تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} (4)

حد القذف :

{ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ( 4 ) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( 5 ) } .

4

التفسير :

4 - وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ .

الرمي : معروف ، يقال : رمى بالحجر في الماء ، أي : قذف به ، ثم استعير لنسبة أمر غير مرضي إلى الإنسان كالزنا والسرقة ، والرمي هو القذف ، والسياق يشهد أن المراد به نسبة الزنا إلى المرأة المحصنة .

المحصنات : العفيفات الحرائر البالغات والعاقلات المسلمات ، وأشهر معاني الكلمة : العفيفات المنزهات عن الزنا .

وأصل الإحصان : المنع ، والمحصن – بالفتح – يكون بمعنى : الفاعل والمفعول ، وهي إحدى الكلمات الثلاث اللاتي جئن نوادر . يقال : أحصن فهو محصن ، وأسهب فهو مسهب ، وأفلج – إذا افتقر – فهو مفلج ، الفاعل والمفعول في هذه الأحرف الثلاثة سواء .

والذين يقذفون المحصنات من النساء بالزنا ، ثم لم يقيموا أربعة من الشهود على صدقهم في قذفهم ، فاجلدوهم ثمانين جلدة ، على قذفهم أعراض الناس دون وجه حق .

وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا .

وردوا شهادتهم ، ولا تقبلوها في أي واقعة كانت لظهور كذبهم .

وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ .

الخارجون عما وجب عليهم من رعاية حقوق المحصنات .

فالإنسان إذا رأى منكرا ولم يكن معه شهود ، وجب أن يسكت سترا على الآخرين ، وحفاظا على سلامة المجتمع ، حتى لا يوقع الناس في شك وحيرة وبلبلة .

والجماعة المسلمة لا تخسر بالسكوت عن تهمة غير محققة ، كما تخسر بشيوع الاتهام والترخص فيه ، وعدم التحرج من الإذاعة به51 .

قال السيوطي في : ( الإكليل )

في هذه الآية تحريم القذف ، وأنه فسق ، وأن القاذف لا تقبل شهادته ، وأنه يجلد ثمانين جلدة ، إذا قذف محصنة أي عفيفة ، ومفهومه : أنه إذا قذف من عرفت بالزنا لا يحد للقذف ، ويصرح بذلك قوله : ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء . وفيها أن الزنا لا يقبل فيه إلا أربعة رجال لا أقل ، ولا نساء ، وسواء شهدوا مجتمعين أو متفرقين ، واستدل بعموم الآية من قال : يحد العبد أيضا ثمانين ، ومن قال : يحد قاذف الكافر ، والرقيق ، وغير البالغ ، والمجنون ، وولده .

واحتج بها على أن من قذف نفسه ثم رجع لا يحد لنفسه ، لأنه لم يرم أحدا ، واستدل بها من قال : إن حد القذف من حقوق الله تعالى ، فلا يجوز العفو عنه . 1 ه52 .

وقال ابن تيمية :

وقوله تعالى : وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا . نص في أن هؤلاء القذفة لا تقبل شهادتهم ، واحدا كانوا أو عددا ، بل لفظ الآية ينتظم العدد على سبيل الجمع والبدل ، لأنها نزلت في أهل الإفك باتفاق أهل العلم والحديث والفقه والتفسير ، وكان الذين قذفوا عائشة عددا ، ولم يكونوا واحدا لما رأوها قدمت في صحبة صفوان بن المعطل ، بعد قفول العسكر ، وكانت قد ذهبت تطلب قلادة لها فقدت ، فرفعوا هودجها معتقدين أنها فيه لخفتها ، ولم تكن فيه فلما رجعت لم تجد أحدا فمكثت مكانها ، وكان صفوان قد تخلف وراء الجيش ، فلما رآها أعرض بوجهه عنها ، وأناخ راحلته حتى ركبتها ، ثم ذهب إلى العسكر ، فكانت خلوته بها للضرورة ، كما يجوز للمرأة أن تسافر بلا محرم للضرورة كسفر الهجرة ، مثلما قدمت أم كلثوم بنت عقبة مهاجرة ، وقصة عائشة .

ودلت الآية على أن القاذفين لا تقبل شهادتهم ، مجتمعين ولا متفرقين ، ودلت الآية على أن شهادتهم بعد التوبة مقبولة كما هو مذهب الجمهور ، فإنه كان من جملتهم مسطح ، وحسان ، وحمنة ، ومعلوم أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يرد شهادة أحد منهم ، ولا المسلمين بعده ، لأنهم كلهم تابوا لما نزل القرآن ببراءتها ، ومن لم يتب حينئذ فإنه كافر مكذب بالقرآن ، وهؤلاء مازالوا مسلمين ، وقد نهى القرآن عن قطع صلتهم .

من أحكام الآية ما يأتي :

1 – أجمع الفقهاء على أن حكم الآية غير مقصور على قذف الرجال للنساء ، بل إنه حكم شامل ، سواء كان القذف من الرجال أو النساء ، للرجال أو النساء .

2 – هناك شروط لا بد من استيفائها في القاذف ، والمقذوف ، وفعلة القذف . قال القرطبي : للقذف شروط عند العلماء تسعة :

شرطان في القاذف ، وهما : العقل ، والبلوغ ، لأنهما أصل التكليف ، إذ التكليف ساقط دونهما .

وشرطان في المقذوف به ، وهو أن يقذف بوطء يلزمه فيه الحد وهو الزنا واللواط ، أو بنفيه عن أبيه دون سائر المعاصي .

وخمسة في المقذوف ، وهي : العقل ، والبلوغ ، والإسلام ، والحرية ، والعفة عن الفاحشة التي رمى بها ، كان عفيفا عن غيرها أولا ، وإنما شرطنا في المقذوف العقل والبلوغ كما شرطناهما في القاذف ، وإن لم يكونا من معاني الإحصان ، لأجل أن الحد إنما وضع للزجر عن الأذى بالمضرة الداخلة على المقذوف ، ولا مضرة على من عدم العقل والبلوغ53 .

3 – اختلف العلماء في حد القذف ، فقال بعضهم : هو حق الله تعالى ، فتقوم شرطة الدولة ومحكمتها بتنفيذه ، سواء أطالب به المقذوف أم لم يطالب به ، وهذا هو قول ابن أبي ليلى .

وهو من حق الله تعالى ، ولكن للمقذوف فيه حق من حيث دفع العار عنه عند أبي حنيفة وأصحابه .

وذهب الشافعي ، والأوزاعي إلى أنه إذا ثبتت الجريمة على أحد وجب أن يقام عليه الحد ، ولكن يتوقف رفع أمره إلى الحكام على إرادة المقذوف ومطالبته ، فهو من هذه الجهة من حقوق العباد .

قال القرطبي :

اختلف العلماء في حد القذف . . . هل هو من حقوق الله ، أو من حقوق الآدميين ، أو فيه شائبة منهما ، الأول : قول أبي حنيفة ، والثاني : قول مالك ، والشافعي ، والثالث : قول بعض المتأخرين .

وفائدة الخلاف أنه إن كان حقا لله تعالى وبلغ الإمام ؛ أقامه وإن لم يطلب ذلك المقذوف ، ونفعت القاذف التوبة فيما بينه وبين الله تعالى ، وينشطر فيه الحد بالرق كالزنا .

وإن كان حقا للآدمي ؛ فلا يقيمه الإمام إلا بمطالبة المقذوف ، ويسقط بعفوه ، ولم تنفع القاذف التوبة حتى يحلله المقذوف .

4 – إذا ثبت عن رجل أنه ارتكب القذف ، فإن الشيء الوحيد الذي ينقذه من الحد ، هو شهادة أربعة شهداء في المحكمة بأنهم قد رأوا المقذوف يزني بفلانة54 .

5 – من لم يستطع أن يقدم للمحكمة أربعة شهود يؤيدون قوله ، فقد حكم عليه القرآن بثلاثة أحكام هي :

( أ ) أن يجلد ثمانين جلدة .

( ب ) ألا تقبل له شهادة أبدا .

( ج ) ثبوت الفسق عليه .

6 – مرتكب القذف بدون شهادة الشهود فاسق ، ولو كان صادقا في حد ذاته ، لأنه أشاع التهم وبلبل المجتمع ، بدون دليل حاسم يخرج الناس من الشك إلى اليقين ، ولو سكت وستر لكان أولى به وأفضل .

7 – يرى فقهاء الحنفية في حد القذف ، أن يكون ضرب القاذف أخف من ضرب الزاني ، لأن الجريمة التي يعاقب فيها ، ليس كذبه فيها بمتيقن على كل حال .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} (4)

{ 4 - 5 } { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }

لما عظم تعالى أمر الزاني{[557]}  بوجوب جلده ، وكذا رجمه إن كان محصنا ، وأنه لا تجوز مقارنته ، ولا مخالطته على وجه لا يسلم فيه العبد من الشر ، بين تعالى تعظيم الإقدام على الأعراض بالرمي بالزنا فقال : { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ْ } أي : النساء الأحرار العفائف ، وكذاك الرجال ، لا فرق بين الأمرين ، والمراد بالرمي الرمي بالزنا ، بدليل السياق ، { ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا ْ } على ما رموا به { بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ْ } أي : رجال عدول ، يشهدون بذلك صريحا ، { فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ْ } بسوط متوسط ، يؤلم فيه ، ولا يبالغ بذلك حتى يتلفه ، لأن القصد التأديب لا الإتلاف ، وفي هذا تقدير حد القذف ، ولكن بشرط أن يكون المقذوف كما قال تعالى محصنا مؤمنا ، وأما قذف غير المحصن ، فإنه يوجب التعزير .

{ وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ْ } أي : لهم عقوبة أخرى ، وهو أن شهادة القاذف غير مقبولة ، ولو حد على القذف ، حتى يتوب كما يأتي ، { وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ْ } أي : الخارجون عن طاعة الله ، الذين قد كثر شرهم ، وذلك لانتهاك ما حرم الله ، وانتهاك عرض أخيه ، وتسليط الناس على الكلام بما تكلم به ، وإزالة الأخوة التي عقدها الله بين أهل الإيمان ، ومحبة أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ، وهذا دليل على أن القذف من كبائر الذنوب .


[557]:- في أ: الزنا، وفي ب: الكلمة مشطوبة.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} (4)

قوله تعالى : { الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ( 4 ) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ( 5 ) } هذه الآية في حكم القذف الذي يعتدي به النساء العفيفات بالإذاية من القول الفاحش مما فيه طعن لشرفهن ومس بسمعتهن . وذلك بالتهمة الظالمة المفترية التي لا يسعفها دليل ولا بينة .

وقوله : ( يرمون ) أي يشتمون . و ( المحصنات ) يعني العفائف من النساء . والمراد : رميهن بضد العفاف وهو الزنا . من أجل ذلك أعد الله للمعتدين على سمعة النساء العفائف بقذفهن بفاحش الزنا- عقوبة الحد وهو الضرب ثمانين جلدة ثم رد شهادتهم وتفسيقهم .

قوله : ( ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) أوجب الله لإثبات الزنا خاصة دون غيره من الحقوق ، أربعة شهداء . وتلك رحمة من الله بالعباد ؛ إذ يريد لهم الستر والصون والرعاية من كل أذى .

وتشريع الشهادة بأربعة شهود عدول يصون الفرد والجماعة من طمع المرتابين المتعجلين الذين يبادرون لابتغاء الهلكة للمقذوفين فضلا عن تشنيع سمعتهم وإثارة الريبة من حولهم . وبذلك فإن تشريع العقوبة للقاذف بحده ثمانين جلدة يكف عن الناس ألسنة السوء ، ويدرأ عنهم بذاءة القول الفاحش صونا لسمعتهم وكرامتهم ، وتنبيها للمرتابين الظانين بالناس سوءا أنهم محدودون بالضرب على ظهورهم إذا ما اندلقت من ألسنتهم مقالة الشتم والطعن في أعراض الأبرياء من غير حجة أو برهان .

حد القذف

القذف في الشرع ، معناه الرمي بالزنا صراحة أو دلالة . كأن يقول لإنسان : يا زان . أو يا لوطي . ونحو ذلك من الألفاظ الصريحة الدالة على القذف بالزنا . أو كان الرمي كناية . كقوله لإنسانة : يا قحبة أو يا فاجرة{[3220]} .

شروط حد القذف

هذه شروط خمسة لوجوب الحد على القاذف وهي :

الشرط الأول : أن يكون القاذف مكلفا . وهو كونه عاقلا بالغا غير مكره . فلا يقام الحد على القاذف المجنون أو الصبي أو المكره على القذف . وذلك للخبر : " رفع القلم عن ثلاثة ، عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ ، وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم " وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " رفع عن أمتي الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه " .

الشرط الثاني : أن يكون المقذوف محصنا . وذلك للآية هنا : ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) وبذلك لا يجلد من قذف غير المحصنات أو المحصنين . والمحصنة أو المحصن هو المسلم الحر العاقل البالغ العفيف . وعلى هذا فإن المحصنين . والمحصنة أو المحصن هو المسلم الحر العاقل البالغ العفيف . وعلى هذا فإن صفات المقذوف خمسة وهي : العقل والبلوغ والحرية والإسلام والعفة . فلا يجب الجلد على قاذف المجنون أو الصبي أو العبد أو الكافر أو غير المتعفف وذلك لضعف شعورهم بالمعرّة . وغير المتعفف يراد به المتهتك المريب الذي يرد مواطن الفحش والخنا .

والجمهور من أهل العلم ، على أنه لا حد على قاذف الكافر لانعدام غيرته على عرضه أو ضعف إحساسه بالعار إذ قذف . وقيل : يحد قاذف المرأة الكتابية المزوجة من مسلم أو كان لها ولد مسلم .

أما لفظ المحصنات فهو على أربع معان هي : العفائف ، ثم ذوات الأزواج ، ثم الحرائر ، ثم المسلمات . لقوله تعالى : ( فإذا أحصن ) أي أسلمن .

الشرط الثالث : أن لا يكون القاذف والدا للمقذوف . ويندرج في الولد ، الأصل أو من علاه . فلو قذف والد ولده أو حفيده فإنه لا يحد . ووجه ذلك : أن عقوبة القذف تجب لحق آدمي . فلا تجب للولد على والده كالقصاص . أما إذا قذف الولد أباه أو أمه فقد وجب عليه الحد وهو قول الجمهور من الفقهاء{[3221]} .

الشرط الرابع : القذف بالزنا . وهو نوعان بيناهما سابقا . وجملة ذلك : أنه صريح وكناية . فالصريح : هو القول الظاهر الذي لا يحتمل غير مفهوم الزنا ، كقوله : يا زاني أو أنت زنيت . أو فرجك زنا ؛ فذلك قذف صريح يجب به الحد على القاذف . وأما الكناية : فهي التكلم بكلام يحتمل القذف بالزنا وغيره . كقوله لها : يا فاجرة . أو يا خبيثة أو يا قحبة . أو قال لرجل : يا مخنث أو يا فاجر ونحو ذلك من الكلام الذي يحتمل أكثر من معنى . ومثل هذا القذف المحتمل لا يجب به الحد . وهو قول الحنيفية ، والحنبلية في الراجح من مذهبهم . وثمة قول في المذهب بوجوب الحد . وكذلك الشافعية لا يجب الحد عندهم في قذف الكناية أو التعريض في القول إلا إذا نوى القاذف ذلك . وبذلك لا يجب الحد في قذف الكناية لاستتار النية ؛ فإن محلها القلب . أما المالكية فإنهم يوجبون الحد في القذف الصريح والكناية . حتى لو عرّض القاذف تعريضا بالمقذوف وجب عليه الحد{[3222]} .

الشرط الخامس : عدم إثبات القذف بأربعة شهداء . فإذا لم يكن مع القاذف غير نفسه أو كان معه غيره ولم تكتمل بهم عدة الأربعة من الشهود العدول لم تقبل شهادتهم بل كانوا جميعا قذفة ليجب في حقهم الحد{[3223]} .

وللمستزيد من أحكام القذف أكثر مما بيناه هنا أن يراجع ذلك في مظانه من كتب الفقه .

قوله : ( فاجلدوهم ثمانين جلدة ) الجلد ، معناه الضرب{[3224]} والمخاطب ، الإمام ، أو ولي الأمر الذي يسوس المسلمين بشرع الله فهو منوط به تنفيذ الحدود . وثمانين ، منصوب على المصدر . وجلدة ، منصوب على التمييز{[3225]} .

واختلفوا في حد القذف ، هل هو حق من حقوق الله كحد الزنا ؟ فهو من حقوق الله عند الإمام أبي حنيفة وأتباعه . وعند المالكية والشافعية أنه حق من حقوق المقذوف . وهو الراجح ؛ لأنه يتوقف على مطالبة المقذوف ، ويصح له الرجوع عنه . وهو لا يقيمه الإمام إلا بمطالبة المقذوف . وهو قول الجمهور .

قوله : ( ولا تقبلوا لهم شهداء أبدا ) معطوف على وجوب جلدهم ؛ أي عاقبوهم بالجلد وعدم قبول شهادتهم ، فقد صاروا بالقذف غير عدول بل فسقة . وذلك مدة حياتهم . وهو تأويل قوله : ( أبدا ) .

قوله : ( وأولئك هم الفاسقون ) أي الخارجون عن طاعة الله بكذبهم وافترائهم على المقذوفين بالباطل .


[3220]:- الأحكام السلطانية ص 29 والروض المربع بشرح زاد المستنقع للشيخ منصور البهوتي جـ 2 ص 386.
[3221]:- تحفة الفقهاء للسمرقندي جـ3 ص 25 ومغني المحتاج جـ4 ص 155 والمبسوط جـ 9 ص 118 وأحكام القرآن للشافعي جـ1 ص 307-311 والكافي جـ3 ص 217 وأسهل المدارك جـ3 ص 173.
[3222]:- الكافي جـ 3 ص 20 والبدائع جـ 7 ص 42 وأسهل المدارك جـ 3 ص 173 وحاشية الخرشي جـ8 ص 87. والمغني جـ8 ص 217 والمبسوط جـ9 ص 115.
[3223]:- المبسوط جـ9 ص 115 والمهذب جـ2 ص 272 والمغني جـ 8 ص 217 والهداية جـ2 ص 112.
[3224]:- مختار الصحاح ص 107.
[3225]:- البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 192.