الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ} (1)

مقدمة السورة:

مكية وهي مائة وعشر آيات

{ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا } اختلافا والتباسا

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ} (1)

مقدمة السورة:

بسم الله الرحمان الرحيم

{[1]}سورة الكهف{[2]}

مقصودها{[3]} وصف الكتاب بأنه قيم ، لكونه زاجرا عن الشريك الذي{[4]} هو خلاف ما قام عليه " الدليل- {[5]} ] في " سبحان " من أنه لا وكيل دونه ، لا إلاه إلا هو ، وقاصا بالحق أخبار قوم قد فضلوا في أزمانهم وفق ما وقع الخبر به في " سبحان " من أنه يفضل من يشاء ، ويفعل ما يشاء ، وأدل ما فيها على هذا المقصد قصة أهل الكهف ، لأن خبرهم أخفى ما فيها من القصص مع أن سبب فراقهم لقومهم الشرك ، وكان أمرهم موجبا – بعد طول رقادهم – للتوحيد وإبطال الشرك " بسم الله " الذي لا كفوء له ولا شريك " الرحمان " الذي أقام عباده على أوضح الطرق بقيم الكتاب " الرحيم " بتفضيل من اختصه{[6]} بالصواب .

لما ختمت تلك بأمر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالحمد عن التنزه عن صفات النقص لكونه أعلم الخلق بذلك ، بدئت هذه بالإخبار باستحقاقه سبحانه الحمد على صفات الكمال التي منها البراءة عن كل نقص ، منبها بذلك على وجوب حمده بما شرع من الدين على هذا{[45395]} الوجه الأحكم{[45396]} بهذا الكتاب{[45397]} القيم الذي خضعت لجلاله{[45398]}

العلماء الأقدمون ، وعجز عن معارضته الأولون والآخرون ، الذي هو الدليل على ما ختمت به تلك من العظمة والكمال ، والتنزه والجلال ، فقال{[45399]} ملقنا لعباده حمده ، معلما لهم كيف يثنون عليه ، مفقها لهم في اختلاف العبارات باختلاف المقامات{[45400]} : { الحمد } أي الإحاطة بصفات الكمال { لله } أي المستحق لذلك لذاته .

ولما أخبر باستحقاقه ذلك لذاته ، أخبر بأنه يستحقه أيضاً لصفاته وأفعاله ، فقال تعالى : { الذي } {[45401]}ولما كان المراد وصف جملة الكتاب بالإعجاز{[45402]} من غير نظر إلى التفريق واللتدريج ، عبر{[45403]} بالإنزال دون التنزيل فقال : { أنزل } وعدل عن الخطاب بأن يقول : عليك ، كما يقول : فلعلك باخع نفسك ، كما في ذلك من الوصف بالعبودية والإضافة إليه سبحانه من الإعلام بتشريفه صلى الله عليه وعلى آله وسلم والتنبيه على علة{[45404]}

تخصيصه بالإنزال عليه كما تقدم في سورة البقرة ، فقال . مقدماً له على المنزل لأن المراد الدلالة على صحة رسالته بما لا تحتاج{[45405]} فيه قريش إلى سؤال اليهود ولا غيرهم من تخصيصه بما لا يقدر عليه غيره : { على عبده } وإشارة إلى أنه الذي أسرى به إلى حضرات مجده ليريه من آياته { الكتاب } الجامع لمعاني الكتب المشار إليه في آخر التي قبلها بما أشير إليه من العظمة كما آتى موسى التوراة الآمرة بالعدل في الأحكام ، وداود الزبور الحادي إلى{[45406]} الزهد والإحسان ، على ما أشير إليه في{[45407]} { سبحان } .

ولما كان الجامع لا يخلو من عوج أو قابلية له إلا أن كان من علام الغيوب ، نفى القابلية والإمكان دلالة على أنه من عنده لينتفي العوج{[45408]} بطريق الأولى فقال تعالى : { ولم } {[45409]}أي والحال{[45410]} أنه لم{[45411]} { يجعل له } ولم يقل : فيه { عوجاً * } أي شيئاً من عوج ، {[45412]}أي بل هو مستقيم في جميع معانيه من غير اختلاف أصلاً ، هادٍ إلى كل صواب ، لأن العوج - بالكسر : فقد الاستقامة في المعاني ، وبالفتح في{[45413]} الأعيان ؛


[1]:- هكذا ثبتت العبارة في النسخة المخزونة بالرباط – المراقش التي جعلناها أصلا وأساسا للمتن، وكذا في نسخة مكتبة المدينة ورمزها "مد" وموضعها في نسخة دار الكتب المصرية ورمزها "م": رب زدني علما يا فتاح.
[2]:- في م ومد: قال أفقر الخلائق إلى عفو الخالق؛ وفي الأصل: أبو إسحاق – مكان: أبو الحسن، والتصحيح من الأعلام للزركلي ج1 ص 50 وعكس المخطوطة أمام ص 56 وهامش الأنساب للسمعاني ج2 ص280.
[3]:- ضبطه في الأعلام بضم الراء وتخفيف الباء.
[4]:- ضبطه الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني رحمه الله في تعليقه على الأنساب ج2 ص280 وقال: البقاعي يكسر الموحدة وفتح القاف مخففة وبعد الألف عين مهملة بلد معروف بالشام ينسب إليه جماعة أشهرهم الإمام المفسر إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي أبو الحسن برهان الدين من أجلة أهل القرن التاسع له عدة مؤلفات ولد سنة 809 وتوفي سنة 885 – اهـ.
[5]:- في م ومد: لطف الله بهم أجمعين، إلا أن لفظ "اجمعين" ليس في مد. والعبارة من "وآله" إلى هنا ليست في نسخة المكتبة الظاهرية ورمزها "ظ".
[6]:- في م ومد: لطف الله بهم أجمعين، إلا أن لفظ "اجمعين" ليس في مد. والعبارة من "وآله" إلى هنا ليست في نسخة المكتبة الظاهرية ورمزها "ظ".
[45395]:سقط من مد.
[45396]:من مد وفي الأصل وظ: لا حكم.
[45397]:من مد وفي الأصل وظ: الدين.
[45398]:من ظ ومد، وفي الأصل: بجلالة.
[45399]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[45400]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[45401]:العبارة من هنا إلى "دون التنزيل فقال" متأخرة في الأصل وظ عن "سورة البقرة فقال" والترتيب من مد.
[45402]:زيد في الأصل وظ: فلم يكن ولم تكن الزيادة في مد فحذفناها.
[45403]:من مد، وفي الأصل وظ: عليه.
[45404]:سقط من ظ.
[45405]:في مد: لا تحتاج.
[45406]:من ظ، وفي الأصل، ومد: على.
[45407]:من مد، وفي الأصل وظ: من.
[45408]:زيد من مد.
[45409]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[45410]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[45411]:زيد من مد.
[45412]:العبارة من هنا إلى "الأعيان" ساقطة من ظ.
[45413]:من مد وفي الأصل: من.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ} (1)

مقدمة السورة:

بيان إجمالي للسورة

هذه السورة مكية كلها . وهي فيها من أخبار السابقين ما يثير الخيال ويدهش اللب ؛ فهي أخبار تكشف عن مجاهيل مضت مع الغابرين الأولين مما لا علم لبشر أمي كرسول الله محمد ( ص ) بذلك إلا أن يتلقى تلك الأخبار من ربه .

ومن جهة أخرى : فإن هاتيك الأخبار في ذاتها وكيفية وقوعها ، إن هي إلا ضرب من ضروب الإعجاز الحسي الذي يخرج عن دائرة الكون في قوانينه ونواميسه .

على أن الخبر الأظهر والأكبر في هذه السورة ما سميت السورة كلها به وهو الكهف ، وأصحابه الفتية المؤمنون الأبرار الذين هاجروا ديارهم وأهليهم هربا من الكفر والبغيض . الكفر الذي تنفر منه الطبائع السليمة ؛ وتشمئز من المكث في سلطانه فطرة الطيبين الصالحين من الناس كأصحاب الكهف . ثم نستيقن بعد ذلك أن عقيدة التوحيد الخالص ، لهي الحافز المحقق الذي يزجي بالمرء إلى ابتغاء الحق والصواب ونشدان الخير مهما تكن الظروف . وأنها الإحساس المؤثر العظيم الذي يكمن في أغوار الإنسان ليسير في الأرض مهتديا مستبصرا دون تعثر أو تخبط أو اضطراب . إن عقيدة التوحيد لهي التي تؤلف بين العباد أعظم تأليف كيما يكون الناس جميعا إخوة مؤتلفين متحدين . لاجرم أن قصة الفتية الأبرار من أصحاب الكهف لهي أسطع صورة تكشف للعقول على مر الزمن عن سداد العقيدة الصحيحة السليمة ، وعن مدى تأثيرها البالغ في التأليف بين قلوب العباد ، ولترسيخ المودة والرحمة والتعارف بينهم . وأن العقيدة وحدها مطردة لكل أسباب الشقاء والبغضاء والقلق وغير ذلك من ظواهر الشر والسوء التي تسود البشرية الضالة عن منهج الله .

وبغير العقيدة الصحيحة السليمة ، عقيدة التوحيد الخالص ؛ لسوف تظل البشرية تائهة في الظلام ، سادرة في البلاء بكل صوره وأشكاله حتى تفيء إلى دين الله ومنهجه المستقيم . منهج الحق والرحمة والنجاة .

وفي فضل سورة الكهف وقراءتها ، أخرج الإمام أحمد عن أبي الدرداء عن النبي ( ص ) قال : " من قرأ العشر الأوائل من سورة الكهف عُصم من فتنة الدجال " .

بسم الله الرحمان الرحيم

{ الحمد لله الذي أنزل وعلى عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ( 1 ) قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ( 2 ) ماكثين فيه أبدا ( 3 ) وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ( 4 ) ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ( 5 ) } ذكر ابن إسحاق سبب نزول هذه السورة المباركة عن ابن عباس قال : بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة فقالوا لهم : سلوهم عن محمد وصفوا لهم صفته ، وأخبروهم بقوله ، فإنهم أهل الكتاب الأول وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء ، فخرجا حتى أتيا المدينة فسألوا أحبار يهود عن رسول الله ( ص ) ووصفوا لهم أمره وبعض قوله وقالا : إنكم أهل التوراة ، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا . فقالوا لهم : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن ؛ فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل وإلا فرجل متقول تروا فيه رأيكم . سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم ؛ فإنهم قد كان لهم حديث عجيب . وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه . وسلوه عن الروح ما هو ؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه ، وإن لم يخبركم ؛ فإنه رجل متقوّل فاصنعوا في أمره ما بدا لكم . فجاءوا رسول الله ( ص ) فقالوا : يا محمد أخبرنا : فسألوه عما أمروهم به . فقال لهم رسول الله ( ص ) : " أخبركم غدا عما سألتم عنه " ولم يستثن . فانصرفوا عنه ومكث رسول الله ( ص ) خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا ولا يأتيه جبريل عليه السلام حتى أرجف أهل مكة وقالوا : وعدنا محمد غدا ، واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه ، وحتى أحزن رسول الله ( ص ) مكث الوحي وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة . ثم جاء جبريل عليه السلام من الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف ، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم ، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف والروح{[2766]} .

قوله : ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ) هذا ثناء من الله على نفسه المجيدة ؛ فهو سبحانه المحمود في كل الأحوال وقد حمد نفسه ؛ إذ أنزل كتابه المبارك على رسول الله محمد ( ص ) ليكون للناس خير هاد وأعظم دليل ( ولم يجعل له عوجا ) الواو ، للعطف وعوجا ، حال . والتقدير : أنزل الكتاب على عبده غير مجعول له عوجا قيما{[2767]} . والمعنى : أن الله أنزل القرآن على العالمين ولم يجعل فيه أيما اعوجاج أو زيغ ولم يحتمل شيئا من ضعف أو نقص ؛ بل جعله الله مستقيما معتدلا شاملا لكل وجوه الخير والحق ، مجانبا لكل احتمالات الشر والباطل وبذلك يصلح عليه حال البشرية ؛ فيصيروا إلى السعادة والنجاة في الدارين . وهو قوله سبحانه : ( قيما )


[2766]:- تفسير ابن كثير جـ3 ص 71 وتفسير القرطبي جـ10 ص 347.
[2767]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 99.