{ ولقد جئتمونا فرادى } يقال للكفار في الآخرة جئتمونا فرادى بلا أهل ولا مال ولا شيء قدمتموه { كما خلقناكم أول مرة } كما خرجتم من بطون أمهاتكم { وتركتم ما خولناكم } ملكناكم وأعطيناكم من المال والعبيد والمواشي { وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء } وذلك أن المشركين كانوا يعبدون الأصنام على أنهم شركاء الله وشفعاؤهم عنده { لقد تقطع بينكم } وصلكم ومودتكم { وضل عنكم } ذهب عنكم { ما كنتم تزعمون } تكذبون في الدنيا
قوله تعالى : " ولقد جئتمونا فرادى " هذه عبارة عن الحشر و " فرادى " في موضع نصب على الحال ، ولم ينصرف لأن فيه ألف تأنيث . وقرأ أبو حيوة " فرادا " بالتنوين وهي لغة تميم ، ولا يقولون في موضع الرفع فراد . وحكى أحمد بن يحيى " فراد " بلا تنوين ، قال : مثل ثلاث ورباع . و " فرادى " جمع فردان كسكارى جمع سكران ، وكسالى جمع كسلان . وقيل : واحده " فرد " بجزم الراء ، و " فرد " بكسرها ، و " فرد " بفتحها ، و " فريد " . والمعنى : جئتمونا واحدا واحدا ، كل واحد منكم منفردا بلا أهل ولا مال ولا ولد ولا ناصر ممن كان يصاحبكم في الغي ، ولم ينفعكم ما عبدتم من دون الله . وقرأ الأعرج{[6572]} " فردى " مثل سكرى وكسلى بغير ألف . " كما خلقناكم أول مرة " أي منفردين كما خلقتم . وقيل : عراة كما خرجتم من بطون أمهاتكم حفاة غرلا بهما{[6573]} ليس معهم شيء . وقال العلماء : يحشر العبد غدا وله من الأعضاء ما كان له يوم ولد ، فمن قطع منه عضو يرد في القيامة عليه . وهذا معنى قوله : " غرلا " أي غير مختونين ، أي يرد عليهم ما قطع منه عند الختان .
قوله تعالى : " وتركتم ما خولناكم " أي أعطيناكم وملكناكم . والخول : ما أعطاه الله للإنسان من العبيد والنعم{[6574]} . " وراء ظهوركم " أي خلفكم . " وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء " أي الذين عبدتموهم وجعلتموهم شركاء يريد الأصنام أي شركائي . وكان المشركون يقولون : الأصنام شركاء الله وشفعاؤنا عنده . " لقد تقطع بينكم " قرأ نافع والكسائي وحفص بالنصب على الظرف ، على معنى لقد تقطع وصلكم بينكم . ودل على حذف الوصل قوله " وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم " . فدل هذا على التقاطع والتهاجر بينهم وبين شركائهم : إذ تبرؤوا منهم ولم يكونوا معهم . ومقاطعتهم لهم هو تركهم وصلهم لهم ، فحسن إضمار الوصل بعد " تقطع " لدلالة الكلام عليه . وفي حرف ابن مسعود ما يدل على النصب فيه وهذا لا يجوز فيه إلا النصب ، لأنك ذكرت المتقطع وهو " ما " . كأنه قال : لقد تقطع الوصل بينكم . وقيل : المعنى لقد تقطع الأمر بينكم . والمعنى متقارب . وقرأ الباقون " بينكم " بالرفع على أنه اسم غير ظرف ، فأسند الفعل إليه فرفع . ويقوي جعل " بين " اسما من جهة دخول حرف الجر عليه في قوله تعالى : " ومن بيننا وبينك حجاب " {[6575]} [ فصلت : 5 ] و " هذا فراق بيني وبينك{[6576]} " [ الكهف : 78 ] . ويجوز أن تكون قراءة النصب على معنى الرفع ، وإنما نصب لكثرة استعماله ظرفا منصوبا وهو في موضع رفع ، وهو مذهب الأخفش ، فالقراءتان على هذا بمعنى واحد ، فاقرأ بأيهما شئت . " وضل عنكم " أي ذهب . " ما كنتم تزعمون " أي تكذبون به في الدنيا . روي أن الآية نزلت في النضر بن الحارث . وروي أن عائشة رضي الله عنها قرأت قول الله تعالى : " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة " فقالت : يا رسول الله ، واسوءتاه ! إن الرجال والنساء يحشرون جميعا ، ينظر بعضهم إلى سوأة بعض ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال شغل بعضهم عن بعض ) . وهذا حديث ثابت في الصحيح أخرجه مسلم بمعناه .
قوله : { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة } فرادى في محل نصب حال . ولا ينصرف ، لأن في آخره ألف التأنيث . وفرادى جمع ومفرده فردان . مثل سكارى وسكران . وكسالى وكسلان ، وقيل : فرادى جمع فريد . وقيل : جمع وواحده : فرد . والكاف في { كما } في محل نصب وصف لمصدر محذوف . وتقديره : لقد جئتمونا منفردين مثل حالكم أول مرة{[1219]} والمعنى : أنكم جئتمونا إلى الحشر وحدانا . أي واحدا واحدا ليس معكم مال ولا أعوان ولا شفعاء بل جئتمونا حفاة عراة غرُلا كما خرجتم من بطون أمهاتكم ليس معكم شيء ، لا أهل ولا ولد ولا ناصر .
قوله : { وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم } خولناكم : أعطيناكم وملكناكم . خوله الله الشيء تخويلا ، ملكه إياه {[1220]} أي تركتم ما ملكناكم وما أعطيناكموه في الدنيا من المال والخدم وأصناف الخير والنعم التي شغلتم بها أنفسكم عن الآخرة . لقد تركتم ذلك كله خلفكم وجئتمونا اليوم آحادا بغير شيء تملكونه أو ينفعكم .
قوله : { وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركؤا } نزلت هذه الآية في النضر بن الحرث لقيله إن اللات والعزى يشفعان له عند الله يوم القيامة وقيل : كان ذلك قول سائر عبدة الأوثان . فرد الله بهذه الآية مقالتهم الباطلة وظنهم الواهم الكاذب بما يقرعهم تقريعا ويوبخهم توبيخا زيادة في التنكيل والتغليظ بهم . والمعنى أنكم أيها المشركون الظالمون الذين كنتم تتشبثون بشفاعة الأصنام لكم ، ها أنتم جئتمونا فرادى حيارى وجلين وليس معكم من نصير ولا شفيع يدرأ عنكم العذاب . ولم نر معكم أصنامكم التي اتخذتموها في الدنيا شركاء لله فعبدتموها وظننتم كاذبين أنها لكم شفعاء إذا ما قامت القيامة .
قوله : { لقد تقطع ببينكم } أي تقطع بينكم وصلكم . فوقع التهاجر والتقاطع بينكم وبين شركائكم الأصنام ، إذ تبرأوا منكم . وذهب ما كان بينكم من تواصل وتواد .
قوله : { وضل عنكم ما كنتم تزعمون } أي ضاع وذهب عنكم شركاؤكم من الأصنام الذين كنتم تزعمون أنهم منجوكم وأنهم لكم شفعاء . فيومئذ لا ينفعوكم ولا يشفعون لكم . وليس إذ ذاك إلا النار وبئس القرار ، ولات حين مندم ولا شفاعة ولا مناص{[1221]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.