مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ} (2)

قوله تعالى { الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون } .

اعلم أنه تعالى لما ذكر أن أكثر الناس لا يؤمنون ذكر عقيبه ما يدل على صحة التوحيد والمعاد وهو هذه الآية وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قال صاحب «الكشاف » : الله مبتدأ والذي رفع السموات خبره بدليل قوله : { وهو الذي مد الأرض } ويجوز أن يكون الذي رفع السموات صفة وقوله : { يدبر الأمر يفصل الآيات } خبرا بعد خبر ، وقال الواحدي : العمد الأساطين وهو جمع عماد يقال عماد وعمد مثل إهاب وأهب ، وقال الفراء : العمد والعمد جمع العمود مثل أديم وادم وادم ، وقضيم وقضم وقضم ، والعماد والعمود ما يعمد به الشيء ، ومنه يقال : فلان عمد قومه إذا كانوا يعتمدونه فيما بينهم .

المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى استدل بأحوال السموات وبأحوال الشمس والقمر وبأحوال الأرض وبأحوال النبات ، أما الاستدلال بأحوال السموات بغير عمد ترونها فالمعنى : أن هذه الأجسام العظيمة بقيت واقفة في الجو العالي ويستحيل أن يكون بقاؤها هناك لأعيانها ولذواتها لوجهين : الأول : أن الأجسام متساوية في تمام الماهية ، ولو وجب حصول جسم في حيز معين ، لوجب حصول كل جسم في ذلك الحين . والثاني : أن الخلاء لا نهاية له والأحياز المعترضة في ذلك الخلاء الصرف غير متناهية وهي بأسرها متساوية ولو وجب حصول جسم في حيز معين لوجب حصوله في جميع الأحياز ضرورة أن الأحياز بأسرها متشابهة فثبت أن حصول الأجرام الفلكية في أحيازها وجهاتها ليس أمرا واجبا لذاته بل لا بد من مخصص ومرجح ، ولا يجوز أن يقال إنها بقيت بسلسلة فوقها ولا عمد تحتها ، وإلا لعاد الكلام في ذلك الحافظ ولزم المرور إلى ما لا نهاية له وهو محال فثبت أن يقال الأجرام الفلكية في أحيازها لأجل أن مدبر العالم تعالى وتقدس أوقفها هناك . فهذا برهان قاهر على وجود الإله القاهر القادر . ويدل أيضا على أن الإله ليس بجسم ولا مختص بحيز ، لأنه لو كان حاصلا في حيز معين لامتنع أن يكون حصوله في ذلك الحيز لذاته ولعينه لما بينا أن الأحياز بأسرها متساوية فيمتنع أن يكون حصوله في حيز معين لذاته فلا بد وأن يكون بتخصيص مخصص وكل ما حصل بالفاعل المختار فهو محدث فاختصاصه بالحيز المعين محدث وذاته لا تنفك عن ذلك الاختصاص وما لا يخلو عن الحادث فهو حادث ، فثبت أنه لو كان حاصلا في الحيز المعين لكان حادثا ، وذلك محال ، فثبت أنه تعالى متعال عن الحيز والجهة ، وأيضا كل ما سماك فهو سماء ، فلو كان تعالى موجودا في جهة فوق جهة لكان من جملة السموات فدخل تحت قوله : { الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها } فكل ما كان مختصا بجهة فوق جهة فهو محتاج إلى حفظ الإله بحكم هذه الآية فوجب أن يكون الإله منزها عن جهة فوق . أما قوله : { ترونها } ففيه أقوال : الأول : أنه كلام مستأنف والمعنى : رفع السموات بغير عمد . ثم قال : { ترونها } أي وأنتم ترونها أي مرفوعة بلا عماد . الثاني : قال الحسن في تقرير الآية تقديم وتأخير تقديره : رفع السموات ترونها بغير عمد .

واعلم أنه إذا أمكن حمل الكلام على ظاهره كان المصير إلى التقديم والتأخير غير جائز . والثالث : أن قوله : { ترونها } صفة للعمد ، والمعنى : بغير عمد مرئية ، أي للسموات عمد . ولكنا لا نراها قالوا : ولها عمد على جبل قاف وهو جبل من زبرجد محيط بالدنيا ولكنكم لا ترونها . وهذا التأويل في غاية السقوط ، لأنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام ليكون حجة على وجود الإله القادر . ولو كان المراد ما ذكروه لما ثبتت الحجة لأنه يقال إن السموات لما كانت مستقرة على جبل قاف فأي دلالة لثبوتها على وجود الإله ، وعندي فيه وجه آخر أحسن من الكل . وهو أن العماد ما يعتمد عليه وقد دللنا على أن هذه الأجسام إنما بقيت واقفة في الجو العالي بقدرة الله تعالى وحينئذ يكون عمدها هو قدرة الله تعالى . فنتج أن يقال إنه رفع السماء بغير عمد ترونها أي لها عمد في الحقيقة إلا أن تلك العمد هي قدرة الله تعالى وحفظه وتدبيره وإبقاؤه إياها في الجو العالي وأنهم لا يرون ذلك التدبير ولا يعرفون كيفية ذلك الإمساك .

وأما قوله : { ثم استوى على العرش } فاعلم أنه ليس المراد منه كونه مستقرا على العرش ، لأن المقصود من هذه الآية ذكر ما يدل على وجود الصانع ويجب أن يكون ذلك الشيء مشاهدا معلوما وأن أحدا ما رأى أنه تعالى استقر على العرش فكيف يمكن الاستدلال به عليه وأيضا بتقدير أن يشاهد كونه مستقرا على العرش إلا أن ذلك لا يشعر بكمال حاله وغاية جلاله ، بل يدل على احتياجه إلى المكان والحيز . وأيضا فهذا يدل على ما كان بهذه الحالة ، وذلك يوجب التغير وأيضا الاستواء ضد الاعوجاج فظاهر الآية يدل على أنه كان معوجا مضطربا ثم صار مستويا وكل ذلك على الله محال ، فثبت أن المراد استواؤه على عالم الأجسام بالقهر والقدرة والتدبير والحفظ يعني أن من فوق العرش إلى ما تحت الثرى في حفظه وفي تدبيره وفي الاحتياج إليه . وأما الاستدلال بأحوال الشمس والقمر : فهو قوله سبحانه وتعالى : { وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى } .

واعلم أن هذا الكلام اشتمل على نوعين من الدلالة :

النوع الأول : قوله : { وسخر الشمس والقمر } وحاصله يرجع إلى الاستدلال على وجود الصانع القادر القاهر بحركات هذه الأجرام ، وذلك لأن الأجسام متماثلة فهذه الأجرام قابلة للحركة والسكون فاختصاصها بالحركة الدائمة دون السكون لا بد له من مخصص . وأيضا أن كل واحدة من تلك الحركات مختصة بكيفية معينة من البطء والسرعة فلا بد أيضا من مخصص لا سيما عند من يقول الحركة البطيئة معناها حركات مخلوطة بسكنات وهذا يوجب الاعتراف بأنها تتحرك في بعض الأحياز وتسكن في البعض فحصول الحركة في ذلك الحيز المعين والسكون في الحيز الآخر لا بد فيه أيضا من مرجح .

الوجه الثالث : وهو أن تقدير تلك الحركات والسكنات بمقادير مخصوصة على وجه تحصل عوداتها وأدوارها متساوية بحسب المدة حالة عجيبة فلا بد من مقدر .

والوجه الرابع : أن بعض تلك الحركات مشرقية وبعضها مغربية وبعضها مائلة إلى الشمال وبعضها مائلة إلى الجنوب وهذا أيضا لا يتم إلا بتدبير كامل وحكمة بالغة .

النوع الثاني : من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله : { كل يجري لأجل مسمى } وفيه قولان : الأول : قال ابن عباس : للشمس مائة وثمانون منزلا كل يوم لها منزل وذلك يتم في ستة أشهر ، ثم إنها تعود مرة أخرى إلى واحد منها في ستة أخرى وكذلك القمر له ثمانية وعشرون منزلا ، فالمراد بقوله : { كل يجري لأجل مسمى } هذا . وتحقيقه أنه تعالى قدر لكل واحد من هذه الكواكب سيرا خاصا إلى جهة خاصة بمقدار خاص من السرعة والبطء ومتى كان الأمر كذلك لزم أن يكون لها بحسب كل لحظة ولمحة حالة أخرى ما كانت حاصلة قبل ذلك .

والقول الثاني : أن المراد كونهما متحركين إلى يوم القيامة ، وعند مجيء ذلك اليوم تنقطع هذه الحركات وتبطل تلك السيرات كما وصف الله تعالى ذلك في قوله : { إذا الشمس كورت ، وإذا النجوم انكدرت ، وإذا السماء انشقت ، وإذا السماء انفطرت ، وجمع الشمس والقمر } وهو كقوله سبحانه وتعالى : { ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده } ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل قال : { يدبر الأمر } وكل واحد من المفسرين حمل هذا على تدبير نوع آخر من أحوال العالم والأولى حمله على الكل فهو يدبرهم بالإيجاد والإعدام وبالإحياء والإماتة والإغناء والإفقار ، ويدخل فيه إنزال الوحي وبعثة الرسل وتكليف العباد ، وفيه دليل عجيب على كمال القدرة والرحمة وذلك لأن هذا العالم المعلوم من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى أنواع وأجناس لا يحيط بها إلا الله تعالى ، والدليل المذكور دل على أن اختصاص كل واحد منها بوضعه وموضعه وصفته وطبيعته وحيلته ، ليس إلا من الله تعالى ومن المعلوم أن كل من اشتغل بتدبير شيء فإنه لا يمكنه تدبير شيء آخر إلا الباري سبحانه وتعالى فإنه لا يشغله شأن عن شأن أما العاقل فإنه إذا تأمل في هذه الآية علم أنه تعالى يدبر عالم الأجسام وعالم الأرواح ويدبر الكبير كما يدبر الصغير فلا يشغله شأن عن شأن ولا يمنعه تدبير عن تدبير وذلك يدل على أنه تعالى في ذاته وصفاته وعلمه وقدرته غير مشابه للمحدثات والممكنات .

ثم قال : { يفصل الآيات } وفيه قولان : الأول : أنه تعالى بين الآيات الدالة على إلهيته وعلمه وحكمته . والثاني : أن الدلائل الدالة على وجود الصانع قسمان : أحدهما : الموجودات الباقية الدائمة كالأفلاك والشمس والقمر والكواكب ، وهذا النوع من الدلائل هو الذي تقدم ذكره . والثاني : الموجودات الحادثة المتغيرة ، وهي الموت بعد الحياة ، والفقر بعد الغنى ، والهرم بعد الصحة ، وكون الأحمق في أهنأ العيش ، والعاقل الذكي في أشد الأحوال ، فهذا النوع من الموجودات والأحوال دلالتها على وجود الصانع الحكيم ظاهرة باهرة . وقوله : { يفصل الآيات } إشارة إلى أنه يحدث بعضها عقيب بعض على سبيل التمييز والتفصيل .

ثم قال : { لعلكم بلقاء ربكم توقنون } واعلم أن الدلائل المذكورة كما تدل على وجود الصانع الحكيم فهي أيضا تدل على صحة القول بالحشر والنشر لأن من قدر على خلق هذه الأشياء وتدبيرها على عظمتها وكثرتها فلأن يقدر على الحشر والنشر كان أولى يروي أن رجلا قال لعلي بن أبي طالب رضوان الله عليه أنه تعالى كيف يحاسب الخلق دفعة واحدة فقال كما يرزقهم الآن دفعة واحدة وكما يسمع نداءهم ويجيب دعاءهم الآن دفعة واحدة . وحاصل الكلام أنه تعالى كما قدر على إبقاء الأجرام الفلكية والنيرات الكوكبية في الجو العالي وإن كان الخلق عاجزين عنه ، وكما يمكنه أن يدبر من فوق العرش إلى ما تحت الثرى بحيث لا يشغله شأن عن شأن ، فكذلك يحاسب الخلق بحيث لا يشغله شأن عن شأن ، ومن الأصحاب من تمسك بلفظ اللقاء على رؤية الله تعالى ، وقد مر تقريره في هذا الكتاب مرارا وأطوارا .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ} (2)

{ الله الذي رَفَعَ * السموات } أي خلقهن مرتفعات على طريقة سبحان من كبر الفيل وصغر البعوض لا أنه سبحانه رفعها بعد إن لم تكن كذلك { بِغَيْرِ عَمَدٍ } أي دعائم ، وهو اسم جمع عند الأكثر والمفرد عماد كإهاب وأهب يقال : عمدت الحائط أعمده عمداً إذا دعمته فاعتمد واستند ، وقيل : المفرد عمود ، وقد جاء أديم وأدم وقصيم وقصم ، وفعيل وفعول يشتركان في كثير من الأحكام ، وقيل : إنه جمع ورجح الأول بما سنشير إليه إن شاء الله تعالى قريباً .

/ وقرأ أبو حيوة . ويحيى بن وثاب { عَمَدٍ } بضمتين ، وهو جمع عماد كشهاب وشهب أو عمود كرسول ورسل ويجمعان في القلة على أعمدة ، والجمع لجمع السموات لا لأن المنفي عن كل واحدة منها العمد لا العماد ، والجار والمجرور في موضع الحال أي رفعها خالية عن عمد { تَرَوْنَهَا } استئناف لا محل له من الإعراب جىء به للاستشهاد على كون السموات مرفوعة كذلك كأنه قيل : ما الدليل على ذلك ؟ فقيل : رؤيتكم لها بغير عمد فهو كقولك : أنا بلا سيف ولا رمح تراني .

ويحتمل أن يكون الاستئناف نحوياً بدون تقدير سؤال وجواب والأول أولى ، وجوز أن تكون الجملة في موضع الحال من السموات أي رفعها مرئية لكم بغير عمد وهي حال مقدرة لأن المخاطبين حين رفعها لم يكونوا مخلوقين ، وأياً ما كان فالضمير المنصوب للسموات .

وجوز كون الجملة صفة للعمد فالضمير لها واستدل لذلك بقراءة أبي { *ترونه } لأن الظاهر أن الضمير عليها للعمد وتذكيره حينئذٍ لائح الوجه لأنه اسم جمع فلوحظ أصله في الإفراد ورجوعه إلى الرفع خلاف الظاهر ، وعلى تقدير الوصفية يحتمل توجه النفي إلى الصفة والموصوف على منوال :

ولا ترى الضب بها ينجحر *** لأنها لو كانت لها عمد كانت مرئية وهذا في المعنى كالاستئناف ، ويحتمل توجهه إلى الصفة فيفيد أن لها عمداً لكنها غير مرئية وروي ذلك عن مجاهد وغيره ، والمراد بها قدرة الله تعالى وهو الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض ، فيكون العمد على هذا استعارة . وأخرج ابن حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : السماء على أربعة أملاك كل زاوية موكل بها ملك . وزعم بعضهم أن العمد جبل قاف فإنه محيط بالأرض والسماء عليه كالقبة ، وتعقبه الإمام بأنه في غاية السقوط وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يمكن أن يكون مراده في وجه ذلك ، وأنا لا أرى ما قبله يصح عن ابن عباس ، فالحق أن العمد قدرة الله تعالى ، وهذا دليل على وجود الصانع الحكيم تعالى شأنه وذلك لأن ارتفاع السموات على سائر الأجسام المساوية لها في الجرمية كما تقرر في محله واختصاصها بما يقتضي ذلك لا بد وأن يكون لمخصص ليس بجسم ولا جسماني يرجح بعض الممكنات على بعض بإرادته .

ورجح في «الكشف » استئناف الجملة بأن الاستدلال برفع هذه الأجرام دون عمد كاف ، والاستشهاد عليه بكونه مشاهداً محسوساً تأكيد للتحقيق ، ثم لا يخفى أن الضمير المنصوب في { يَوْمَ تَرَوْنَهَا } إذا كان راجعاً إلى السموات المرفوعة اقتضى ظاهر الآية أن المرئي هو السماء . وقد صرح الفلاسفة بأن المرضي هو كرة البخار وثخنها كما قال صاحب التحفة أحد وخمسون ميلاً وتسع وخمسون دقيقة ، والمجموع سبعة عشر فرسخاً وثلث فرسخ تقريباً ، وذكروا أن سبب رؤيتها زرقاء أنها مستضيئة دائماً بأشعة الكواكب وما وراءها لعدم قبوله الضوء كالمظلم بالنسبة إليها فإذا نفذ نور البصر من الأجزاء المستنيرة بالأشعة إلى الأجزاء التي هي كالمظلم رأى الناظر ما فوقه من المظلم بما يمازجه من الضياء الأرضي والضياء الوكبي لوناً متوسطاً بين الظلام والضياء وهو اللون اللازوردي ، وذلك كما إذا نظرنا من جسم أحمر مشف إلى جسم أخضر فإنه يظهر لنا لون مركب من الحمرة والخضرة . وأجمعوا أن السموات التي هي الأفلاك لا ترى لأنها شفافة لا لون لها لأنها لا تحجب الأبصار عن رؤية ما وراءها من الكواكب وكل ملون فإنه يحجب عن ذلك . وتعقب ذلك الإمام الرازي بأنا لا نسلم أن كل ملون حاجب فإن الماء والزجاج ملونان لأنهما مرئيان ومع ذلك لا يحجبان . فإن قيل : فيهما حجب عن الإبصار الكامل قلنا : وكيف عرفتم أنكم أدركتكم هذه الكواكب إدراكاً تاماً انتهى ، على أن ما ذكروه لا يتمشى في المحدد إذ ليس وراءه شيء حتى يرى ولا في الفلك الذي يسمونه بفلك الثوابت أيضاً إذ ليس فوقه كوكب مرئي وليس لهم أن يقولوا لوكان كل منهما ملوناً لوجب رؤيته لأنا نقول جاز أن يكون لونه ضعيفاً كلون الزجاج فلا يرى من بعيد ولئن سلمنا وجوب رؤية لونه قلنا : لم لا يجوز أن تكون هذه الزرقة الصافية المرئية لونه وما ذكر أولاً فيها دون إثباته كرة النار وما يقال : إنها أمر يحسن في الشفاف إذا بعد عمقه كما في ماء البحر فإنه يرى أزرق متفاوت الزرقة بتفاوت قعره قرباً وبعداً فالزرقة المذكورة لون يتخيل في الجو الذي بين السماء والأرض لأنه شفاف بعد عمقه لا يجدي نفعاً لأن الزرقة كما تكون لوناً متخيلاً قد تكون أيضاً لوناً حقيقياً قائماً بالأجساد ، وما الدليل على أنها لا تحدث إلا بذلك الطريق التخيلي فجاز أن تكون تلك الزرقة المرئية لوناً حقيقياً لأحد الفلكين كذا قال بعض المحققين ، وأنت تعلم أنه لا مانع عند المسلمين من كون المرئي هو السماء الدنيا المسماة بفلك القمر عند الفلاسفة بل هو الذي تقتضيه الظواهر ، ولا نسلم أن ما يذكرونه من طبقات الهواء مانعاً ، وهذه الزرقة يحتمل أن تكون لوناً حقيقياً لتلك السماء صبغها الله تعالى به حسبما اقتضته حكمته ، وعليه الأثريون كما قال القسطلاني ، ويؤيده ظاهر ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم :

" ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء " ، وفي رواية «الأرض من ذي لهجة أصدق من أبي ذر » ويحتمل أن يكون لوناً تخيلياً في طبقة من طبقات الهواء الشفاف الذي ملأ الله به ما بين السماء والأرض ويكون لها في نفسها لون حقيقي الله تعالى أعلم بكيفيته ولا بعد في أن يكون أبيض وهو الذي يقتضيه بعض الأخبار لكنا نحن نراها من وراء ذلك الهواء بهذه الكيفية كما نرى الشيء الأبيض من وراء جام أخضر أخضر ، ومن وراء جام أزرق أزرق وهكذا ، وجاء في بعض الآثار أن ذلك من انعكاس لون جبل قاف عليها .

وتعقب بأن جبل قاف لا وجود له ، وبرهن عليه بما يرده كما قال العلامة ابن حجر ما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من طرق أخرجها الحفاظ وجماعة منهم ممن التزموا تخريج الصحيح ، وقول الصحابي ذلك ونحوه مما لا مجال للرأي فيه حكمه حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، منها أن وراء أرضنا بحراً محيطاً ثم جبلاً يقال له قاف ثم أرضاً ثم بحراً ثم جبلاً وهكذا حتى عد سبعاً من كل ، وخرج بعض أولئك عن عبد الله بن بريدة أنه جبل من زمرد محيط بالدنيا عليه كنفا السماء ، وعن مجاهد مثله . ونقل صاحب حل الرموز أن له سبع شعب وأن لكل سماء منها شعبة ، وفي القلب من صحة ذلك ما فيه ، بل أنا أجزم بأن السماء ليست محمولة إلا على كاهل القدرة ، والظاهر أنها محيطة بالأرض من سائر جهاتها كما روي عن الحسن ، وفي الزرقة الاحتمالان . بقي الكلام في رؤية باقي السموات وظاهر الآية يقتضيه وأظنك لا ترى ذلك وظاهر بعض الآيات يساعدك فتحتاج إلى القول بأن الباقي وإن لم يكن مرئياً حقيقة لكنه في حكم المرئي ضرورة أنه إذا لم يكن لهذا عماد لا يتصور أن يكون لما وراءه عماد عليه بوجه من الوجوه ، ويؤل هذا إلى كون المراد ترونها حقيقة أو حكماً بغير عمد ، وجوز أن يكون المراد ترون رفعها أي السموات جميعاً بغير ذلك . وفي «الكشف » ما يشير إليه ؛ وإذا جعل الضمير للعمد فالأمر ظاهر فتدبر ، ومن البعيد الذي لا نراه زعم بعضهم أن { تَرَوْنَهَا } خبر في اللفظ ومعناه الأمر روها وانظروا هل لها من عمد { ثُمَّ استوى } سبحانه استواء يليق بذاته { عَلَى العرش } وهو المحدد بلسان الفلاسفة ، وقد جاء في الأخبار من عظمه ما يبهر العقول ، وجعل غير واحد من الخلف الكلام استعارة تمثيلية للحفظ والتدبير ، وبعضهم فسر استوى باستولى ، ومذهب السلف في ذلك شهير ومع هذا قد قدمنا الكلام فيه ، وأياً ما كان فليس المراد به القصد إلى إيجاد العرش كما قالوا في قوله تعالى :

{ ثُمَّ استوى إِلَى السماء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سموات } [ البقرة : 29 ] لأن إيجاده قبل إيجاد السموات ، ولا حاجة إلى إرادة ذلك مع القول بسبق الإيجاد وحمل { ثُمَّ } على التراخي في الرتبة ، نعم قال بعضهم : إنها للتراخي الرتبي لا لأن الاستواء بمعنى القصد المذكور وهو متقدم بل لأنه صفة قديمة لائقة به تعالى شأنه وهو متقدم على رفع السموات أيضاً وبينهما تراخ في الرتبة { وَسَخَّرَ الشمس والقمر } ذللهما وجعلهما طائعين لما أريد منها { كُلٌّ } من الشمس والقمر { يَجْرِى } يسير في المنازل والدرجات { لاِجَلٍ مُّسَمًّى } أي وقت معين ، فإن الشمس تقطع الفلك في سنة والقمر في شهر لا يختلف جري كل منهما كما في قوله تعالى : { والشمس تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَا ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه مَنَازِلَ } [ يس : 38 ، 39 ] وهو المروى عن ابن عباس ، وقيل : أي كل يجري لغاية مضروبة ينقطع دونها سيره وهي { إِذَا الشمس كُوّرَتْ * وَإِذَا النجوم انكدرت } [ التكوير : 1 ، 2 ] وهذا مراد مجاهد من تفسير الأجل المسمى بالدنيا ، قيل : والتفسير الحق ما روى عن الحبر ، وأما الثاني : فلا يناسب الفصل به بين التسخير والتدبير . ثم إن غايتهما متحدة والتعبير بكل يجري صريح في التعدد وما للغاية { إلى } دون اللام ، ورد بأنه إن أراد أن التعبير بذلك صريح في تعدد ذي الغاية فمسلم لكن لا يجد به نفعاً ، وإن أراد صراحته في تعدد الغاية فغير مسلم ، واللام تجيء بمعنى إلى كما في المغنى وغيره . وأنت تعلم لا يفيد أكثر من صحة التفسير الثاني ، فافهم ، وما أشرنا إليه من المراد من كل هو الظاهر ، وزعم ابن عطية أن ذكر الشمس والقمر قد تضمن ذكر الكواكب فالمراد من كل كل منهما ومما هو في معناهما من الكواكب والحق ما علمت { يُدَبّرُ الأمر } أي أمر العالم العلوي والسفلي ، والمراد أنه سبحانه يقضي ويقدر ويتصرف في ذلك على أكمل الوجوه وإلا فالتدبير بالمعنى اللغوي لاقتضائه التفكر في دبر الأمور مما لا يصح نسبته إليه تعالى : { يُفَصّلُ الآيات } أي ينزلها ويبينها مفصلة ، والمراد بها آيات الكتب المنزلة أو القرآن على ما هو المناسب لما قبل ، أو المراد بها الدلائل المشار إليها فيما تقدم وبتفصيلها تبيينها ، وقيل إحداثها على ما هو المناسب لما بعد .

والجملتان جوز أن يكونا مستأنفتين وأن يكونا حالين من ضمير { استوى } وسخر من تتمته بناء على أنه جيء به لتقرير معنى الاستواء وتبيينه أو جملة مفسرة له ، وجوز أن يكون { يُدَبّرُ } حالاً من فاعل { سَخَّرَ } و { يُفَصّلُ } حالاً من فاعل { يُدَبّرُ } ، و { الله الذى } الخ على جميع التقادير مبتدأ وخبر ، وجوز أن يكون الاسم الجليل مبتدأ والموصول صفته وجملة { يُدَبّرُ } خبره وجملة { يُفَصّلُ } خبراً بعد خبر ، ورجح كون ذلك مبتدأ وخبراً في «الكشف » بأن قوله تعالى الآتي :

{ وَهُوَ الذي مَدَّ الارض } [ الرعد : 3 ] عطف عليه على سبيل التقابل بين العلويات والسفليات وفي المقابل تتعين الخبرية فكذلك في المقابل ليتوافقا ، ولدلالته على أن كونه كذلك هو المقصود بالحكم لا أنه ذريعة إلى تحقيق الخبر وتعظيمه كما في الوجه الآخر ، ثم قال : وهو على هذا جملة مقررة لقوله سحبانه : { والذى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ الحق } [ الرعد : 1 ] وعدل عن ضمير الرب إلى الاسم المظهر الجامع لترشيح التقرير كأنه قيل : كيف لا يكون منزل من هذه أفعاله الحق الذي لا أحق منه ، وفي الإتيان بالمبتدأ والخبر معرفتين ما يفيد تحقيق إن هذه الأفعال أفعاله دون مشاركة لا سيما وقد جعلت صلات للموصول ، وهذا أشد مناسبة للمقام من جعله وصفا مفيداً تحقيق كونه تعالى مدبراً مفصلاً مع التعظيم لشأنهما كما في قول الفرزدق :

إن الذي سمك السماء بنى لنا *** بيتاً دعائمه أعز وأطول

وتقدم ذكر الآيات ناصر ضعيف لأن الآيات في الموضعين مختلفة الدلالة ولأن المناسب حينئذ تأخره عن قوله تعالى : { وَهُوَ الذي مَدَّ } [ الرعد : 3 ] الخ ، على أن سوق تلك الصفات أعني رفع السموات وما تلاه للغرض المذكور وسوق مقابلاتها لغرض آخر منافر ، وفي الأول روعي لطيفة في تعقيب الأوائل بقوله سبحانه : { يُدَبّرُ ُ }* { يُفَصّلُ } للايقان والثواني بقوله تعالى : { إِنَّ في ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [ الرعد : 3 ] أي من فضل السوابق لإفادتها اليقين واللواحق ذرائع إلى حصوله لأن الفكر إلته والإشارة إلى تقديم الثواني بالنسبة إلينا مع التأخر رتبة وذلك فائت على الوجه الآخر اه وهو من الحسن بمكان فيما أرى ، ولا تنافى كما قال الشهاب بين الوجهين باعتبار أن الوصفية تقتضي المعلومية والخبرية تقتضي خلافها لأن المعلومية عليهما والمقصود بالإفادة قوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ بِلِقَاء رَبّكُمْ تُوقِنُونَ } أي لكم تتفكروا وتحققوا كمال قدرته سبحانه فتعلموا أن من قدر على ذلك قدر على الإعادة والجزاء ، وحاصله أنه سبحانه فعل كل ذلك لذلك ، وعلى الوجه الآخر فعل الأخيرين لذلك مع أن الكل له ثم قال : وهذ مما يرجح الوجه الأول أيضاً كما يرجحه أنه تبيين الآيات وهي الرفع وما تلاه فإنه ذكرها ليستدل بها على قدرته تعالى وعلمه ولا يستدل بها إلا إذا كانت معلومة فيقتضي كونها صفة .

فإن قيل : لا بد في الصلة أن تكون معلومة سواء كانت صفة أو خبراً يقال : إذا كان ذلك صلة دل على انتساب الآيات إلى الله تعالى وإذا كان خبراً دل على انتسابها إلى موجود مبهم وهو غير كاف في الاستدلال فتأمل .

وقرأ النخعي وأبو رزين . وأبان بن تغلب عن قتادة { كذلك نُفَصّلُ } بالنون فيهما ؛ وكذا روى أبو عمرو الداني عن الحسن ووافق في { نُفَصّلُ } بالنون الخفاف . وعبد الوهاب عن أبي عمرو ، وهبيرة عن حفص ، وقال صاحب اللوامح : جاء عن الحسن . والأعمش { نُفَصّلُ } بالنون ، وقال المهدوي : لم يختلف في { يُدَبّرُ } وليس كما قال لما سمعت .

ومن باب الإشارة :{ الله الذي رَفَعَ السموات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } أي بغير عمد مرئية بل بعمد غير مرئية ، وجعل الشيخ الأكبر قدس سره عمادها الإنسان الكامل ، وقيل : النفس المجردة التي تحركها بواسطة النفس المنطبعة وهي قوة جسمانية سارية في جميع أجزاء الفلك لا يختص بها جزء دون جزء لبساطته وهي بمنزلة الخيال فينا وفيه ما فيه ، وقيل : رفع سموات الأرواح بلا مادة تعمدها بل مجردة قائمة بنفسها { ثُمَّ استوى عَلَى العرش } بالتأثير والتقويم ، وقيل : عرش القلب بالتجلي { وَسَخَّرَ الشمس } شمس الروح بإدراك المعارف الكلية واستشراف الأنوار العالية { والقمر } قمر القلب بإدراك ما في العالمين والاستمداد من فوق ومن تحت ثم قبول تجليات الصفات { كُلٌّ يَجْرِى لأجل مُّسَمًّى } وهو كما له بحسب الفطرة { يُدَبّرُ الأمر } في البداية بتهيئة الاستعداد وترتيب المبادي { يُفَصّلُ الآيات } في النهاية بترتيب الكمالات والمقامات { لَعَلَّكُمْ بِلِقَاء رَبّكُمْ } عند مشاهدة آيات التجليات { تُوقِنُونَ } [ الرعد : 2 ] عين اليقين .

وقال ابن عطاء : يدبر الأمر بالقضاء السابق ويفصل الآيات بأحكام الظاهر لعلكم توقنون أن الله تعالى الذي يجري تلك الأحوال لا بد لكم من الرجوع إليه سبحانه