اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{قَالُوٓاْ أُوذِينَا مِن قَبۡلِ أَن تَأۡتِيَنَا وَمِنۢ بَعۡدِ مَا جِئۡتَنَاۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُهۡلِكَ عَدُوَّكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ} (129)

قوله : { قالوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا } . لما هدَّد فرعونُ قوم موسى وتوعدهم خافوا ، و { قالوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا } لأنَّهم كانُوا قبل مجيء موسى - عليه الصلاة والسلام - كانوا مستضعفين في يد فرعون ، يأخذُ منهم الجزية ويستعملهم في الأعمالِ الشَّاقة ، ويمنعهم من الترفة ، ويقتل أبناءهم ، ويستحيي نساءهم ، فلمَّا بعث اللَّهُ موسى - عليه الصَّلاة والسلام - قوي رجاؤُهم في زوال تلك المضار ، فلما سمعوا تهديدَ فرعون ثانياً عظُم خوفُهم ، فقالوا هذا الكلام .

فصل

فإن قيل : هذا القول يدلُّ على كراهتهم مجيء موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - وذلك يوجب الكفر .

فالجواب : أنَّ موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - لمَّا جاء وعدهم بزوال تلك المضار فَظَنُّوا أنَّهَا تزول على الفور ، فلَّما رأوا أنَّهَا ما زالت رجعوا إليه في معرفة كيفية ذلك الوعد ، فبيَّن لهم موسى - عليه السلام - أن الوعدَ بإزالتها لا يُوجِب الفور ، بل لا بدَّ أن يستنجزَ ذلك الوعد في الوقت المقدر لَهُ .

فالحاصل أنَّ هذا ما كان نُفرةً عن مجيء موسى بالرِّسالةِ ، بل استكشافاً لكيفية ذلك .

فعند هذا قال موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - : { عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ } . قال سيبويه : " عَسَى " طمع وإشفاق . قال الزَّجَّاجُ : وما يطمع اللَّه فيه فهو واجب .

ولقائل أن يقول : هذا ضعيف ؛ لأنَّ لفظ " عسى " ههنا ليس كلام اللَّه بل هو حكاية عن كلام موسى ، ويُجاب بأنَّ هذا الكلامِ إذا صدر عن الرسول الذي ظهرت نبوته بالمعجزات أفاد قوة اليقين فَقَوَّى موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - قلوبهم بهذا القولِ وحقَّق عندهم الوعدَ ليصبروا ويتركوا الجزع المذموم .

قال القرطبي{[16716]} : " جَدَّدَ لهم الوعدَ وحقَّقَهُ . وقد استُخلفوا في مصر في زمن داود وسليمان - عليهما الصَّلاة والسَّلام - ، وفتحوا بيت المقدس مع يُوشع بن نون كما تقدم ، وروي أنهم قالوا ذلك حين خرج بهم موسى ، وتبعهم فرعون ، فكان وراءهم ، والبحرُ أمامهم ، فحقَّقَ اللَّه الوعد : بأن غرق فرعون وقومه ، وأنجاهم " .

ثُم بيَّن بقوله : { فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } ما يَجْرِي مجرى الحثِّ له على التَّمسُّك بطاعة اللَّهِ .

واعلم أنَّ النظر قد يُراد به النَّظر الذي يفيد العِلْمَ ، وهو على اللَّهِ محال ، وقد يُرَادُ به تقليب الحدقة نحو المرئيّ التِمَاساً لرؤيته وهو أيضاً على اللَّهِ محال ، وقد يراد به الرُّؤية ، ويجب حملُ اللَّفْظِ ههنا عليها .

قال الزَّجَّاجُ : أي يرى ذلك بوقوع ذلك منكم ، لأنَّ اللَّه تعالى لا يجازيهم على ما يعلمه منهم وإنَّمَا يجازيهم على ما يقعُ منهم .

فإن قيل : إذا حملتم هذا النَّظَر على الرُّؤيَةِ لزم الإشكالُ ، لأن الفاءَ في قوله : " فَيَنْظُرَ : " للتعقيب ، فيلزم أن تكون رؤية اللَّهِ لتلك الأعمال متأخرة عن حصول تلك الأعْمَالِ ، وذلك يُوجِبُ حُدُوث صفة في ذات اللَّهِ .

فالجواب : أن المعنى تعلُّق رؤية اللَّه تعالى بذلك الشَّيءِ ، والتَّعلق نسبة حادثة ، والنِّسَبُ والإضافاتُ ؛ لا وجود لها في الأعيانِ ، فلم يلزم حدوث الصِّفةِ الحقيقية في ذات اللَّهِ تعالى .

وقد حَقَّقَ اللَّهُ ذلك الوعدَ ، فأغرق فرعون واستخلفهم في ديارهم ، وأموالهم ؛ فعبدُوا والعِجْلَ .


[16716]:ينظر: تفسير القرطبي 7/168.