومن هذا المعنى قول زينب للنبي صلى الله عليه وسلم : ( جَرَسَتْ نحلُه العُرْفُط{[9954]} ) ، حين شبهت رائحته برائحة المغافير .

الثالثة : قوله تعالى : " فيه شفاء للناس " ، الضمير للعسل ، قاله الجمهور . أي : في العسل شفاء للناس . وروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد والضحاك والفراء وابن كيسان : الضمير للقرآن ، أي في القرآن شفاء . النحاس : وهذا قول حسن ، أو فيما قصصنا عليكم من الآيات والبراهين شفاء للناس . وقيل : العسل فيه شفاء ، وهذا القول بين أيضا ؛ لأن أكثر الأشربة والمعجونات التي يتعالج بها أصلها من العسل . قال القاضي أبو بكر بن العربي : من قال : إنه القرآن ، بعيد ما أراه يصح عنهم ، ولو صح نقلا لم يصح عقلا ، فإن مساق الكلام كله للعسل ، ليس للقرآن فيه ذكر . قال ابن عطية : وذهب قوم من أهل الجهالة إلى أن هذه الآية يراد بها أهل البيت وبنو هاشم ، وأنهم النحل ، وأن الشراب القرآن والحكمة ، وقد ذكر هذا بعضهم في مجلس المنصور أبي جعفر العباسي ، فقال له رجل ممن حضر : جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم ، فأضحك الحاضرين ، وبهت الآخر ، وظهرت سخافة قوله .

الرابعة : اختلف العلماء في قوله تعالى : " فيه شفاء للناس " ، هل هو على عمومه أم لا ؟ فقالت طائفة : هو على العموم في كل حال ولكل أحد ، فروي عن ابن عمر أنه كان لا يشكو قرحة ولا شيئا إلا جعل عليه عسلا ، حتى الدمل إذا خرج عليه طلى عليه عسلا . وحكى النقاش عن أبي وجرة أنه كان يكتحل بالعسل ويستمشي بالعسل ويتداوى بالعسل . وروي أن عوف بن مالك الأشجعي مرض فقيل له : ألا نعالجك ؟ فقال : ائتوني بالماء ، فإن الله تعالى يقول : " ونزلنا من السماء ماء مباركا{[9955]} " [ ق : 9 ] ، ثم قال : ائتوني بعسل ، فإن الله تعالى يقول : " فيه شفاء للناس " ، وائتوني بزيت ، فإن الله تعالى يقول : " من شجرة مباركة{[9956]} " [ النور : 35 ] . فجاؤوه بذلك كله ، فخلطه جميعا ثم شربه فبرئ . ومنهم من قال : إنه على العموم إذا خلط بالخل ويطبخ فيأتي شرابا ينتفع به في كل حالة من كل داء . وقالت طائفة : إن ذلك على الخصوص ، ولا يقتضي العموم في كل علة وفي كل إنسان ، بل إنه خبر عن أنه يشفي كما يشفي غيره من الأدوية في بعض وعلى حال دون حال ، ففائدة الآية إخبار منه في أنه دواء لما كثر الشفاء به ، وصار خليطا ومعينا للأدوية في الأشربة والمعاجين ، وليس هذا بأول لفظ خصص ، فالقرآن مملوء منه ، ولغة العرب يأتي فيها العام كثيرا بمعنى الخاص ، والخاص بمعنى العام . ومما يدل على أنه ليس على العموم أن " شفاء " نكرة في سياق الإثبات ، ولا عموم فيها باتفاق أهل اللسان ومحققي أهل العلم ومختلفي أهل الأصول . لكن قد حملته طائفة من أهل الصدق والعزم على العموم . فكانوا يستشفون بالعسل من كل الأوجاع والأمراض ، وكانوا يشفون من عللهم ببركة القرآن وبصحة التصديق والإيقان . ابن العربي : ومن ضعفت نيته وغلبته على الدين عادته أخذه مفهوما على قول الأطباء ، والكل من حكم الفعال لما يشاء .

الخامسة : إن قال قائل : قد رأينا من ينفعه العسل ومن يضره ، فكيف يكون شفاء للناس ؟ قيل له : الماء حياة كل شيء ، وقد رأينا من يقتله الماء إذا أخذه على ما يضاده من علة في البدن ، وقد رأينا شفاء العسل في أكثر هذه الأشربة ، قال معناه الزجاج . وقد اتفق الأطباء عن بكرة أبيهم على مدح عموم منفعة السكنجبين{[9957]} في كل مرض ، وأصله العسل ، وكذلك سائر المعجونات ، على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حسم داء الإشكال وأزاح وجه الاحتمال حين أمر الذي يشتكي بطنه بشرب العسل ، فلما أخبره أخوه بأنه لم يزده إلا استطلاقا أمره بعود الشراب له فبرئ ، وقال : ( صدق الله وكذب بطن أخيك ) .

السادسة : اعترض بعض زنادقة الأطباء على هذا الحديث فقال : قد أجمعت الأطباء على أن العسل يُسهِل ، فكيف يوصف لمن به الإسهال ، فالجواب أن ذلك القول حق في نفسه لمن حصل له التصديق بنبيه عليه السلام ، فيستعمله على الوجه الذي عينه وفي المحل الذي أمره بعقد نية وحسن طوية ، فإنه يرى منفعته ويدرك بركته ، كما قد اتفق لصاحب هذا العسل وغيره ، كما تقدم . وأما ما حكي من الإجماع فدليل على جهله بالنقل ، حيث لم يقيد وأطلق . قال الإمام أبو عبدالله المازري : ينبغي أن يعلم أن الإسهال يعرض من ضروب كثيرة ، منها الإسهال الحادث عن التخم والهيضات{[9958]} ، والأطباء مجمعون في مثل هذا على أن علاجه بأن يترك للطبيعة وفعلها ، وإن احتاجت إلى معين على الإسهال أعينت ما دامت القوة باقية ، فأما حبسها فضرر ، فإذا وضح هذا قلنا : فيمكن أن يكون ذلك الرجل أصابه الإسهال عن امتلاء وهيضة ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بشرب العسل فزاده ، إلى أن فنيت المادة فوقف الإسهال فوافقه شرب العسل . فإذا خرج هذا عن صناعة الطب أذِن ذلك بجهل المعترض بتلك الصناعة . قال : ولسنا نستظهر على قول نبينا بأن يصدقه الأطباء ، بل لو كذبوه لكذبناهم ولكفرناهم وصدقناه صلى الله عليه وسلم ، فإن أوجدونا بالمشاهدة صحة ما قالوه ، فنفتقر حينئذ إلى تأويل كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخريجه على ما يصح ؛ إذ قامت الدلالة على أنه لا يكذب .

السابعة : في قوله تعالى : " فيه شفاء للناس " ، دليل على جواز التعالج بشرب الدواء وغير ذلك ، خلافا لمن كره ذلك من جلة العلماء ، وهو يرد على الصوفية الذين يزعمون أن الولاية لا تتم إلا إذا رضي بجميع ما نزل به من البلاء ، ولا يجوز له مداواة . ولا معنى لمن أنكر ذلك ، روى الصحيح عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لكل داء دواء ، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله ) . وروى أبو داود والترمذي عن أسامة بن شريك قال : قالت الأعراب : ألا نتداوى يا رسول الله ؟ قال : ( نعم . يا عباد الله تداووا ؛ فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء ، إلا داء واحد ) قالوا : يا رسول الله وما هو ؟ قال : ( الهرم ) لفظ الترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح . وروي عن أبي خزامة عن أبيه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها ، هل ترد من قدر الله شيئا ؟ قال : ( هي من قدر الله ) . قال : حديث حسن ، ولا يعرف لأبي خزامة غير هذا الحديث . وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن كان في شيء من أدويتكم خير ، ففي شرطة محجم ، أو شربة من عسل ، أو لذعة بنار ، وما أحب أن أكتوي ) أخرجه الصحيح . والأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تحصى . وعلى إباحة التداوي والاسترقاء جمهور العلماء . روي أن ابن عمر اكتوى من اللَّقوة{[9959]} ورقي من العقرب . وعن ابن سيرين أن ابن عمر كان يسقي ولده الترياق{[9960]} . وقال مالك : لا بأس بذلك . وقد احتج من كره ذلك بما رواه أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( دخلت أمة بقضها{[9961]} وقضيضها الجنة ، كانوا لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون ، وعلى ربهم يتوكلون ) . قالوا : فالواجب على المؤمن أن يترك ذلك اعتصاما بالله وتوكلا عليه وثقة به وانقطاعا إليه ، فإن الله تعالى قد علم أيام المرض وأيام الصحة ، فلو حرص الخلق على تقليل ذلك أو زيادته ما قدروا ، قال الله تعالى : " ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها{[9962]} " [ الحديد : 22 ] . وممن ذهب إلى هذا جماعة من أهل الفضل والأثر ، وهو قول ابن مسعود وأبي الدرداء رضوان الله عليهم . دخل عثمان بن عفان على ابن مسعود في مرضه الذي قبض فيه فقال له عثمان : ما تشتكي ؟ قال ذنوبي . قال : فما تشتهي ؟ قال رحمة ربي . قال : ألا أدعو لك طبيبا ؟ قال : الطبيب أمرضني . . . وذكر الحديث . وسيأتي بكماله في فضل الواقعة إن شاء الله تعالى . وذكر وكيع قال : حدثنا أبو هلال عن معاوية بن قرة قال : مرض أبو الدرداء فعادوه وقالوا : ألا ندعو لك طبيبا ؟ قال : الطبيب أضجعني . وإلى هذا ذهب الربيع بن خيثم . وكره سعيد بن جبير الرقى . وكان الحسن يكره شرب الأدوية كلها إلا اللبن والعسل . وأجاب الأولون عن الحديث بأنه لا حجة فيه ؛ لأنه يحتمل أن يكون قصد إلى نوع من الكي مكروه ، بدليل كي النبي صلى الله عليه وسلم أبيا يوم الأحزاب على أكحله{[9963]} لما رمي . وقال : ( الشفاء في ثلاثة ) ، كما تقدم . ويحتمل أن يكون قصد إلى الرقى بما ليس في كتاب الله ، وقد قال سبحانه وتعالى : " وننزل من القرآن ما هو شفاء{[9964]} " [ الإسراء : 82 ] ، على ما يأتي بيانه . ورقى أصحابه وأمرهم بالرقية ، على ما يأتي بيانه .

الثامنة : ذهب مالك وجماعة أصحابه إلى أن لا زكاة في العسل ، وإن كان مطعوما مقتاتا . واختلف فيه قول الشافعي ، والذي قطع به في قوله الجديد : أنه لا زكاة فيه . وقال أبو حنيفة بوجوب زكاة العسل في قليله وكثيره ؛ لأن النصاب عنده فيه ليس بشرط . وقال محمد بن الحسن : لا شيء فيه حتى يبل ثمانية أفراق{[9965]} ، والفرق ستة وثلاثون رطلا من أرطال العراق . وقال أبو يوسف : في كل عشرة أزقاق زق ، متمسكا بما رواه الترمذي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( في العسل في كل عشرة أزقاق زق ) قال أبو عيسى : في إسناده مقال ، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كبير شيء ، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم ، وبه يقول أحمد وإسحاق ، وقال بعض أهل العلم : ليس في العسل شيء .

التاسعة : قوله تعالى : " إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون " ، أي : يعتبرون ، ومن العبرة في النحل بإنصاف النظر وإلطاف الفكر في عجيب أمرها ، فيشهد اليقين بأن ملهمها الصنعة اللطيفة مع البنية الضعيفة ، وحذقها باحتيالها في تفاوت أحوالها هو الله سبحانه وتعالى ، كما قال : " وأوحى ربك إلى النحل " [ النحل : 68 ] الآية . ثم أنها تأكل الحامض والمر والحلو والمالح والحشائش الضارة{[9966]} ، فيجعله الله تعالى عسلا حلوا وشفاء ، وفي هذا دليل على قدرته .


[9953]:اليعسوب: هو الملكة وليس للنحل غيرها رئيسا وذكر النحل هو الذي يلقح الملكة ثم يموت، هذا الذي يقرره العلماء بهذا الجنس.
[9954]:الجرس: الأكل. والعرفط (بالضم): شجر الطلح.وله صمغ كريه الرائحة، فإذا أكلته النحل حصل في عسلها من ريحه. أي شربت عسلا أكلت نحله من شجر الطلح.
[9955]:راجع ج 17 ص 6. والظاهر أن المراد بالمبارك ماء المطر فإنه في غاية النقاء فهو شفاء من الأمراض مطهر من الجراثيم. محققه.
[9956]:راجع ج 12 ص 262.
[9957]:السكنجين: شراب معرب، أي خل وعسل (عن الألفاظ الفارسية المعربة).
[9958]:الهيضات: جمع هيضة، وهي انطلاق البطن.
[9959]:اللقوة (بالفتح): مرض يعرض للوجه فيميله إلى أحد جانبيه.
[9960]:الترياق: ما يستعمل لدفع السم من الأدوية والمعاجين، وهو معرب.
[9961]:أي دخلوا مجتمعين، ينقض آخرهم على أولهم. وقال ابن الأعرابي: إن القض الحصى الكبار، والقضيض الحصى الصغار، أي دخلوا بالكبير والصغير.
[9962]:راجع ج 17 ص 194.
[9963]:الأكحل: عرق في وسط الذراع.
[9964]:راجع ص 315 من هذا الجزء.
[9965]:في ج و ي: "خمسة أفراق".
[9966]:لم يصح هذا عند النحالين. محققه.