قوله تعالى : وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون * ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون * وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون * ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون .
واعلم أنه تعالى لما حكى عن المشركين أنهم أمروا الرسول بعبادة الأصنام ، ثم إنه تعالى أقام الدلائل على فساد قولهم وأمر الرسول بأن يعبد الله ولا يعبد شيئا آخر سواه ، بين أنهم لو عرفوا الله حق معرفته لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة له المعبودية ، فقال : { وما قدروا الله حق قدره } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : احتج بعض الناس بهذه الآية على أن الخلق لا يعرفون حقيقة الله ، قالوا لأن قوله { وما قدروا الله حق قدره } يفيد هذا المعنى إلا أنا ذكرنا أن هذا صفة حال الكفار فلا يلزم من وصف الكفار بأنهم ما قدروا الله حق قدرن وصف المؤمنين بذلك ، فسقط هذا الكلام .
المسألة الثانية : قوله { وما قدروا الله حق قدره } أي ما عظموه حق تعظيمه ، وهذه الآية مذكورة في سور ثلاث ، في سورة الأنعام ، وفي سورة الحج ، وفي هذه السورة .
واعلم أنه تعالى لما بين أنهم ما عظموه تعظيما لائقا به أردفه بما يدل على كمال عظمته ونهاية جلالته ، فقال : { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه } قال القفال : { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة } كقول القائل وما قدرتني حق قدري وأنا الذي فعلت كذا وكذا ، أي لما عرفت أن حالي وصفتي هذا الذي ذكرت ، فوجب أن لا تحطني عن قدري ومنزلتي ، ونظيره قوله تعالى : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم } أي كيف تكفرون بمن هذا وصفه وحال ملكه فكذا هاهنا ، والمعنى { وما قدروا الله حق قدره } إذ زعموا أن له شركاء وأنه لا يقدر على إحياء الموتى مع أن الأرض والسموات في قبضته وقدرته ، قال صاحب «الكشاف » الغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعه تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو مجاز ، وكذلك ما روي أن يهوديا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أبا القاسم إن الله يمسك السموات يوم القيامة على إصبع والأرضين على إصبع والجبال على إصبع والشجر على إصبع والثرى على أصبع وسائر الخلق على إصبع ثم يهزهن فيقول أنا الملك ! فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا مما قال ، قال صاحب «الكشاف » وإنما ضحك أفصح العرب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك ولا إصبع ولا هز ولا شيء من ذلك ، ولكن فهمه وقع أول كل شيء وآخره على الزبدة والخلاصة التي هي الدلالة على القدرة الباهرة ، وأن الأفعال العظام التي تتحير فيها الأوهام ولا تكتنهها الأذهان هينة عليه . قال ولا نرى بابا في علم البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب ، فيقال له هل تسلم أن الأصل في الكلام حمله على الحقيقة ، وأنه إنما يعدل عن الحقيقة إلى المجاز عند قيام الدلالة على أن حمله على حقيقته ممتنع ، فحينئذ يجب حمله على المجاز ، فإن أنكر هذا الأصل فحينئذ يخرج القرآن بالكلية عن أن يكون حجة ، فإن لكل أحد أن يقول المقصود من الآية الفلانية كذا وكذا فأنا أحمل الآية على ذلك المقصود ، ولا ألتفت إلى الظواهر ، مثاله من تمسك بالآيات الواردة في ثواب أهل الجنة وعقاب أهل النار ، قال المقصود بيان سعادات المطيعين وشقاوة المذنبين ، وأنا أحمل هذه الآيات على هذا المقصود ولا أثبت الأكل والشرب ولا سائر الأحوال الجسمانية ، ومن تمسك بالآيات الواردة في إثبات وجوب الصلاة فقال المقصود منه إيجاب تنوير القلب بذكر الله ، فأنا أكتفي بهذا القدر ولا أوجب هذه الأعمال المخصوصة ، وإذا عرفت الكلام في هذين المثالين فقس عليه سائر المسائل الأصولية والفروعية ، وحينئذ يخرج القرآن عن أن يكون حجة في المسائل الأصولية والفروعية ، وذلك باطل قطعا ، وأما إن سلم أن الأصل في علم القرآن أن يعتقد أن الأصل في الكلام حمله على حقيقته ، فإن قام دليل منفصل على أنه يتعذر حمله على حقيقته ، فحينئذ يتعين صرفه إلى مجازه ، فإن حصلت هناك مجازات لم يتعين صرفه إلى مجاز معين إلا إذا كان الدليل يوجب ذلك التعيين ، فنقول هاهنا لفظ اليمين حقيقة في الجارحة المخصوصة ، ولا يمكنك أن تصرف ظاهر الكلام عن هذا المعنى إلا إذا أقمت الدلالة على أن حمل هذه الألفاظ على ظواهرها ممتنع فحينئذ يجب حملها على المجازات ، ثم تبين بالدليل أن المعنى الفلاني يصح جعله مجازا عن تلك الحقيقة ، ثم تبين بالدليل أن هذا المجاز أولى من غيره ، وإذا ثبتت هذه المقدمات وترتيبها على هذا الوجه فهذا هو الطريق الصحيح الذي عليه تعويل أهل التحقيق فأنت ما أتيت في هذا الباب بطريقة جديدة وكلام غريب ، بل هو عين ما ذكره أهل التحقيق ، فثبت أن الفرح الذي أظهره من أنه اهتدى إلى الطريق الذي لم يعرفه غيره طريق فاسد ، دال على قلة وقوفه على المعاني ، ولنرجع إلى الطريق الحقيقي فنقول لا شك أن لفظ القبضة واليمين مشعر بهذه الأعضاء والجوارح ، إلا أن الدلائل العقلية قامت على امتناع ثبوت الأعضاء والجوارح لله تعالى ، فوجب حمل هذه الأعضاء على وجوه المجاز ، فنقول إنه يقال فلان في قبضة فلان إذا كان تحت تدبيره وتسخيره . قال تعالى : { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } والمراد منه كونه مملوكا له ، ويقال هذه الدار في يد فلان ، وفلان صاحب اليد ، والمراد من الكل القدرة ، والفقهاء يقولون في الشروط وقبض فلان كذا وصار في قبضته ، ولا يريدون إلا خلوص ملكه ، وإذا ثبت تعذر حمل هذه الألفاظ على حقائقها وجب حملها على مجازاتها صونا لهذه النصوص عن التعطيل ، فهذا هو الكلام الحقيقي في هذا الباب ، ولنا كتاب مفرد في إثبات تنزيه الله تعالى عن الجسمية والمكان ، سميناه بتأسيس التقديس ، من أراد الإطناب في هذا الباب فليرجع إليه .
المسألة الثالثة : في تفسير ألفاظ الآية قوله { والأرض } المراد منه الأرضون السبع ، ويدل عليه وجوه ( الأول ) قوله { جميعا } فإن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع ونظيره قوله { كل الطعام } وقوله تعالى : { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } وقوله تعالى : { والنخل باسقات } وقوله تعالى : { إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } فإن هذه الألفاظ الملحة باللفظ المفرد تدل على أن المراد منه الجمع فكذا هاهنا ( والثاني ) أنه قال بعده { والسموات مطويات } فوجب أن يكون المراد بالأرض الأرضون ( الثالث ) أن الموضع موضع تعظيم وتفخيم فهذا مقتضى المبالغة ، وأما القبضة فهي المرة الواحدة من القبض ، قال تعالى : { فقبضت قبضة من أثر الرسول } والقبضة بالضم المقدار المقبوض بالكف ، ويقال أيضا أعطني قبضة من كذا ، يريد معنى القبضة تسمية بالمصدر ، والمعنى والأرضون جميعا قبضته أي ذوات قبضته يقبضهن قبضة واحدة من قبضاته ، يعني أن الأرضين مع ما لها من العظمة والبسطة لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته ، أما إذا أريد معنى القبضة ، فظاهر لأن المعنى أن الأرضين بجملتها مقدار ما يقبضه بكف واحدة فإن قيل ما وجه قراءة من قرأ قبضته بالنصب ، قلنا جعل القبضة ظرفا وقوله { مطويات } من الطي الذي هو ضد النشر كما قال تعالى : { يوم نطوي السماء كطي السجل } وعادة طاوي السجل أن يطويه بيمينه ، ثم قال صاحب «الكشاف » : وقيل قبضته ملكه ويمينه قدرته ، وقيل مطويات بيمينه أي مفنيات بقسمه لأنه أقسم أن يقبضها ، ولما ذكر هذه الوجوه عاد إلى القول الأول بأنها وجه ركيكة ، وأن حمل هذا الكلام على محض التمثيل أولى ، وبالغ في تقرير هذا الكلام فأطنب ، وأقول إن حال هذا الرجل في إقدامه على تحسين طريقته ، وتقبيح طريقة القدماء عجيب جدا ، فإنه إن كان مذهبه أنه يجوز ترك الظاهر اللفظ ، والمصير إلى المجاز من غير دليل فهذا طعن في القرآن وإخراج له عن أن يكون حجة في شيء ، وإن كان مذهبه أن الأصل في الكلام الحقيقة ، وأنه لا يجوز العدول عنه إلا لدليل منقل ، فهذا هو الطريقة التي أطبق عليها جمهور المتقدمين ، فأين الكلام الذي يزعم أنه علمه ؟ وأين العلم الذي لم يعرفه غيره ؟ مع أنه وقع في التأويلات العسر والكلمات الركيكة ، فإن قالوا المراد أنه لما دل الدليل على أنه ليس المراد من لفظ القبضة واليمين هذه الأعضاء ، وجب علينا أن نكتفي بهذا القدر ولا نشتغل بتعيين المراد ، بل نفوض علمه إلى الله تعالى ، فنقول هذا هو طريق الموحدين الذين يقولون إنا نعلم ليس مراد الله من هذه الألفاظ هذه الأعضاء ، فأما تعيين المراد ، فإنا نفوض ذلك العلم إلى الله تعالى ، وهذا هو طريقة السلف المعرضين عن التأويلات ، فثبت أن هذه التأويلات التي أتى بها هذا الرجل ليس تحتها شيء من الفائدة أصلا ، والله أعلم .
واعلم أنه تعالى لما بين عظمته من الوجه الذي تقدم قال : { سبحانه وتعالى عما يشركون } يعني أن هذا القادر القاهر العظيم الذي حارت العقول والألباب في وصف عظمته تنزه وتقدس عن أن تجعل الأصنام شركاء له في المعبودية ، فإن قيل السؤال على هذا الكلام من وجوه ( الأول ) أن العرش أعظم من السموات السبع والأرضين السبع ، ثم إنه قال في صفة العرش { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } وإذا وصف الملائكة بكونهم حاملين العرش العظيم ، فكيف يجوز تقدير عظمة الله بكونه حاملا للسموات والأرض ؟
السؤال الثاني : أن قوله { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه } شرح حالة لا تحصل إلا في يوم القيامة ، والقوم ما شاهدوا ذلك ، فإن كان هذا الخطاب مع المصدقين للأنبياء فهم يكونون معترفين بأنه لا يجوز القول بجعل الأصنام شركاء الله تعالى ، فلا فائدة في إيراد هذه الحجة عليهم وإن كان هذا الخطاب مع المكذبين بالنبوة وهم ينكرون قوله { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة } فكيف يمكن الاستدلال به على إبطال القول بالشرك ؟
السؤال الثالث : حاصل القول في القبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية بحفظ هذه الأجسام العظيمة ، وكما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ليس إلا بقدرة الله فكذلك الآن ، فما الفائدة في تخصيص هذه الأحوال بيوم القيامة ؟
الجواب عن الأول : أن مراتب التعظيم كثيرة فأولها تقرير عظمة الله بكونه قادرا على حفظ هذه الأجسام العظيمة ، ثم بعد تقرير عظمته بكونه قادرا على إمساك أولئك الملائكة الذين يحملون العرش .
الجواب عن الثاني : أن المقصود أن الحق سبحانه هو المتولي لإبقاء السموات والأرضين على وجوه العمارة في هذا الوقت ، وهو المتولي بتخريبها وإفنائها في يوم القيامة فذلك يدل على حصول قدرة تامة على الإيجاد والإعدام ، وتنبيه أيضا على كونه غنيا على الإطلاق ، فإنه يدل على أنه إذا حاول تخريب الأرض فكأنه يقبض قبضة صغيرة ويريد إفناءها ، وذلك يدل على كمال الاستغناء .
الجواب عن الثالث : أنه إنما خصص تلك بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا ، فكذلك ظهر كمال قدرته عند خراب الدنيا والله أعلم .
{ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } أي ما عظموه جل جلاله حق عظمته إذ عبدوا غيره تعالى وطلبوا من نبيه صلى الله عليه وسلم عبارة غيره سبحانه قاله الحسن . والسدي ، وقال المبرد : أصله من قولهم : فلان عظيم القدر يريدون بذلك جلالته ، وأصل القدر اختصاص الشيء بعظم أو صغر أو مساواة ، وقال الراغب : أي ما عرفوا كنهه عز وجل . وتعقب بأن معرفة كنهه تعالى أي حقيقته سبحانه لا يخص هؤلاء لتعذر الوقوف على الحقيقة ، ومن هنا
: العجز عن درك الإدراك إدراك *** والبحث عن كنه ذات الله إشراك
ولا يخفى أن المسألة خلافية ، وما ذكر على تقدير التسليم يمكن دفعه بالعناية . نعم أولى منه ما قيل : أي ما عرفوه كما يليق به سبحانه حيث جعلوا له سبحانه شريكاً ، وظاهر كلام بعضهم أن الكلام على تقدير مضاف أي ما قدروا في أنفسهم وما تصوروا عظمة الله حق التصوف فلم يعظموه كما هو حقه عز وجل حيث وصفوه بما لا يليق بشؤنه الجليلة من الشركة ونحوها ، وأياً ما كان فهو متعلق بما قبله من حيث أن فيه تجهيلهم في الإشراك ودعائهم رسوله صلى الله عليه وسلم إليه ، وقيل : المعنى ما وصفوا الله تعالى حق صفته إذ جحدوا البعث ووصفوه سبحانه بأنه خالق الخلق عبثاً وأنه سبحانه عاجز عن الإعادة والبعث وهو خلاف الظاهر ، وعليه يكون للتمهيد لأمر النفخ في الصور ، وضمير الجمع على جميع ما ذكر لكفار قريش كما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقيل : الضمير لليهود تكلموا في صفات الله تعالى وجلاله فالحدوا وجسموا وجاءوا بكل تخليط فنزلت .
وقرأ الأعمش حق { قَدْرِهِ } بفتح الدال ، وقرأ الحسن . وعيسى . وأبو نوفل . وأبو حيوة { وَمَا قَدَرُواْ } بتشديد الدال { حَقَّ قَدْرِهِ } بفتح الدال { والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ } الجملة في موضع الحال من الاسم الجليل و { جَمِيعاً } حال من المبتدأ عند من يجوزه أو من يقدر كأثبتها جميعاً كما قيل ، وهو جار مجرى الحال المؤكدة في أن العامل منتزع من مضمون الجملة ، وفي «التقريب » هو حال من الضمير في { قَبْضَتُهُ } لأنه بمعنى مقبوضة وكان الظاهر أن يؤخر عنه وإنما قدم عليه ليعلم أول الأمر أن الخبر الذي يرد لا يقع عن أرض واحدة أو بعض دون بعض ولكن عن الأرضين كلها أو عن جميع أبعاضها . وجاز هذا التقديم لأن المصدر لم يعمل من حيث كونه مصدراً بل لكونه بمعنى اسم المفعول ، وقال الحوفي : العامل في الحال ما دل عليه قبضته لا هي ، وهو كما ترى ، و { يَوْمُ القيامة } معمول { قَبْضَتُهُ } وهي في الأصل المرة الواحدة من القبض وتطلق على المقدار المقبوض كالقبضة بضم القاف وجعلت صفة مشبهة حينئذ ، وجوز كل من إرادة المقبوضة والمعنى المصدري هنا ، والكلام على الثاني على تقدير مضاف أي ذوات قبضته أي يقبضهن سبحانه قبضة واحدة ، وقرأ الحسن { قَبْضَتُهُ } بالنصب على أنه ظرف مختص مشبه بالمبهم ولذا لم يصرح بفي معه وهو مذهب الكوفيين ، والبصريون يقولون : إن النصب في مثل ذلك خطأ غير جائز وأنه لا بد من التصريح بفي .
/ وقرأ عيسى . والجحدري { مطويات } بالنصب على أن { السموات } عطف على { الأرض } مشاركة لها في الحكم أي والسماوات قبضته ، و { مطويات } حال من { السموات } عند من يجوز مجيء الحال من مثل ذلك أو من ضميرها المستتر في { قَبْضَتُهُ } على أنها بمعنى مقبوضته أو من ضميرها محذوفاً أي أثبها مطويات ، و { بِيَمِينِهِ } متعلق بمطويات أو على أن { السموات } مبتدأ و { بِيَمِينِهِ } الخبر و { مطويات } حال أيضاً إما من المبتدأ أو من الضمير المحذوف أو من الضمير المستتر في الخبر بناء على مذهب الأخفش من جواز تقديم الحال في مثل ذلك .
والكلام عند كثير من الخلف تمثيل لحال عظمته تعالى ونفاذ قدرته عز وجل وحقارة الأفعال العظام التي تتحير فيها الأوهام بالإضافة إليها بحال من يكون له قبضة فيها الأرض جميعاً ويمين بها يطوي السماوات أو بحال من يكون له قبضة فيها الأرض والسماوات ويمين بها يطوي السماوات من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو مجاز بالنسبة إلى المجرى عليه وهو الله عز شأنه ، وقال بعضهم : المراد التنبيه على مزيد جلالته عز وجل وعظمته سبحانه بإفادة أن الأرض جميعاً تحت ملكه تعالى يوم القيامة فلا يتصرف فيها غيره تعالى شأنه بالكلية كما قال سبحانه : { الملك يَوْمَئِذٍ للَّهِ } [ الحج : 56 ] والسماوات مطويات طي السجل للكتب بقدرته التي لا يتعاصاها شيء .
وفيه رمز إلى أن ما يشركونه معه عز وجل أرضياً كان أم سماوياً مقهور تحت سلطانه جل شأنه وعز سلطانه فالقبضة مجاز عن الملك أو التصرف كما يقال : بلد كذا في قبضة فلان ، واليمين مجاز عن القدرة التامة ، وقيل : القبضة مجاز عما ذكر ونحوه والمراد باليمين القسم أي والسماوات مفنيات بسبب قسمه تعالى لأنه عز وجل أقسم أن يفنيها ، وهو ما يهزأ منه لا مما يهتز استحساناً له ، والسلف يقولون أيضاً : إن الكلام تنبيه على مزيد جلالته تعالى وعظمته سبحانه ورمز إلى أن آلهتهم أرضية أم سماوية مقهورة تحت سلطانه عز وجل إلا أنهم لا يقولون : إن القبضة مجاز عن الملك أو التصرف ولا اليمين مجاز عن القدرة بل ينزهون الله تعالى عن الأعضاء والجوارح ويؤمنون بما نسبه إلى ذاته بالمعنى الذي أراده سبحانه وكذا يفعلون في الأخبار الواردة في هذا المقام .
فقد أخرج البخاري . ومسلم . والترمذي . والنسائي . وغيرهم عن ابن مسعود قال : جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد إنا نجد الله يحمل السماوات يوم القيامة على أصبع والأرضين على أصبع والشجر على أصبع والماء والثرى على أصبع وسائر الخلق على أصبع فيقول : أنا الملك فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر ثم قرأ رسول الله عليه الصلاة والسلام { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } الآية ، والمتأولون يتأولون الأصابع على الاقتدار وعدم الكلفة كما في قول القائل : أقتل زيداً بأصبعي ، ويبعد ذلك ظاهر ما أخرجه الإمام أحمد . والترمذي وصححه . والبيهقي . وغيرهم عن ابن عباس قال : مر يهودي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس قال : كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه وأشار بالسبابة والأرضين على ذه والجبال على ذه وسائر الخلق على ذه ؟ كل ذلك يشير بأصابعه فأنزل الله تعالى { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } وجعل بعض المتأولين الإشارة إعانة على التمثيل والتخييل . وزعم بعضهم أن الآية نزلت رداً لليهودي حيث شبه وذهب إلى التجسيم وإن ضحكه عليه الصلاة واللام المحكي في الخبر السابق كان للرد أيضاً وأن { إِنَّ لَهُ } في الخبر من كلام الراوي على ما فهم ، ولا يخفى أن ذلك خلاف الظاهر جداً ، وجعلوا أيضاً من باب الإعانة على التمثيل وتخييل العظمة فعله عليه الصلاة والسلام حين قرأ هذه الآية ، فقد أخرج الشيخان . والنسائي . وابن ماجه . وجماعة عن ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ذات يوم المنبر { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ } ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هكذا بيده ويحركها يقبل بها ويدبر يمجد الرب نفسه أنا الجبار أنا المتكبر أنا الملك أنا العزيز أنا الكريم فرجف برسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر حتى قلنا ليخرجن به » وفي «صحيح مسلم » عن عبد الله بن مقسم أنه نظر إلى ابن عمر كيف يحكي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يأخذ الله تعالى سماواته وأرضيه بيديه ويقول : أنا الله ويقبض أصابعه ويبسطها أنا الملك . " وفي «شرح الصحيح » للإمام النووي نقلاً عن المازري أن قبض النبي صلى الله عليه وسلم أصابعه وبسطها تمثيل لقبض هذه المخلوقات وجمعها بعد بسطها وحكاية للمبسوط المقبوض وهو السماوات والأرضون لا إشارة إلى القبض والبسط الذي هو صفة للقابض والباسط سبحانه وتعالى ولا تمثيل لصفة الله تعالى السمعية المسماة باليد التي ليست بجارحة انتهى ، ثم إن ظاهر بعض الأخبار يقتضي أن قبض الأرض بعد طي السماوات وأنه بيد أخرى .
أخرج مسلم عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يطوي الله تعالى السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول : أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول : أين الجبارون أين المتكبرون ؟ ، وفي الشرح نقلاً عن المازري أيضاً أن إطلاق اليدين لله تعالى متأول على القدرة ، وكنى عن ذلك باليدين لأن أفعالنا تقع باليدين فخوطبنا بما نفهمه ليكون أوضح وأوكد في النفوس ، وذكر اليمين والشمال حتى يتم التأول لأنا نتناول باليمين ما نكرمه وبالشمال ما دون ولأن اليمين في حقنا تقوى لما لا تقوى له الشمال ، ومعلوم أن السماوات أعظم من الأرض فأضافها إلى اليمين وأضاف الأرضين إلى الشمال ليظهر التقريب في الاستعارة وإن كان الله سبحانه وتعالى لا يوصف بأن شيئاً أخف عليه من شيء ولا أثقل من شيء انتهى . والصوفية يقولون بالتجلي الصوري مع بقاء الإطلاق والتنزيه المدلول عليه بليس كمثله شيء ، والأمر عليه سهل جداً . ثم إن التصرف في الأرض والسماوات يكون والناس على الصراط كما جاء في خبر رواه مسلم عن عائشة مرفوعاً ، وروى أيضاً عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلاً لأهل الجنة » والكلام في هذا الخبر كالكلام في نظائره ، وإياك من التشبيه والتجسيم ، وكذا من نسبة ذلك إلى السلف ولا تك كالمعتزلة في التحامل عليهم والوقيعة فيهم ، ويكفي دليلاً على جهل المعتزلة بربهم زعمهم أنه عز وجل فوض العباد فهم يفعلون ما لا يشاء ويشاء ما لا يفعلون { سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي أبعد من هذه قدرته وعظمته عن إشراكهم أو عما يشركونه من الشركاء فسبحان للتعجب وتتعلق به { عَنْ } بالتأويل بما ذكر و { مَا } تحتمل المصدرية والموصولية .