تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (67)

{ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 67 ) لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( 68 ) فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( 69 ) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( 70 ) وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 71 ) }

المفردات :

أسرى : جمع أسير وهو من يؤخذ في الحرب حيا ، وتشد يده بالإسار وهو القيد .

يثخن في الأرض : أي يبالغ فيه بالقتل والجرح ؛ حتى تظهر شوكة المسلمين وقوتهم .

عرض الدنيا : حطامها – سمى عرضا ؛ لسرعة زواله .

التفسير :

67 –{ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .

سبب النزول :

روى أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار أصحابه فيما يعمله في أسرى بدر فأشار أبو بكر بالفدية وقال : هم قومك وأهلك ؛ استبقهم لعل الله يتوب عليهم ، وخذ منهم فدية تقوى بها أصحابك ، واستشار عمر فأشار بالقتل قائلا : اضرب أعناقهم ؛ فإنهم أئمة الكفر والله أغناك عن الفداء ، مكن عليا من عقيل ، وحمزة من العباس ، ومكنى من فلان نسيب له فلنضرب أعناقهم ، وقد مال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى رأي أبي بكر فنزلت الآية وقد ختم الله سياق الكلام في القتال بذكر حكم يتعلق بالأسرى .

تمهيد :

الأسير : عدو من الكفار وقع في يد المسلمين ، والحكم فيه أن الإمام يتصرف فيه تبعا للمصلحة العامة فيعرض عليه الإسلام فإن أسلم فبها ، وإلا قتله الإمام أو قبل الفداء منه ، أو استرقه ، أو من عليه بدون فداء . هذا إذا كان للأمة الإسلامية دولة وصولة أما في مبدإ الأمر ، كما هنا عند قيام الدولة بالرأي ألا يبقوا على الأسرى ولا يحملوهم معهم بل يقتلوهم قتلا ؛ إذ هم عالة عليهم وضغث على إبالة ، وإن بقي الأسير ربما تظاهر بالإسلام وكان جاسوسا على المسلمين وفي هذا المعنى كانت الآية الكريمة .

المعنى :

{ ما كان لنبي } أي : ما صح له وما استقام أبدا أي : لا ينبغي أن يكون له أسرى ثم يبقى عليهم ، ويقبل الفدية ؛ فإن في هذا خطرا على الدولة ، وما كان له ذلك حتى يكثر القتل في الكفار ويبالغ فيه ؛ إذ في هذا إعزاز المسلمين ، وإضعاف للكفار وكسر لشوكتهم ، أتريدون بقبول الفداء والإبقاء عليهم عرضا من أعراض الدنيا وحطامها الزائل : والله يريد لكم ثواب الآخرة ، أو يريد إعزاز دينه ، والقضاء على أعدائه ، وهذا سبب الوصول على ثواب الآخرة ، والله عزيز يعز أولياءه ، { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } . ( المنافقون : 8 ) ، حكيم في أفعاله وأعماله فامتثلوا أمره ؛ فهو يهديكم إلى سبيل الرشاد والخير .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (67)

{ 67 -69 ْ } { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ْ }

هذه معاتبة من اللّه لرسوله وللمؤمنين يوم { بدر ْ } إذ أسروا المشركين وأبقوهم لأجل الفداء ، . وكان رأي : أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في هذه الحال ، قتلهم واستئصالهم .

فقال تعالى : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىَ حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ْ } أي : ما ينبغي ولا يليق به إذا قاتل الكفار الذين يريدون أن يطفئوا نور اللّه ويسعوا لإخماد دينه ، وأن لا يبقى على وجه الأرض من يعبد اللّه ، أن يتسرع إلى أسرهم وإبقائهم لأجل الفداء الذي يحصل منهم ، وهو عرض قليل بالنسبة إلى المصلحة المقتضية لإبادتهم وإبطال شرهم ، . فما دام لهم شر وصولة ، فالأوفق أن لا يؤسروا . .

فإذا أثخنوا ، وبطل شرهم ، واضمحل أمرهم ، فحينئذ لا بأس بأخذ الأسرى منهم وإبقائهم .

يقول تعالى : { تُرِيدُونَ ْ } بأخذكم الفداء وإبقائهم { عَرَضَ الدُّنْيَا ْ } أي : لا لمصلحة تعود إلى دينكم .

{ وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ْ } بإعزاز دينه ، ونصر أوليائه ، وجعل كلمتهم عالية فوق غيرهم ، فيأمركم بما يوصل إلى ذلك .

{ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ْ } أي : كامل العزة ، ولو شاء أن ينتصر من الكفار من دون قتال لفعل ، لكنه حكيم ، يبتلي بعضكم ببعض .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (67)

{ ما كان لنبي أن يكون له أسرى } لما أخذ الأسرى يوم بدر أشار أبو بكر بحياتهم ، وأشار عمر بقتلهم : فنزلت الآية عتابا على استبقائهم .

{ حتى يثخن في الأرض } أي : يبايع في القتال { تريدون عرض الدنيا } عتاب لمن رغب في فداء الأسرى .