الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ رَجُلٖ مِّنۡهُمۡ أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ عِندَ رَبِّهِمۡۗ قَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٞ مُّبِينٌ} (2)

{ أكان للناس } أهل مكة { عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم } وذلك أنهم قالوا ما وجد الله من يرسله إلينا إلأ يتيم أبي طالب { أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا } أي بعثناه بشيرا ونذيرا { أن لهم قدم صدق عند ربهم } يعني الأعمال الصالحة { قال الكافرون إن هذا } القرآن { لسحر مبين }

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ رَجُلٖ مِّنۡهُمۡ أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ عِندَ رَبِّهِمۡۗ قَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٞ مُّبِينٌ} (2)

ولما كان كونه من عند الله مع كونه حكيماً - موجباً لقبوله بادىء بدء والسرور به لما تقرر في العقول وجبلت عليه الفطر من أنه تعالى الخالق الرازق كاشف الضر ومدبر الأمر ، كان ذلك موضع أن يقال : ما كان حال من تلي عليهم ؟ فقيل : لم يؤمنوا ، فقيل : ماشبهتهم ؟ هل قدروا على معارضته والطعن في حكمته ؟ فقيل :لا ! بل تعجبوا من إنزاله على محمد صلى الله عليه وسلم وليس بأكثرهم مالاً ولا {[37538]}بأقدمهم سناً{[37539]} ، فرجع حاصل تعجبهم إلى ما قاله تعالى إنكاراً عليهم . فإنه لو أرسل ذا سن قالوا مثل ذلك ، وهل مثل{[37540]} ذلك محل العجب ! { أكان } أي بوجه من الوجوه{[37541]} { للناس عجباً }{[37542]} أي الذين فيهم أهلية التحرك {[37543]}إلى المعالي{[37544]} ، والعجب : تغير النفس بما لا يعرف{[37545]} سببه مما خرج عن العادة ؛ ثم ذكر الحامل على العجب وهو اسم " كان " فقال بعد ما حصل لهم{[37546]} شوق إليه : { أن أوحينا } أي ألقينا أوامرنا بما لنا من العظمة بواسطة رسلنا في خفاء منهين{[37547]} { إلى رجل } أي هو{[37548]} في غاية الرجولية ، وهو مع ذلك { منهم } بحيث إنهم يعرفون جميع أمره كما فعلنا بمن قبلهم والملك العظيم المُلك المالك التام الملك لا اعتراض عليه فيما به تظهر خصوصيته من إعلاء من شاء .

ولما كان في{[37549]} الإيحاء معنى القول ، فسره بقوله { أن أنذر الناس } أي عامة ، وهم الذين تقدم نداءهم أول البقرة ، ما أمامهم من البعث وغيره إن لم يؤمنوا أصلاً أو إيماناً خالصاً ينفي كل معصية صغيرة أو كبيرة وكل هفوة جليلة أو حقيرة على اختلاف الرتب وتباين المقامات { وبشر } أي خص { الذين آمنوا } أي أوجدوا هذا الوصف وعملوا تصديقاً لدعواهم له{[37550]} الصالحات ، أي من الأعمال اللسانية وغيرها ، بالبشارة بقبول حسناتهم وتكفير سيئاتهم والتجاوز عن هفواتهم وترفع درجاتهم كما كان إرسال الرسل قبله وكما هو مقتضى العدل في إثابة الطائع وعتاب{[37551]} العاصي ، والإنذار : الإعلام بما ينبغي أن يحذر منه ، والتبشير : التعريف بما فيه السرور ، وأضاف القدم - الذي هو السابقة بالطاعة - إلى الصدق في قوله تعالى موصلاً لفعل{[37552]} البشارة إلى المبشر به دون حرف جر : { أن لهم } أي خاصة { قدم صدق } أي أعمالاً حقة ثابتة قدموها لأنفسهم صدقوا فيها وأخلصوا فيما يسّروا له لأنهم خلقوا له وكان مما يسعى إليه بالأقدام ، وزاد في البشارة بقوله{[37553]} : { عند ربهم } ففي إضافة القدم{[37554]} تنبيه{[37555]} على أنه يجب أن يخلص{[37556]} له{[37557]} الطاعة كإخلاص الصدق من شوائب الكذب ، وفي التعبير بصفة{[37558]} الإحسان إشارة إلى المضاعفة .

ولما ثبت أن الرسول وما أرسل به على وفق{[37559]} العادة ، انتفى أن يكون عجباً من هذه الجهة ، فصار المحل قابلاً لأن يتعجب منهم فيقال : ما قالوا حين أظهروا العجب ؟ ومن أيّ وجه رأوه عجباً ؟ فقيل : { قال الكافرون } أي الراسخون في هذا الوصف منهم وتبعهم غيرهم{[37560]} مؤكدين ما يحق{[37561]} لقولهم من الإنكار { إن هذا } أي القول وما تضمنه من الإخبار بما{[37562]} لا يعرف من البعث وغيره { لسحر } أي محمد لساحر - كما في قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي{[37563]} { مبين* } أي ظاهر في نفسه ، وهو من شدة ظهوره مظهر لكل شيء أنه كذلك ، فجاؤوا{[37564]}بما هو في غاية البعد عن وصفه ، فإن السحر قد تقرر لكل ذي لب أنه - مع كونه{[37565]} تمويهاً لا حقيقة له - شر محض ليس فيه شيء من الحكمة فضلاَ عن أن يمتطي{[37566]} الذروة منه مع أن في ذلك ادعاءهم أمراً متناقضاً ، وهو أنه من قول البشر كما هي العادة في السحر ، وأنهم عاجزون عنه ، لأن السحر فعل تخفى الحيلة فيه حتى يتوهم الإعجاز به ، فقد اعترفوا بالعجز عنه وكذبوا في ادعاء أنه لسحر{[37567]} لأن الآتي به{[37568]} منهم لم{[37569]} يفارقهم قط وما خالط عالماً لا بسحر ولا غيره حتى يخالطهم فيه شبهة ، فهم يعلمون أن قولهم في غاية الفساد ،


[37538]:من ظ، وفي الأصل: بأسنهم.
[37539]:من ظ، وفي الأصل: بأسنهم.
[37540]:سقط من ظ.
[37541]:زيد من ظ.
[37542]:تأخر في ظ عن "والعجب تغير".
[37543]:في ظ: للمعالي.
[37544]:في ظ: للمعالي.
[37545]:في ظ: تعرف.
[37546]:سقط من ظ.
[37547]:زيد من ظ.
[37548]:زيد من ظ.
[37549]:سقط من ظ.
[37550]:زيد من ظ.
[37551]:في ظ: عقاب.
[37552]:في ظ: فعل.
[37553]:زيد من ظ.
[37554]:زيد من ظ.
[37555]:من ظ، وفي الأصل: تنبيها.
[37556]:في ظ: تخلص.
[37557]:زيد من ظ.
[37558]:في ظ: بصيغة.
[37559]:في ظ: وقف.
[37560]:زيد من ظ.
[37561]:زيد من ظ.
[37562]:من ظ، وفي الأصل: ما.
[37563]:وفي قراءة حفص عن عاصم أيضا كما في مصاحفنا.
[37564]:في ظ: فجاء.
[37565]:في ظ: كونها.
[37566]:في ظ: يتمطى.
[37567]:في ظ: سحر.
[37568]:زيد من ظ.
[37569]:من ظ، وفي الأصل: لما.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ رَجُلٖ مِّنۡهُمۡ أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ عِندَ رَبِّهِمۡۗ قَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٞ مُّبِينٌ} (2)

قوله : { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم } الهمزة للاستفهام الإنكاري . والمصدر من { أن أوحينا } اسم كان . وخبرها { عجبا } {[1934]} والمراد بالناس : الكافرون من العرب ؛ فقد ذكر عن ابن عباس قوله في ذلك : لما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا أنكرت العرب ذلك أو من أنكر منهم ، فقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد ؛ فأنزل الله الآية .

وقوله : { إلى رجل منهم } أي بشر من جنسهم ومن مشاهيرهم يعرفونه حق المعرفة في صدقه وشرفه وعظيم خلقه . والمعنى : أن هؤلاء الكافرين الضالين جعلوا من بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أعجوبة يتعجبون منها ويجعلونه لهم موضع استنكار واستسخار . لا جرم أنهم هم موضع الزراية والسفاهة . فهل في بعث رجل كريم من جنسهم ومشاهيرهم لإرشادهم وهدايتهم ما يثير مثل هذا الإنكار والتعجيب لولا أنهم هم الجاهلون والضالون والحمقى ؟ !

قوله : { أنا أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم } { أن } ، تفسيرية ، أو مصدرية ؛ أي إنذار الناس . أي أخبر الناس بما يخوفهم عواقب الإدبار والنكول عن الإيمان . { وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم } أطلقت القدم على السبق على سبيل المجاز . والمراد به الشرف والتقدم نحو الرفيع من المنازل .

وقيل : المراد بقدم الصدق : شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : السعادة السابقة للمؤمنين من هذه الأمة في اللوح المحفوظ .

قوله : { قال الكافرون إن هذا لساحر مبين } لما أنذرهم الرسول صلى الله عليه وسلم وبشرهم بادر المشركون من العرب بالقول { إن هذا لساحر مبين } والإشارة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فهو في زعمهم المريض ووهمهم الباطل ساحر ظاهر ، قد فرق شملهم وجال بين القريب منهم وقريبه . وهذا إشعار بعجز العرب عن مضاهاة القرآن أو معارضته أو اصطناع شيء مثله . فما وجدوا بعد ذلك سبيلا يسلكونه أو ذريعة يستمسكون بها للنيل من القرآن والطعن فيه إلا أن قالوا : إن محمدا لساحر وأن ما جاءهم به سحر . لا جرم أن ذلك دليل أبلج على صدق هذا الكتاب الحكيم . وأنه معجز خارج عن طوق البشر بل إنه منزل من خالق الكائنات والقدر . وما دون ذلك من لغط ليس إلا الهذيان المتلجلج ، والإسفاف التافه المهين الذي ينحدر إليه الضالون المضلون من أعداء الإسلام في كل مكان وزمان{[1935]} .


[1934]:الدر المصون جـ 6 ص 144.
[1935]:روح المعاني جـ 6 ص 61- 64. والبحر المحيط جـ 5 ص 124- 127 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 405.