مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (27)

ثم ذكر المدلول الآخر ، فقال تعالى : { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } أي في نظركم الإعادة أهون من الإبداء لأن من يفعل فعلا أولا يصعب عليه ، ثم إذا فعل بعد ذلك مثله يكون أهون ، وقيل المراد هو هين عليه كما قيل في قول القائل الله أكبر أي كبير ، وقيل المراد هو أهون عليه أي الإعادة أهون على الخالق من الإبداء لأن في البدء يكون علقة ثم مضغة ثم لحما ثم عظما ثم يخلق بشرا ثم يخرج طفلا يترعرع إلى غير ذلك فيصعب عليه ذلك كله ، وأما في الإعادة فيخرج بشرا سويا بكن فيكون أهون عليه ، والوجه الأول أصح وعليه نتكلم فنقول هو أهون يحتمل أن يكون ذلك لأن في البدء خلق الأجزاء وتأليفها والإعادة تأليف ولا شك أن الأمر الواحد أهون من أمرين ولا يلزم من هذا أن يكون غيره فيه صعوبة ، ولنبين هذا فنقول إلهين هو ما لا يتعب فيه الفاعل ، والأهون ما لا يتعب فيه الفاعل بالطريق الأولى ، فإذا قال قائل إن الرجل القوي لا يتعب من نقل شعيرة من موضع إلى موضع وسلم السامع له ذلك ، فإذا قال فكونه لا يتعب من نقل خردلة يكون ذلك كلاما معقولا مبقي على حقيقته .

ثم قال تعالى : { وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم } أي قولنا هو أهون عليه يفهم منه أمران أحدهما : هو ما يكون في الآخر تعب كما يقال إن نقل الخفيف أهون من نقل الثقيل والآخر : هو ما ذكرنا من الأولوية من غير لزوم تعب في الآخر فقوله : { وله المثل الأعلى } إشارة إلى أن كونه أهون بالمعنى الثاني لا يفهم منه الأول وههنا فائدة ذكرها صاحب «الكشاف » وهي أن الله تعالى قال في موضع آخر : { هو على هين } وقال ههنا : { وهو أهون عليه } فقدم هناك كلمة على وأخرها هنا ، وذلك لأن المعنى الذي قال هناك إنه هين هو خلق الولد من العجوز وأنه صعب على غيره وليس بهين إلا عليه فقال : { هو على هين } يعني لا على غيري ، وأما ههنا المعنى الذي ذكر أنه أهون هو الإعادة والإعادة على كل مبدئ أهون فقال : وهو أهون عليه لا على سبيل الحصر ، فالتقديم هناك كان للحصر ، وقوله تعالى : { وله المثل الأعلى في السماوات والأرض } على الوجه الأول وهو قولنا أهون عليه بالنسبة إليكم له معنى وعلى الوجه الذي ذكرناه له معنى أما على الوجه الأول فلما قال : { وله المثل الأعلى } وكان ذلك مثلا مضروبا لمن في الأرض من الناس فيفيد ذلك أن له المثل الأعلى من أمثلة الناس وهم أهل الأرض ولا يفيد أن له المثل الأعلى من أمثلة الملائكة فقال : { وله المثل الأعلى في السماوات والأرض } يعني هذا مثل مضروب لكم { وله المثل الأعلى } من هذا المثل ومن كل مثل يضرب في السماوات ، وأما على الوجه الثاني فمعناه أن له المثل الأعلى أي فعله وإن شبهه بفعلكم ومثله به ، لكن ذاته ليس كمثله شيء فله المثل الأعلى وهو منقول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . وقيل المثل الأعلى أي الصفة العليا وهي لا إله إلا الله ، وقوله تعالى : { وهو العزيز الحكيم } أي كامل القدرة على الممكنات ، شامل العلم بجميع الموجودات ، فيعلم الأجزاء في الأمكنة ويقدر على جمعها وتأليفها .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (27)

{ وَهُوَ الذي الله الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ } بعد الموت ؛ والتكرير لزيادة التقرير لشدة إنكارهم البعث والتمهيد لما بعده من قوله تعالى : { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } الضمير المرفوع للإعادة وتذكيره لرعاية الخبر أو لأنها مؤولة بأن والفعل وهو في حكم المصدر المذكر أو لتأويلها بالبعث ونحوه ، وكونه راجعاً إلى مصدر مفهوم من { يُعِيدُ } وهو لم يذكر بلفظ الإعادة لا يفيد على ما قيل لأنه اشتهر به فكأنه إذا فهم منه يلاحظ فيه خصوص لفظه والضمير المجرور لله تعالى شأنه ، و { أَهْوَنُ } للتفضيل أي والإعادة أسهل على الله تعالى من المبدأ ، والأسهلية على طريقة التمثيل بالنسبة لما يفعله البشر مما يقدرون عليه ، فإن إعادة شيء من مادته الأولى أهون عليهم من إيجاده ابتداء ، والمراد التقريب لعقول الجهلة المنكرين للبعث وإلا فكل الممكنات بالنسبة إلى قدرته تعالى عز وجل سواء فكأنه قيل : وهو أهون عليه بالإضافة إلى قدركم والقياس على أصولكم .

وذكر الزمخشري وجهاً آخر للتفضيل وهو أن الإنشاء من قبيل التفضل الذي يتخير فيه الفاعل بين أن يفعله وأن لا يفعله والإعادة من قبيل الواجب الذي لا بد من فعله لأنها لجزاء الأعمال وجزاؤها واجب والأفعال إما محال والمحال ممتنع أصلاً خارج عن المقدور ، وإما ما يصرف الحكيم عن فعله صارف وهو القبيح وهو رديف المحال لأن الصارف يمنع وجود الفعل كما تمنع الإحالة ، وأما تفضل والتفضل حاله بين بين للفاعل أن يفعله وأن لا يفعله ، وأما واجب لا بد من فعله ولا سبيل إلى الإخلال به فكان الواجب أبعد الأفعال من الامتناع وأقربها من الحصول فلما كانت الإعادة من قبيل الواجب كانت أبعد الأفعال من الامتناع وإذا كانت أبعدها منه كانت أدخلها في التأتي والتسهل فكانت أهون منها وإذا كانت كذلك كانت أهون من الإنشاء اه . قال في «التقريب » : وفيه نظر لأنه مبني على الوجوب العقلي ولأن الوجوب إذا كان بالذات نافي القدرة كالامتناع وإلا كان ممكناً فتساوي الفعلان لاشتراكهما في مصحح المقدورية وهو الإمكان .

وتعقبه في «الكشف » بقوله أقول : إنه غير واجب بالذات ولا يلزم منه المساواة مع التفضل في سهولة التأتي وأما المساواة في مصحح المقدورية فلا مدخل لها فيما نحن فيه ، والحاصل منه أنه لو سلم منه أن الداعي إلى فعله أقوى فلا شك أنه أقرب إلى الوجود مما لا يكون الداعي كذلك . نعم إذا خلص الداعي إلى القسمين صارا سواء ، وليس البحث على ذلك التقدير اه .

والحق ما قاله أبو السعود من أنه ليس المراد بأهونية الفعل أقربيته إلى الوجود باعتبار كثرة الأمور الداعية للفاعل إلى إيجاده وقوة اقتضائها لتعلق قدرته به بل أسهلية تأتيه وصدوره عنه عند تعلق قدرته بوجوده وكونه واجباً بالغير ، ولا تفاوت في ذلك بين أن يكون ذلك التعلق بطريق الإيجاب أو بطريق الاختيار .

وروى الزجاج عن أبي عبيدة وكثير من أهل اللغة أن { أَهْوَنُ } ههنا بمعنى هين ، وروى ذلك عن ابن عباس . والربيع ، وكذا هو في مصحف عبد الله ، وهذا كما يقال : الله تعالى أكبر أي كبير وأنت أوحد الناس أي واحدهم وإني لأوجل أي وجل . وفي «الكشف » التحقيق أنه من باب الزيادة المطلقة ، وإنما قيل بمعنى إلهين لأنه يؤدي مؤداه ، وقيل : أفعل على ظاهره وضمير عليه عائد على الخلق على معنى أن الإعادة أيسر على المخلوق لأن البداءة فيها تدريج من طور إلى طور إلى أن يصير إنساناً والإعادة لا تحتاج إلى التدريجات في الأطوار إنما يدعوه الله تعالى فيخرج .

/ وأما على معنى أن الإعادة أسهل على المخلوق أي أن يعيدوا شيئاً ويفعلوه ثانياً بعدما زاولوا فعله وعرفوه أولاً أسهل من أن يفعلوه أولاً قبل المزاولة وإذا كان هذا حال المخلوق فما بالك بالخالق ، ولا يخفى أن الظاهر رجوع الضمير إليه تعالى ، ثم إن الجار والمجرور صلة { أَهْوَنُ } وقدمت الصلة في قوله تعالى : { وَهُوَ علي هَيّنٌ } [ مريم : 9و21 ] وأخرت هنا لأنه قصد هنالك الاختصاص وهو محزة فقيل { هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } وإن كان صعباً عندكم أن يولد بين هم وعاقر وأما ههنا فلا معنى للاختصاص كيف والأمر مبني على ما يعقلون من أن الإعادة أسهل من الابتداء فلو قدمت الصلة لتغير المعنى ، ولما أخبر سبحانه بأن الإعادة أهون عليه على طريق التمثيل عقب ذلك بقوله تعالى : { وَلَهُ } تعالى شأنه خاصة { المثل } أي الوصف العجيب الشأن كالقدرة العامة والحكمة التامة وسائر صفات الكمال { الاعلى } الذي ليس لغيره ما يدانيه فضلاً عما يساويه فكأنه قيل هذا لتفهيم العقول القاصرة إذ صفاته تعالى عجيبة وقدرته كل شأنه عامة وحكمته سبحانه تامة فكل شيء بدأ وإعادة وإيجاداً وإعداماً على حد سواء ولا مثل له تعالى ولا ند . وعن قتادة . ومجاهد أن { المثل الاعلى } لا إله إلا الله ، ولعلهما أرادا بذلك الوحدانية في ذاته تعالى وصفاته سبحانه ، والكلام عليه مرتبط بما قبله أيضاً كأنه قيل : ما ذكر لتفهيم العقول القاصرة لأنه تعالى لا يشاركه أحد في ذاته تعالى وصفاته عز وجل ، وقيل : مرتبط بما بعده من قوله تعالى : { ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مّنْ أَنفُسِكُمْ } [ الروم : 8 2 ] وقال الزجاج : المثل قوله تعالى : { هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } قد ضربه الله تعالى مثلاً فيما يسهل ويصعب عندكم وينقاس على أصولكم فاللام في المثل للعهد وهو محمول على ظاهره غير مستعار للوصف العجيب الشأن { فِي السموات والأرض } متعلق بمضمون الجملة المتقدمة على معنى أنه سبحانه قد وصف بذلك وعرف به فيهما على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل ، وقيل : بالأعلى ، وقيل : بمحذوف هو حال منه أو من { المثل } أو من ضميره في { الاعلى } وقيل : متعلق بما تعلق به { لَهُ } أي له في السماوات والأرض المثل الأعلى ، والمراد أن دلالة خلقهما على عظيم القدرة أتم من دلالة الإنشاء فهو أدل على جواز الإعادة ولهذا جعل أعلى من الإنشاء فتأمل { وَهُوَ العزيز } القادر الذي لا يعجز عن بدء ممكن وإعادته { الحكيم } الذي يجري الأفعال على سنن الحكمة والمصلحة .