( سورة القلم مكية ، وآياتها 52 آية ، نزلت بعد سورة العلق )
وتشير الروايات إلى أنها من أوائل السور التي نزلت من القرآن ، ونلمح من سياق السورة أنها نزلت بعد الجهر بالدعوة الإسلامية في مكة ، حيث تعرض النبي الأمين صلى الله عليه وسلم للاتهام بالجنون ، فنزلت السورة تنفي عنه هذه التهمة ، وتصف مكارم أخلاقه ، وتتهدد المكذبين ، وتذكر قصة أصحاب الجنة الذين منعوا زكاة الثمار والفاكهة ، فأهلك الله جنتهم ، وكذلك يهلك كل كافر معاند ، وتوجهت السورة إلى أهل مكة بهذا الاستفهام الإنكاري : أفنجعل المسلمين كالمجرمين . ( القلم : 35 ) . هل يستوي المستقيم والفاجر ؟ أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون . ( القلم : 46 ) . هل تطلب منهم أجرا كبيرا على تبليغ الرسالة ، فلا يستطيعون أداءه ولذلك يتثاقلون عن اتباعك ؟
ثم تذكر السورة طرفا من قصة يونس عليه السلام من باب التسلية والاعتبار ، وتختم السورة ببيان حقد الكافرين وحسدهم ، حتى أن عيونهم ينبعث منها شرار الحسد والغيظ ، ويتهمون النبي صلى الله عليه وسلم بالجنون ، وما يحمل إلا الذكر والهداية للعالمين .
1- أقسم الله بالقلم والدواة والكتابة ، ليدل على عظيم شأنها في نشر الرسالات والدعوات والعلم والمعرفة ، وكانت أول آية من القرآن : اقرأ باسم ربك الذي خلق . ( العلق : 1 ) .
2 ، 3- نفى القرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم الاتهام الكاذب بالجنون ، ثم أثبت أن له أجرا كاملا غير منقوص على تبليغ الرسالة .
4-ومدحه الله بحسن الخلق ، فقال سبحانه : وإنك لعلى خلق عظيم . ( القلم : 4 ) . لقد كان خلقه القرآن ، وكان جامعا للصفات الكريمة ، والقدوة الحسنة ، فقد اتصف بالفصاحة والشجاعة والكرم والحلم ، والأدب والعفة والنزاهة والأمانة ، والصدق والرحمة والتسامح واللين وحسن المعاملة .
وكان صلى الله عليه وسلم حسن الصورة ، معتدل البناء ، جياش العواطف ، قويا في دين الله ، حريصا على تبليغ الرسالة ، قائدا ومعلما ومربيّا وموجها ، أمينا على وحي السماء .
وكانت عظمة أخلاقه في أنه تمثل القرآن سلوكا وهديا وتطبيقا ، فكان قرآنا متحركا ، يجد فيه الصحابة القدوة العملية ، والتطبيق الأمين للوحي ، فيقتدون بخلقه وعمله وهديه وسلوكه .
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا . ( الأحزاب : 21 ) .
5 ، 6- فسيكشف الغد عن حقيقة النبي وحقيقة مكذبيه ، ويثبت أيهم الممتحن بما هو فيه ، وأيهم الضالّ فيما يدعيه ، وستبصر ويبصرون غلبة الإسلام ، واستيلاءك عليهم بالقتل والأسر ، وهيبتك في أعين الناس أجمعين ، وصيرورتهم أذلاء صاغرين .
7- إن ربك هو الذي أوحى إليك ، فهو يعلم أنك المهتدي ، والمكذب بك ضال عن طريق الهدى ، وسيجازي كل إنسان بحسب ما يستحق .
8 ، 9- وقد ساوم الكفار النبي صلى الله عليه وسلم ، وعرضوا عليه أن يعبدوا إلهه يوما وأن يعبد آلهتهم يوما ، فيصيب كل واحد بحظه من إله الآخر : فنزل قوله تعالى : قل يا أيها الكافرون* لا أعبد ما تعبدون . ( الكافرون : 1 ، 2 ) .
وفي كتب السيرة : أن الكفار حرّضوا أبا طالب على أن يكفّ عنهم محمدا ، وأن ينهاه عن عيب آلهتهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمّه : ( والله لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري ، على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ) .
وقد نزل الوحي ينهاه عن طاعة المكذبين ، وينهاه عن قبول المساومة أو الحل الوسط ، فإما إيمانا أو لا إيمان : ودّوا لو تدهن فيدهنون . ( القلم : 9 ) . والإدهان هو اللين والمصانعة ، أي : ودّ المشركون لو تلين لهم في دينك بالركون إلى آلهتهم ، وتتخلى عن مهاجمتها ، حتى يتركوا خصامك وجدالك .
10-13- نزلت هذه الآيات في الوليد بن المغيرة ، وقيل : في الأخنس بن شريق ، وكلاهما كان ممن خاصموا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولجّوا في حربه ، والآيات تصف هذا الكافر بتسع صفات كلها ذميم :
2- مهين ، لا يحترم نفسه ولا يحترم الناس قوله .
3- همّاز ، يهمز الناس ويعيبهم بالقول والإشارة .
4- مشاء بنميم ، يمشي بين الناس بالنميمة والفتنة والفساد .
5-منّاع للخير ، بخيل ممسك ، وكان يمنع الناس من الإيمان ، ويهدد من يحس منه الاستعداد للإيمان .
6- معتد ، متجاوز للحق والعدل ، ثم هو معتد على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين .
7- أثيم ، كثير الآثام ، لا يبالي بما ارتكب ولا بما اجترح .
8- عتل بعد ذلك ، جامع للصفات المذمومة ، وهو فظّ غليظ جاف .
9- زنيم ، أي لصيق في قومه متهم في نسبه ، أو معروف بالشرور والآثام .
14- 16- تذكر هذه الآيات موقفه من دين الله ، وجحوده بنعمة الله عليه ، فلأنه صاحب مال وولد ، إذا تلي عليه القرآن استهزأ بآياته ، وسخر من الرسول ، وهذه وحدها تعدل كل ما مرّ من وصف ذميم ، سنسمه على الخرطوم . ( القلم : 16 ) . أي : سنجعل له سمة وعلامة على أنفه ، والمراد أنا سنبين أمره بيانا واضحا حتى لا يخفى على أحد ، أو سنذله في الدنيا غاية الإذلال ، ونجعله ممقوتا مذموما مشهورا بالشر .
تتناول الآيات ( 17-33 ) قصة أصحاب الجنة ، وهم قوم ورثوا عن أبيهم بستانا جميلا مثمرا يانعا ، وكان أبوهم يخرج زكاة البستان ، ويوزع مقدارا منه على الفقراء والمساكين ، فعاقبهم الله بهلاك البستان ، وكذلك يعاقب الكافرين يوم القيامة ، وقد عرضتها الآيات عرضا رائعا يمثل خطوات القصة ، وضعف تدبير الإنسان أمام تدبير الله الواحد الديان ، فلنسر مع الآيات :
17 ، 18- لقد استقر رأس أصحاب الجنة أن يقطعوا ثمرها عند الصباح ، دون أن يستثنوا منه شيئا للمساكين ، وأقسموا على هذا ، وعقدوا النية عليه .
19 ، 20- فطرق تلك الجنة طارق من أمر الله ليلا وهم نيام : فأصبحت كالصّريم . ( القلم : 20 ) . أي كالبستان الذي صرمت ثماره أي قطعت ، كأنها مقطوعة الثمار ، فقد ذهب الطائف الذي طاف عليها بكل ثمرها .
21-24- فنادى بعضهم بعضا في الصباح ، وانطلقوا يتحدثون في خفوت ، زيادة في إحكام التدبير ، ويوصى بعضهم بعضا بأن يحتجزوا الثمر كله ، ويحرموا منه المساكين .
25- وغدوا مصممين على حردi المساكين ومنعهم وحرمانهم ، قادرين عند أنفسهم على المنع وحجب منفعتها على المساكين .
26 ، 27- فلما شاهدوا بستانهم ورأوه محترقا أنكروه ، وشكوا فيه وقالوا : أبستاننا هذا أم نحن ضالون طريقه ؟ ثم تيقنوا أنه بستانهم وقد حاق بهم الحرمان والندم .
28- 32- وبعد أن حدث ما حدث ألقى كل منهم تبعة ما وقع على غيره ، وتشاحنوا ، ثم تركوا التلاوم ، واعترفوا بالخطيئة أما العاقبة الرديئة ، عسى أن يغفر الله لهم ، ويعوضهم عن الجنة الضائعة .
33- هكذا عذاب من خالف أمر الله ، وبخل بما آتاه ، وأنعم به عليه ، ومنع حق البائس الفقير ، وفي الآخرة عذاب أكبر من هذا العذاب ، لكل جاحد بنعمة الله ، ولكل مكذب بالدين والإيمان ، فليعلم ذلك المشركون وأهل مكة ، وليحذروا عاقبة كفرهم وعنادهم .
والقصة مسوقة لغاية معينة هي بيان عاقبة الجحود ومنع حق الله ، إنها عاقبة سيئة في الدنيا وفي الآخرة ، وفي القصة تهديد للكافرين ، وعظة للمؤمنين .
34- وفي مقابل ما أعد للكافرين ، بيان بالنعيم الذي أعد للمتقين .
35- 47- وعند هاتين الخاتمتين يدخل القرآن معهم في جدل لا تعقيد فيه ولا تركيب ، ويتحداهم ويحرجهم بالسؤال تلو السؤال ، عن أمور ليس لها إلا جواب واحد تصعب فيه المغالطة ، ويهددهم في الآخرة بمشهد رهيب ، وفي الدنيا بحرب من العزيز الجبار القوي الشديد .
48 -50- توجه الآيات النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إلى الصبر على تكاليف الرسالة ، والصبر على الأذى والتكذيب ، وتذكر له تجربة أخ له من قبل ضاق صدره بتكذيب قومه ، وهو يونس عليه السلام .
أرسل الله يونس بن متى عليه السلام ، إلى أهل قرية نينوى بجوار مدينة الموصل بالعراق ، فاستبطأ إيمانهم وشق عليه تلكؤهم ، وضاق صدره بتكذيبهم ، فهجرهم مغاضبا لهم ، قاده الغضب إلى شاطئ البحر ، حيث ركب سفينة مع آخرين ، فلما كانوا في وسط اللجّة ثقلت السفينة وتعرضت للغرق ، فأقرعوا بين الركاب للتخفف من واحد منهم ، لتخفّ السفينة ، فكانت القرعة على يونس ، فألقوه في اليمّ ، فابتلعه الحوت ، عندئذ نادى يونس ، وهو مكظوم . ( القلم : 48 ) . مملوء غيظا ، لوقوعه في كرب شديد ، في ظلمات البحر ، وفي بطن الحوت ، وفي وسط اللجّة ، نادى ربه : أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين . ( الأنبياء : 87 ) . فتداركه نعمة من ربه ، فنبذه الحوت على الشاطئ مريضا سقيما ، ثم يسر الله له الأمور ، واصطفاه وأوحى إليه ، وأرسله إلى مائة ألف يزيدون فآمنوا به ، وجعله الله من الصالحين ، حيث رّ إليه الوحي ، وشفعه في نفسه وقومه .
50- 52- وفي ختام السورة مشهدا للكافرين ، وهم يتلقون الدعوة من الرسول الكريم في غيظ عنيف ، وحسد عميق ، ينسكب في نظرات مسمومة قاتلة يوجهونها إليه .
وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون . ( القلم : 51 ) . يعني أنهم من شدة تخوفهم ، ونظرهم إليك سرّا بعيون العداوة والبغضاء ، يكادون يزلون قدمك ، أو يهلكونك ، من قولهم : نظر إليّ نظرا يكاد يصرعني ، أو يكاد يأكلني ، أي لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله .
وعن الحسن : دواء الإصابة بالعين أن تقرأ هذه الآية ، وقد كان الكفار يريدون إصابة النبي صلى الله عليه وسلم بعيونهم وحسدهم ، فعصمه الله تعالى وأنزل عليه الآية .
وقد صح في الحديث من عدة طرق : ( إن العين لتدخل الرجل القبر ، والجمل القدر )ii .
وروى الإمام أحمد ، عن أبي ذر مرفوعا : ( إن العين لتولع بالرجل بإذن الله حتى يصعد حالقا ثم يتردى منه )iii .
ومما يحفظ المؤمن من الحسد خمسة أشياء ، هي :
1- قراءة : قل أعوذ برب الفلق ، وقل أعوذ برب الناس .
3- قراءة : ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وله الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو على كل شيء قدير ) عشر مرات بعد صلاة المغرب ، وعشر مرات بعد صلاة الصبح .
4- قراءة قوله تعالى : وإن يكاد الذي كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون . ( القلم : 51 ) .
5- وأهم شيء في الوقاية من حسد ، الثقة الكاملة والاعتقاد اليقيني بأن الله هو النافع الضار ، وأن أحدا لن ينفعك إلا بإذن الله ، ولن يضرك إلا بمشيئة الله .
بيان محاسن الأخلاق النبوية ، سوء أخلاق بعض الكفار ، وعذاب مانعي الزكاة ، وضرب المثل بقصة أصحاب الجنة ، وتقريع المجرمين وتوبيخهم وإقامة الحجة عليهم ، وتهديد المشركين المكذبين بالقرآن ، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالصبر ، والإشارة إلى حال يونس عليه السلام في قلة الصبر على قومه ، وقصد الكفار رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصيبوه بالعين في قوله : وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون . ( القلم : 51 ) .
للسورة اسمان : سورة ( ن ) ، وسورة القلم .
تفيد كتب علوم القرآن الكريم أن سورة القلم من أوائل من نزل من القرآن الكريم ، فأول سورة من القرآن الكريم نزلت هي سورة العلق ، وفي صدر السورة حثّ على القراءة والعلم ، وكذلك سورة القلم فيها مدح للكتابة والتعليم ، وفيها قسم بالقلم والكتابة والتسطير ، لبيان أهمية ذلك في تبليغ الدعوة الإسلامية ، وارتفاع شأن الأمّة .
وقد اختار الله رسوله أميا لحكمة عليا : حتى لا يرتاب المبطلون ، ولا يظن الظانون أنه نقل القرآن من الكتب السابقة ، وهذا النبي الأمي علّم الناس الوحي ، وارتقى بأمّته من الجهل والتدابر إلى العلم والتواصل .
وإذا كان صدر سورة القلم قد نزل مبكرا ، فإن بقية السورة نزلت بعد ذلك ، ويرجّح الأستاذ سيد قطب في تفسيره ( في ظلال القرآن ) أن السورة نزلت تهاجم الكافرون وتهددهم ، وذلك يوضّح أن تاريخ نزولها كان بعد الجهر بالدعوة ، أي بعد ثلاث سنوات من مرحلة الإسرار بالدعوة .
{ ن ، والقلم وما يسطرون 1 ما أنت بنعمة ربك بمجنون 2 وإن لك لأجرا غير ممنون 3 وإنك لعلى خلق عظيم 4 فستبصر ويبصرون 5 بأييّكم المفتون 6 إن ربك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين 7 }
ن : حروف أقسم الله بها ، أو استفتح بها السور ، أو هي للتحدّي والإعجاز ، أو هي كالجرس الذي يقرع فيتنبه التلاميذ لدخول المدرسة ، أو هي إشارة إلى أسماء الله تعالى أو صفاته .
أقسم الله تعالى ببعض الحروف التي افتتح بها بعض سور القرآن الكريم ، مثل : ن ص ، حم ، طسم ، المر ، المص ، حم عسق ، كهيعص .
وهي حروف يقصد بها التحدّي والإعجاز ، وبيان أن القرآن مكوّن من حروف عربية تنطقون بها ، وقد عجزتم عن الإتيان بمثله ، فدل ذلك على أنه ليس من صنع بشر ، ولكنه تنزيل من عليم حكيم .
وقيل : هي أدوات للتنبيه ، كالجرس الذي يقرع فيتنبه التلاميذ لدخول المدرسة .
أقسم الله بالقلم ، وهو وسيلة الكتابة وأداة التعليم ، تحريرا لنا من الأمّية ، وتوجيها لنا إلى فضل العلم وأهمية الكتابة ، حتى قال القائل :
تعلم العلم واقرأ *** تحز فخار النبوّة
فالله قال ليحيى *** خذ الكتاب بقوّة
ويمكن أن يراد بالقلم أيضا ، القلم الذي يكتب به الملائكة ما في اللوح المحفوظ ، ويسجّلون به في صحائفهم أعمال الناس .
إن ديننا العلم والكتابة ، والتسابق العلمي والفكري ، ومن واجب الأمة الإسلامية أن تتسابق في ميادين العلم النظري والعملي والديني ، ليعود لها مجدها وعزّها .
قال تعالى : قل هل يستوي الذي يعلمون والذين لا يعملون . . . ( الزمر : 9 ) .
وقال سبحانه وتعالى : شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم . . . ( آل عمران : 18 ) .
وقال سبحانه وتعالى : وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون . ( العنكبوت : 43 ) .
{ 1 - 7 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ * فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }
يقسم تعالى بالقلم ، وهو اسم جنس شامل للأقلام ، التي تكتب بها [ أنواع ] العلوم ، ويسطر بها المنثور والمنظور .
1- سورة " ن " أو " القلم " تعتبر من أوائل السور القرآنية ، التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد ذكر السيوطي في كتابه " الإتقان " أنها السورة الثانية في النزول ، بعد سورة " العلق " ( {[1]} ) .
ويرى بعض العلماء أنها السورة الرابعة في النزول ، فقد سبقتها سور : العلق ، والمدثر ، والمزمل ، وعدد آياتها اثنتان وخمسون آية .
2- والمحققون على أنها من السور المكية الخالصة ، فقد ذكر الزمخشري وابن كثير . . أنها مكية ، دون أن يذكرا في ذلك خلافا .
وقال الآلوسي : هي من أوائل ما نزل من القرآن بمكة ، فقد نزلت –على ما روي عن ابن عباس- [ اقرأ باسم ربك . . . ] ثم هذه ، ثم المزمل ، ثم المدثر ، وفي البحر أنها مكية بلا خلاف فيها ، بين أهل التنزيل .
وفي الإتقان : استثننى منها : [ إنا بلوناهم كما بلونا . . . ] إلى قوله –تعالى- : [ لو كانوا يعلمون ]( {[2]} ) .
3- والذي تطمئن إليه النفس ، أن سورة [ ن ] من السور المكية الخالصة ، لأنه لم يقم دليل مقنع على أن فيها آيات مدنية ، بجانب أن أسلوبها وموضوعاتها تشير إلى أنها من السور المكية الخالصة .
كذلك نميل إلى أن بعض آياتها قد نزلت على الني صلى الله عليه وسلم بعد أن جهر بدعوته .
4- وقد فصل هذا المعنى بعض العلماء فقال ما ملخصه : لا يمكن تحديد التاريخ الذي نزلت فيه هذه السورة ، سواء مطلعها أو جملتها .
والروايات التي تقول : إن هذه السورة هي الثانية في النزول بعد سورة العلق كثيرة ، ولكن سياق السورة وموضوعها وأسلوبها ، يجعلنا نرجح غير هذا ، حتى ليكاد يتعين أنها نزلت بعد فترة من الدعوة العامة ، التي جاءت بعد نحو ثلاث سنوات من الدعوة الفردية ، في الوقت الذي أخذت فيه قريش تدفع هذه الدعوة وتحاربها ، وتصف الرسول صلى الله عليه وسلم بما هو بريء منه ، كذلك ذكرت بعض الروايات في السورة آيات مدنية ، ونحن نستبعد هذا كذلك ، ونعتقد أن السورة كلها مكية ، لأن طابع آياتها عميق في مكيته .
والذي نرجحه بشأن السورة كلها ، أنها ليست الثانية في ترتيب النزول وأنها نزلت بعد فترة من البعثة النبوية ، بل بعد الجهر بالدعوة ، وبعد أن أخذت قريش في محاربتها بصورة عنيفة .
والسورة قد أشارت إلى شيء من عروض المشركين : [ ودوا لو تدهن فيدهنون ] وظاهر أن مثل هذه المحاولة لا تكون والدعوة فردية ، إنما تكون بعد ظهورها ، وشعور المشركين بخطرها . . ( {[3]} ) .
5- والذي يتدبر هذه السورة الكريمة ، يراها قد اشتملت على مقاصد من أبرزها : تحدي المشركين بهذا القرآن الكريم ، والثناء على النبي صلى الله عليه وسلم بأفضل أنواع الثناء [ ما أنت بنعمة ربك بمجنون . وإن لك لأجرا غير ممنون . وإنك لعلى خلق عظيم ] .
والتسلية الجميلة له صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أعدائه [ فستبصر ويبصرون . بأيكم المفتون . إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ] .
ونهيه صلى الله عليه وسلم عن مهادنة المشركين أو ملاينتهم أو موافقتهم على مقترحاتهم الماكرة ، قال –تعالى- : [ ودوا لو تدهن فيدهنون ، ولا تطع كل حلاف مهين ، هماز مشاء بنميم ، مناع للخير معتد أثيم ] .
ثم نراها تضرب الأمثال لأهل مكة ، لعلهم يتعظون ويعتبرون ، ويتركون الجحود والبطر . . [ إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة ، إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين . ولا يستثنون . فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون . فأصبحت كالصريم ] .
ثم نرى من مقاصدها كذلك : المقارنة بين عاقبة الأخيار والأشرار ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حي عن بينة .
وتسفيه أفكار المشركين وعقولهم ، بأسلوب مؤثر خلاب : [ أفنجعل المسلمين كالمجرمين ، ما لكم كيف تحكمون . أم لكم كتاب فيه تدرسون ] . .
وتهديدهم بأقصى ألوان التهديد : [ فذرني ومن يكذب بهذا الحديث ، سنستدرجهم من حيث لا يعلمون . وأملي لهم إن كيدي متين . . ] .
ثم تختتم بتكرار التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ، وبأمره بالصبر على أذى أعدائه : [ فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت ، إذ نادى وهو مكظوم ، لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم ، فاجتباه ربه فجعله من الصالحين . وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون . وما هو إلا ذكر للعالمين ] .
وبعد : فهذه كلمة مجملة عن سورة " القلم " تكشف عن زمان ومكان نزولها . وعن أهم المقاصد والأهداف التي اشتملت عليها .
ونسأل الله –تعالى- أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ، وأنس نفوسنا .
افتتحت سورة " القلم " بأحد الحروف المقطعة ، وهي آخر سورة فى ترتيب المصحف ، افتتحت بواحد من هذه الحروف . أما بالنسبة لترتيب النزول ، فقد تكون أول سورة نزلت على النبى صلى الله عليه وسلم في السور المفتتحة بالحروف المقطعة .
وقد قلنا عند تفسيرنا لسورة البقرة : وردت هذه الحروف المقطعة تارة مفردة بحرف واحد ، وتارة مركبة من حرفين أو ثلاثة ، أو أربعة ، أو خمسة .
فالسور التى بدئت بحرف واحد ثلاث سور وهى : ص ، ق ، ن .
والسور التى بدئت بحرفين تسع سور وهى : طه ، يس ، طس ، وحم ، في ست سور ، وهي : غافر ، فصلت ، الزخرف ، الدخان ، الجاثية ، الأحقاف .
والسور التى بدئت بثلاثة أحرف ، ثلاث عشرة سورة وهي : " ألم " في ست سور ، وهي : البقرة ، آل عمران ، العنكبوت ، الروم ، لقمان ، السجدة .
و { الر } في خمس سور : وهي : يونس ، هود ، يوسف ، إبراهيم ، الحجر .
و { طسم } في سورتين وهما : الشعراء ، والقصص .
وهناك سورتان بدئتا بأربعة أحرف وهما : الرعد ، " المر " والأعراف " المص " .
وهناك سورتان - أيضا - بدئنا بخمسة أحرف ، وهما : " مريم " " كهيعص " والشورى : " حم عسق " فيكون مجموع السور التى افتتحت بالحروف المقطعة : تسعا وعشرين سورة .
هذا ، وقد وقع خلاف بين العلماء في المعنى المقصود بتلك الحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ويمكن إجمال خلافهم في رأيين رئيسيين :
الرأي الأول يرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها غير معروف ، فهي من المتشابه الذي استأثر الله - تعالى - بعلمه .
وإلى هذا الرأي ذهب ابن عباس - في بعض الروايات عنه - كما ذهب إليه الشعبي ، وسفيان الثوري وغيرهم من العلماء .
فقد أخرج ابن المنذر عن الشعبي أنه سئل عن فواتح السور فقال : إن لكل كتاب سرا ، وإن سر هذا القرآن في فواتح السور .
ويروى عن ابن عباس أنه قال : عجزت العلماء عن إدراكها .
وعن علي بن أبي طالب أنه قال : " إن لكل كتاب صفوة ، وصفوة الكتاب حروف التهجي " .
وفي رواية أخرى عن الشعبي أنه قال : " سر الله فلا تطلبوه "
ومن الاعتراضات التي وجهت إلى هذا الرأي ، أنه إذا كان الخطاب بهذه الفواتح غير مفهوم للناس لأنه من المتشابه ، فإنه يترتب على ذلك أنه كالخطاب بالمهمل ، أو مثل ذلك كمثل المتكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا يفهمونها .
وقد أجيب عن ذلك بأن هذه الألفاظ ، لم ينتف الإِفهام عنها عند كل أحد ، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يفهم المراد منها ، وكذلك بعض أصحابه المقربين ، ولكن الذي ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة في أوائل بعض السور .
وهناك مناقشات أخرى للعلماء حول هذا الرأي ، يضيق المجال عن ذكرها .
أما الرأي الثاني فيرى أصحابه أن المعنى المقصود منها معلوم ، وأنها ليست من المتشابه الذي استأثر الله - تعالى - بعلمه .
وأصحاب هذا الرأي قد اختلفوا فيما بينهم في تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة من أهمها ما يأتي :
أ - أن هذه الحروف أسماء للسور ، بدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها كسورة " ص " وسورة " يس " .
ولايخلو هذا القول من الضعف ، لأن كثيرا من السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه الفواتح ، والغرض من التسمية رفع الاشتباه .
ب - وقيل : إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة ، للدلالة على انقضاء سورة وابتداء أخرى .
ج - وقيل : إنها حروف مقطعة ، بعهضا من أسماء الله - تعالى - ، وبعضها من صفاته ، فمثلا : { الم } أصلها : أنا الله أعلم .
د - وقيل : إنها اسم الله الأعظم . إلى غير ذلك من الأقوال التي لا تخلوا من مقال ، والتي أوصلها الإمام السيوطي في كتابه " الإتقان " إلى أكثر من عشرين قولا .
ه - ولعل أقرب الآراء إلى الصواب أن يقال : إن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت في افتتاح بعض السور ، للإِشعار بأن هذا القرآن الذي تحدى الله به المشركين ، هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التي يعرفونها ، ويقدرون على تأليف الكلام منها ، فإذا عجزوا عن الإِتيان بسورة من مثله ، فذلك لبلوغه في الفصاحة والبلاغة ، مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة .
وفضلا عن ذلك ، فإن تصدير هذه السور بمثل هذه الحروف المقطعة ، يجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم ، إلى الإِنصات والتدبر ، لأنه يطرق أسماعهم في أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة في مجاري كلامهم . وذلك مما يلفت أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها ، فيسمعوا حكما وحججا قد تكون سببا في هدايتهم واستجابتهم للحق .
هذه خلاصة لآراء العلماء في الحروف المقطعة ، التي افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ومن أراد مزيدا لذلك فليرجع - مثلا - إلى كتاب " البرهان " للزركشي ، وكتاب " الإتقان " للسيوطي ، وتفسير " الآلوسي " .
ولفظ " ن " على الرأي الذي رجحناه ، يكون إشارة إلى إعجاز القرآن . . .
وقيل : هو من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه . .
وقد ذكر بعض المفسرين أقوالا أخرى ، لا يعتمد عليها لضعفها ، ومن ذلك قولهم : إن " نون " اسم لحوت عظيم . . أو اسم للدواة . . . وقيل : " نون " لوح من نور . .
والواو في قوله : { والقلم } للقسم ، والمراد بالقلم : جنسه ، فهو يشمل كل قلم يكتب به و " ما " في قوله { وَمَا يَسْطُرُونَ } موصولة أو مصدرية .
و { يَسْطُرُونَ } مضارع سطر - من باب نصر - ، يقال : سطر الكتاب سطرا ، إذا كتبه ، والسطر : الصف من الشجر وغيره ، وأصله من السطر بمعنى القطع ، لأن صفوف الكتابة تبدو وكأنها قطع متراصة .
هذه السورة مكية وآياتها ثنتان وخمسون . وهي مبدوءة بالقسم من الله ، إذ يقسم بالقلم وبما يكتبه الكاتبون ، على صدق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأمانته وأنه غير مجنون ، كما يهذي السفهاء والجهلاء من المشركين الضالين . بل إنه في غاية الحسن والكمال من الخلق البشري المفضال بشهادة الله الخالق { وإنك لعلى خلق عظيم } .
وفي السورة تحذير من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من الاغترار بالمشركين المكذبين ، ومن مداهنتهم وكيدهم وإضلالهم . وفيها تخويف من أهوال القيامة وما يقع فيها من أحداث مخوفة جسام . ويتجلى ذلك في قوله سبحانه : { يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون } لا جرم أن الساعة رعيبة مخوفة ، وفيها من البلايا والنوازل والفظائع ما يزلزل القلوب والأبدان .
وفي السورة بيان بحقيقة العين الحاسدة ، التي تزلق المصابين المحسودين ، لنبين عند ذلك أن سبيل التحرز من حسد الحاسدين ، قراءة القرآن ، ثم الضراعة إلى الله بالدعاء .
إلى غير ذلك من المعاني والمواعظ التي تفيض بها هذه السورة في آياتها العجاب ، وعباراتها المثيرة الحسان ، وألفاظها الربانية العليا .
{ ن والقلم وما يسطرون 1 ما أنت بنعمة ربك بمجنون 2 وإن لك لأجرا غير ممنون 3 وإنك لعلى خلق عظيم 4 فستبصر ويبصرون 5 بأييّكم المفتون 6 إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } .
{ ن } حرف من حروف التهجي كغيره من فواتح السور وقد سميت به السورة ، وما ينبغي أن نذهب بعيدا في تأويل هذا الحرف ، كي لا نوغل أو نتيه في الشطحات من الإسرائيليات . فالله أعلم بما يريده من مثل هذه الحروف .
قوله : { والقلم وما يسطرون } أقسم الله بالقلم لما فيه من البيان وما يناط به من التبيين . وهو في ذلك كاللسان ينطق بالمعاني فتعيها الآذان وتدركها الأذهان . وفي القسم من الله بالقلم ما يدل على الأهمية البالغة للقلم الذي تخطّ به العلوم والمعارف وكل الدروس والأخبار والحكم . والمراد به كل قلم مما يكتب به الكاتبون سواء في الأرض أو السماء { وما يسطرون } ما ، اسم موصول . أي والذي يسطرون . والضمير عائد إلى أصحاب القلم الذين يكتبون به . والمعنى : وما يكتبه الكاتبون من الناس أو الملائكة الحفظة .