اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{أَلَّا تَعۡلُواْ عَلَيَّ وَأۡتُونِي مُسۡلِمِينَ} (31)

قوله : «أَلاَّ تَعْلوا » فيه أوجه :

أحدها : أن «أَنْ » مفسرة كما تقدم في أحد الأوجه في «أَنْ » قبلها في قراءة عكرمة{[38893]} ، ولم يذكر الزمخشري غيره{[38894]} ، وهو وجه حسن ، لما في ذلك من المشاكلة{[38895]} ، وهو عطف الأمر عليه ، وهو قوله : «وَأْتُونِي »{[38896]} .

الثاني : أنها مصدرية في محل رفع بدلاً من «كِتَاب » ، كأنّه قيل : ألقي إليَّ أن لا تعلُوا عَلَيَّ{[38897]} .

الثالث : أنها في موضع رفع على خبر ابتداء مضمر ، أي هو أن لا تعلوا{[38898]} .

الرابع : أنها على إسقاط الخافض ، أي : بأن لا تعلوا{[38899]} ، فيجيء في موضعها القولان المشهوران{[38900]} .

والظاهر أن «لا » في هذه الأوجه الثلاثة للنهي ، وقد تقدّم أن «أَنْ » المصدرية توصل بالمتصرف{[38901]} مطلقاً . وقال أبو حيان : و «أَنْ » في قوله : { أَن لاَّ تَعْلُواْ } في موضع رفع{[38902]} على البدل من «كتاب » ، وقيل في موضع نصب على : { بأَنْ لاَّ تَعْلُوا } ، وعلى هذين التقديرين تكون «أن » ناصبة للفعل{[38903]} . فظاهر هذا أنّها نافية ، إذ لا يتصور أن تكون ناهية بعد «أن » الناصبة للمضارع ، ويؤيّد هذا ما حكاه عن الزمخشري ، فإنّه قال : وقال الزمخشري : و «أن » في أن لا تَعْلُوا مفسرة{[38904]} ، قال : فَعَلَى هذا تكون «لا » في : «لاَ تَعْلُوا » للنهي ، وهو حسن لمشاكلة عطف الأمر عليه{[38905]} فقوله : «فعلى هذا » : إلى آخره صريح بأنّها على غير هذا يعني الوجهين المتقدمين ليس للنهي فيهما{[38906]} ، ثم القول بأنّها للنفي لا يظهر ، إذ يصير المعنى - على الإخبار منه عليه السلام - بأنّهم لا يعلون عليه ، وليس هذا مقصوداً ، وإنّما المقصود أن ينهاهم عن ذلك .

وقرأ ابن عباس والعقيلي : «تغلوا » - بالغين المعجمة{[38907]} ، من الغلو ، وهو مجاوزة الحد .

فصل :

قال ابن عباس : «لا تتكبروا عليَّ »{[38908]} ، وقيل : لا تتعظموا ولا ترتفعوا عليَّ أي : لا تمتنعوا من الإجابة ، فإنّ ترك الإجابة من العلوّ والتكبر ، «وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ » : مؤمنين طائعين{[38909]} ، قيل : هو من الإسلام{[38910]} ، وقيل : من الاستسلام{[38911]} . فإنْ قيل : النهي عن الاستعلاء والأمر بالانقياد قبل إقامة الدلالة على كونه رسولاً حقاً يدل على الاكتفاء بالتقليد .

فالجواب : معاذ الله أن يكون هناك تقليد ؛ وذلك لأنّ رسول سليمان إلى بلقيس الهدهد ، ورسالة الهدهد معجزة ، والمعجزة تدل على وجود الصانع وصفاته ، وتدل على صدق المُدَّعِي للرسالة ، فلمَّا كانت تلك الرسالة دلالة تامة على التوحيد والنبوة ، لا جرم لم يذكر في الكتاب دليل آخر{[38912]} .


[38893]:في قوله تعالى: {إنه من سليمان وإنه} من الآية 30 من السورة نفسها؛ بفتح الهمزتين.
[38894]:قال الزمخشري: (و "أن" في "ألا تعلوا" مفسرة أيضا) الكشاف 3/141، وانظر البيان 2/222، التبيان 2/1008.
[38895]:في ب: من المشاكلة كلمة.
[38896]:انظر البحر المحيط 7/72.
[38897]:انظر معاني القرآن للفراء 2/291، مشكل إعراب القرآن 2/148، البيان 2/222.
[38898]:قال أبو البقاء: (موضعه رفع بدلا من "كتاب"، أي: هو ألا تعلوا) التبيان 2/1008.
[38899]:انظر مشكل إعراب القرآن 2/148، البيان 2/221.
[38900]:وهما إما أن يكون في موضع نص وذلك عند الخليل وأكثر النحويين، وجر عند الكسائي، وجوز سيبويه أن يكون المحل جراً، وتقدم الحديث عنهما عند قوله تعالى: {وإن هذه أمتكم أمةً واحدةً}[المؤمنون: 52].
[38901]:في ب: بالتصرف.
[38902]:رفع: سقط من ب.
[38903]:البحر المحيط 7/72.
[38904]:الكشاف 3/141.
[38905]:البحر المحيط 7/72.
[38906]:في ب: فيها.
[38907]:المختصر (109)، المحتسب 2/139، البحر المحيط 7/72.
[38908]:انظر البغوي 6/277.
[38909]:انظر البغوي 6/277.
[38910]:انظر البغوي 6/277.
[38911]:انظر البغوي 6/277.
[38912]:انظر الفخر الرازي 24/195.