{ الر } فخم الراء ابن كثير ونافع وحفص عن عاصم ، وأمالها ورش عن نافع بين بين ، والباقون بالإمالة المحضة ، والأصل في ذلك الفتح ، وكذا ما كان من أمثالها مما ألفاتها ليست منقلبة عن ياء نحو ما ولا ، وإمالتها للتنبيه على أنها أسماء للحروف وليست حروفاً - نقل ذلك عن الواحدي .
لما قدم في أول الأعراف الحث على إبلاغ النصيحة بهذا الكتاب وفرغ مما اقتضاه السياق من التحذير من مثل وقائع الأولين ومصارع الماضين ومما استتبع ذلك من توصيل القول في ترجمة هذا النبي الكريم مع قومه في أول أمره وأثنائه وآخره في سورتي الأنفال وبراءة ، وختم ذلك بأن سور الكتاب تزيد كل أحد مما هو ملائم له متهيىء{[37505]} لقبوله وتبعده عما هو منافر له بعيد من{[37506]} قبول ملاءمته . وأن الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك قد حوى من{[37507]} الأوصاف والحلى والأخلاق العلى ما يوجب الإقبال عليه والإسراع إليه . والإخبار بأن توليهم عنه لا يضره شيئاً لأن ربه كافيه لأنه لامثل له وأنه ذو العرش العظيم ؛ لما{[37508]} كان ذلك كذلك ، أعاد سبحانه القول في شأن الكتاب الذي افتتح به الأعراف وختم سورة التوبة ، وزاده وصف الحكمة وأشار بأداة البعد إلى أن رتبته{[37509]} فيها بعيدة المنال بديعة المثال فقال : { تلك } أي الآيات العظيمة جداً التي اشتملت عليها هذه السورة ، أو السور التي تقدمت هذه السورة أو هذه{[37510]} الحروف المقطعة المشيرة إلى أن القرآن كلام الله وإلا لما أعجز{[37511]} القادرين على التلفظ بهذه الأحرف{[37512]} { آيات الكتاب } أي الذكر الجامع لكل خير ، وهو هذا القرآن الذي وافق كل ما فيه من القصص كل ما في{[37513]} التوراة والإنجيل من ذلك ، فدل ذلك على صدق الآتي به قطعاً لأنه لم يكن يعرف شيئاً مما في الكتابين ولا جالس أحداً يعلمه { الحكيم* } فكان فيما مضى - أن كونه من عند الله كاف في وجوب إتباعه - وفيما هنا تأكيد{[37514]} الوجوب بكونه مع ذلك حكيماً والآية : العلامة التي تنبئ عن مقطع الكلام من جهة مخصوصة ، والحكيم : الناطق بالحكمة . وهي المعروف بما يجتمع عليه مما يمنع الفعل من الفساد والنقص ، استعير له ذلك لأنه دليل كالناطق بالحكمة لأنه يؤدي إلى المعرفة التي يميز بها{[37515]} طريق النجاة من طريق الهلاك ، وهو حاكم يبين{[37516]} الحق من الباطل في الأصول والفروع ويحكم بالعدل الذي لا جور فيه بوجه في كل نازلة ، ومحكم لما أتى به ، مانع له من الفساد ، لا يمحوه الماء ولا تحرقه النار ولا تغيره الدهور ، و{[37517]} هذا ما ظهر لي في التحامها بما قبلها ؛ وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير : لما تضمنت سورة براءة قوله تعالى { إلا تنصروه فقد نصره الله }{[37518]}[ براءة : 40 ] وقوله{ عفا الله عنك لم أذنت لهم }{[37519]}[ براءة : 43 ] وقوله{ ورحمة للذين{[37520]} آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم }{[37521]}[ براءة : 61 ] وقوله :{ لقد جاءكم رسول من أنفسكم }{[37522]}[ براءة : 128 ] إلى آخر السورة إلى ما تخلل أثناء آي هذه السورة الكريمة مما شهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتخصيصه بمزايا السبق والقرب والاختصاص والملاطفة في الخطاب ووصفه بالرأفة والرحمة ، هذا ما انطوت هي والأنفال عليه من قهره أعداءه {[37523]}وتأييده{[37524]} ونصره عليهم وظهور دينه وعلو دعوته وإعلاء كلمته إلى غير هذا من نعم الله سبحانه عليه ، وكان ذلك كله مظنة{[37525]} لتعجب المرتاب وتوقف الشاك ومثيراً لتحرك ساكن الحسد{[37526]} من العدو العظيم{[37527]} ما منحه عليه السلام ، قال تعالى { أكان {[37528]}للناس عجباً{[37529]} أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس } إلى قوله : { لسحر{[37530]} مبين } ثم قال { إن ربكم الله } الآيات ، فبين انفراده تعالى بالربوبية والخلق والاختراع والتدبير ، فكيف تعترض{[37531]} أفعاله أو يطلع البشر على وجه الحكمة في كل ما يفعله ويبديه ، وإذا كان الكل ملكه وخلقه فيفعل في ملكه ما يشاء ويحكم في خلقه بما{[37532]} يريد { ذلكم الله ربكم فاعبدوه } { ما خلق الله ذلك إلا بالحق } ثم توعد سبحانه الغافلين عن{[37533]} التفكر في عظيم آياته حتى أدتهم الغفلة إلى مرتكب سلفهم في العجب والإنكار حتى قالوا{ مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } [ الفرقان : 7 ] وقالوا{ لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا } [ الفرقان : 21 ] وهذه{[37534]} مقالات الأمم المتقدمة{ قالوا ما أنتم{[37535]} إلا بشر مثلنا } [ يس : 15 ] { فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا } [ المؤمنون : 47 ] { ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم }{[37536]}[ سبأ : 43 ] فقال تعالى متوعداً للغافلين { إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا } ، ثم وعد المعتبرين{[37537]} فقال { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم } ، وكل هذا بيّن الالتحام جليل الالتئام ، ثم تناسجت آي السور - انتهى .
هذه السورة مكية إلا ثلاث آيات فمدنية . وقد تضمنت السورة صورا شتى من المعاني والحجج والمشاهد التي تثير النفس لتحملها على الانفعال وبالغ التأثر . والتي تستنفر العقل للخروج من إطار الواقع الضيق إلى آفاق الملكوت الرحب .
وفي السورة تنديد بالغ ومستفيض بالشرك والمشركين الذين أشربت نفوسهم حب الأصنام فانحنوا أمامها تقديسا وتعظيما ، وهم في ذلك لا يستندون إلى ذرة من تفكير . إلا تفكير السادرين في الضلالة والسفاهة وهوان العقول .
والله جل جلاله يتحدى العرب أولي البلاغة والفصاحة واللسن أن يأتوا بسورة واحدة من مثل سورة القرآن الحكيم . لا جرم أن ذلك برهان قاطع أبلج على كون هذا الكتاب معجز وأنه منزل من عند الله .
والحديث من الساعة بأهوالها وويلاتها وفظائعها يحتل في هذه السورة مساحة غير قليلة ؛ وذلك هو شأن القرآن من أوله إلى آخره في بالغ تركيزه على هذه اليقينية الكونية الكبرى ، ألا وهي خبر القيامة ودعوة الناس للإيمان باليوم الآخر .
وتتضمن السورة قصة الطاغية الأثيم فرعون الذي طغى وعتا وتجبر فأهلكه الله وجنوده في البحر ، وأنجى الله بني إسرائيل بقيادة نبي الله وكليمه موسى عليه السلام . إلى غير ذلك من الأخبار والمعاني والقصص والأمثال .
قوله تعالى : { الر تلك آيات الكتاب الحكيم 1 أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين } .
أما قوله : { الر } ففي تأويله عدة أقوال ، لعل أجدرها بالاعتبار أنها أسماء للأحرف المعلومة من حروف التهجي أتى بها هنا على سبيل التحدي ، وبذلك يكون اسم الإشارة { تلك } عائدا إليها ، فيكون تقدير الكلام : هذا القرآن الذي عجزتم عن معارضته أو الإتيان بشيء من مثله إنما تتألف كلماته من جنس هذه الحروف .
قوله : { آيات الكتاب الحكيم } { الكتاب } ، يراد به جميع القرآن باعتبار تحققه في اللوح المحفوظ ، أو باعتبار نزوله جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا ، وإما جميع ما نزل من القرآن حينئذ . و { الحكيم } ، أي ذو الحكمة ؛ سمي بذلك لاشتماله على الحكمة . و { الحكيم } صفة للكتاب .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.