قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدى ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام } .
اعلم أنه تعالى : لما حرم الصيد على المحرم في الآية الأولى أكد ذلك بالنهي في هذه الآية عن مخالفة تكاليف الله تعالى فقال : { يريد يأيها الذين ءامنوا لا تحلوا شعائر الله } .
واعلم أن الشعائر جمع ، والأكثرون على أنها جمع شعيرة . وقال ابن فارس : واحدها شعارة ، والشعيرة فعيلة بمعنى مفعلة ، والمشعرة المعلمة ، والأشعار الأعلام ، وكل شيء أشعر فقد أعلم ، وكل شيء جعل علما على شيء أن علم بعلامة جاز أن يسمى شعيرة ، فالهدي الذي يهدى إلى مكة يسمى شعائر لأنها معلمة بعلامات دالة على كونها هديا . واختلف المفسرون في المراد بشعائر الله ، وفيه قولان : الأول : قوله { لا تحلوا شعائر الله } أي لا تخلوا بشيء من شعائر الله وفرائضه التي حدها لعباده وأوجبها عليهم ، وعلى هذا القول فشعائر الله عام في جميع تكاليفه غير مخصوص بشيء معين ، ويقرب منه قول الحسن : شعائر الله دين الله . والثاني : أن المراد منه شيء خاص من التكاليف ، وعلى هذا القول فذكروا وجوها : الأول : المراد لا تحلوا ما حرم الله عليكم في حال إحرامكم من الصيد . والثاني : قال ابن عباس : إن المشركين كانوا يحجون البيت ويهدون الهدايا ويعظمون المشاعر وينحرون ، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم ، فأنزل الله تعالى : { لا تحلوا شعائر الله } الثالث : قال الفراء : كانت عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من شعائر الحج ولا يطوفون بهما ، فأنزل الله تعالى : لا تستحلوا ترك شيء من مناسك الحج وائتوا بجميعها على سبيل الكمال والتمام . الرابع : قال بعضهم : الشعائر هي الهدايا تطعن في أسنامها وتقلد ليعلم أنها هدى ، وهو قول أبي عبيدة قال : ويدل عليه قوله تعالى : { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله } وهذا عندي ضعيف لأنه تعالى ذكر شعائر الله ثم عطف عليها الهدى ، والمعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه .
ثم قال تعالى : { ولا الشهر الحرام } أي لا تحلو الشهر الحرام بالقتال فيه .
واعلم أن الشهر الحرام هو الشهر الذي كانت العرب تعظمه وتحرم القتال فيه ، قال تعالى : { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم } فقيل : هي ذو العقدة وذو الحجة والمحرم ورجب ، فقوله { ولا الشهر الحرام } يجوز أن يكون إشارة إلى جميع هذه الأشهر كما يطلق اسم الواحد على الجنس ، ويجوز أن يكون المراد هو رجب لأنه أكمل الأشهر الأربعة في هده الصفة .
ثم قال تعالى : { ولا الهدى } قال الواحدي : الهدي ما أهدي إلى بيت الله من ناقة أو بقرة أو شاة ، واحدها هدية بتسكين الدال ، ويقال أيضا هدية ، وجمعها هدى . قال الشاعر :
حلفت برب مكة والمصلى *** وأعناق الهدى مقلدات
ونظير هذه الآية قوله تعالى : { هديا بالغ الكعبة } وقوله { والهدى معكوفا أن يبلغ محله } .
ثم قال تعالى : { ولا القلائد } والقلائد جمع قلادة وهي التي تشد على عنق العبير وغيره وهي مشهورة . وفي التفسير وجوه : الأول : المراد منه الهدى ذوات القلائد ، وعطفت على الهدي مبالغة في التوصية بها لأنها أشرف الهدي كقوله { وجبريل وميكال } كأنه قيل : والقلائد منها خصوصا الثاني : أنه نهى عن التعرض لقلائد الهدي مبالغة في النهي عن التعرض للهدي على معنى : ولا تحلوا قلائدها فضلا عن أن تحلوها ، كما قال { ولا يبدين زينتهن } فنهى عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواضعها . الثالث : قال بعضهم : كانت العرب في الجاهلية مواظبين على المحاربة إلا في الأشهر الحرم ، فمن وجد في غير هذه الأشهر الحرم أصيب منه ، إلا أن يكون مشعرا بدنة أو بقرة من لحاء شجر الحرم ، أو محرما بعمرة إلى البيت ، فحينئذ لا يتعرض له ، فأمر الله المسلمين بتقرير هذا المعنى .
ثم قال : { ولا آمين البيت الحرام } أي قوما قاصدين المسجد الحرام ، وقرأ عبد الله : ولا آمي البيت الحرام على الإضافة .
ثم قال تعالى : { يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حميد بن قيس الأعرج { تبتغون } بالتاء على خطاب المؤمنين .
المسألة الثانية : في تفسير الفضل والرضوان وجهان : الأول : يبتغون فضلا من ربهم بالتجارة المباحة لهم في حجهم ، كقوله { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } قالوا : نزلت في تجاراتهم أيام الموسم ، والمعنى : لا تمنعوهم فإنما قصدوا البيت لإصلاح معاشهم ومعادهم ، فابتغاء الفضل للدنيا ، وابتغاء الرضوان للآخرة . قال أهل العلم : إن المشركين كانوا يقصدون بحجهم ابتغاء رضوان الله وإن كانوا لا ينالون ذلك ، فلا يبعد أن يحصل لهم بسبب هذا القصد نوع من الحرمة .
والوجه الثاني : أن المراد بفضل الله الثواب ، وبالرضوان أن يرضى عنهم ، وذلك لأن الكافر وإن كان لا ينال الفضل والرضوان لكنه يظن أنه بفعله طالب لهما ، فيجوز أن يوصف بذلك بناء على ظنه ، قال تعالى : { وانظر إلى إلهك } وقال { ذق إنك أنت العزيز الكريم } .
المسألة الثالثة : اختلف الناس فقال بعضهم : هذه الآية منسوخة ، لأن قوله { لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام } يقتضي حرمة القتال في الشهر الحرام ، وذلك منسوخ بقوله { اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } قوله { ولا آمين البيت الحرام } يقتضي حرمة منع المشركين عن المسجد الحرام وذلك منسوخ بقوله { فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } وهذا قول كثير من المفسرين كابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة . وقال الشعبي : لم ينسخ من سورة المائدة إلا هذه الآية . وقال قوم آخرون من المفسرين : هذه الآية غير منسوخة ، وهؤلاء لهم طريقان : الأول : أن الله تعالى أمرنا في هذه الآية أن لا نخيف من يقصد بيته من المسلمين ، وحرم علينا أخذ الهدى من المهدين إذا كانوا مسلمين ، والدليل عليه أول الآية وآخرها ، أما أول الآية فهو قوله { لا تحلوا شعائر الله } وشعائر الله إنما تليق بنسك المسلمين وطاعاتهم لا بنسك الكفار ، وأما آخر الآية فهو قوله { يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } وهذا إنما يليق بالمسلم لا بالكافر . الثاني : قال أبو مسلم الأصفهاني : المراد بالآية الكفار الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما زال العهد بسورة براءة زال ذلك الحظر ولزم المراد بقوله تعالى : { فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } .
ثم قال تعالى : { وإذا حللتم فاصطادوا } وفي مسائل :
المسألة الأولى : قرئ : وإذا أحللتم يقال حل المحرم وأحل ، وقرئ بكسر الفاء وقيل هو بدل من كسر الهمزة عند الابتداء .
المسألة الثانية : هذه الآية متعلقة بقوله { غير محلى الصيد وأنتم حرم } يعني لما كان المانع من حل الاصطياد هو الإحرام ، فإذا زال الإحرام وجب أن يزول المنع .
المسألة الثالثة : ظاهر الأمر وإن كان للوجوب إلا أنه لا يفيد هاهنا إلا الإباحة . وكذا في قوله { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض } ونظيره قول القائل : لا تدخلن هذه الدار حتى تؤدي ثمنها ، فإذا أديت فادخلها ، أي فإذا أديت فقد أبيح لك دخولها ، وحاصل الكلام أنا إنما عرفنا أن الأمر هاهنا لم يفد الوجوب بدليل منفصل والله أعلم .
ثم قال تعالى : { ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال القفال رحمه الله : هذا معطوف على قوله { لا تحلوا شعائر الله } إلى قوله { ولا آمين البيت الحرام } يعني ولا تحملنكم عداوتكم لقوم من أجل أنهم صدوكم عن المسجد الحرام على أن تعتدوا فتمنعوهم عن المسجد الحرام ، فإن الباطل لا يجوز أن يعتدى به . وليس للناس أن يعين بعضهم بعضا على العدوان حتى إذا تعدى واحد منهم على الآخر تعدى ذلك الآخر عليه ، لكن الواجب أن يعين بعضهم بعضا على ما فيه البر والتقوى ، فهذا هو المقصود في الآية .
المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف { جرم } يجري مجرى كسب في تعديه تارة إلى مفعول واحد ، وتارة إلى إثنين ، تقول : جرم ذنبا نحو كسبه ، وجرمته ذنبا نحو كسبته إياه ، ويقال : أجرمته ذنبا على نقل المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين ، كقولهم : أكسبته ذنبا ، وعليه قراءة عبد الله { ولا يجرمنكم } بضم الياء ، وأول المفعولين على القراءتين ضمير المخاطبين . والثاني : أن تعتدوا ، والمعنى لا يكسبنكم بغض قوم لأن صدوكم الاعتداء ولا يحملنكم عليه .
المسألة الثالثة : الشنآن البغض ، يقال : شنأت الرجل أشنؤه شنأ ومشنأ وشنأة ومشنأة وشنآنا بفتح الشين وكسرها ، ويقال : رجل شنآن وامرأة شنآنة مصروفان ، ويقال شنآن بغير صرف ، وفعلان قد جاء وصفا وقد جاء مصدرا .
المسألة الرابعة : قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وإسماعيل عن نافع بجزم النون الأولى ، والباقون بالفتح . قالوا : والفتح أجود لكثرة نظائرها في المصادر كالضربان والسيلان والغليان والغشيان ، وأما بالسكون فقد جاء في الأكثر وصفا . قال الواحدي : ومما جاء مصدرا قولهم : لويته حقه ليانا ، وشنان في قول أبي عبيدة . وأنشد للأحوص .
وإن عاب فيه ذو الشنان وفندا *** . . .
فقوله : ذو الشنان على التخفيف كقولهم : إني ظمان ، وفلان ظمان ، بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على ما قبلها .
المسألة الخامسة : قرأ ابن كثير وأبو عمرو { إن صدوكم } بكسر الألف على الشرط والجزاء والباقون بفتح الألف ، يعني لأن صدوكم . قال محمد بن جرير الطبري : وهذه القراءة هي الاختيار لأن معنى صدهم إياهم عن المسجد الحرام منع أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة ، وهذه السورة نزلت بعد الحديبية ، وكان هذا الصد متقدما لا محالة على نزول هذه الآية .
ثم قال تعالى : { واتقوا الله إن الله شديد العقاب } والمراد منه التهديد والوعيد ، يعني اتقوا الله ولا تستحلوا شيئا من محارمه إن الله شديد العقاب ، لا يطيق أحد عقابه .
ثم يستأنف نداء الذين آمنوا لينهاهم عن استحلال حرمات الله :
( يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله . ولا الشهر الحرام . ولا الهدي . ولا القلائد . ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا . وإذا حللتم فاصطادوا )
وأقرب ما يتجه إليه الذهن في معنى ( شعائر الله ) في هذا المقام أنها شعائر الحج والعمرة وما تتضمنه من محرمات على المحرم للحج او العمرة حتى ينتهي حجه بنحر الهدي الذي ساقه إلى البيت الحرام ؛ فلا يستحلها المحرم في فترة إحرامه ؛ لأن استحلالها فيه استهانة بحرمة الله الذي شرع هذه الشعائر . وقد نسبها السي القرآني إلى الله تعظيما لها ، وتحذيرا من استحلالها .
والشهر الحرام يعني الأشهر الحرم ؛ وهي رجب ، وذو القعدة ، وذو الحجة والمحرم . وقد حرم الله فيها القتال - وكانت العرب قبل الإسلام تحرمها - ولكنها تتلاعب فيها وفق الأهواء ؛ فينسئونها - أي يؤجلونها - بفتوى بعض الكهان ، أو بعض زعماء القبائل القوية ! من عام إلى عام . فلما جاء الإسلام شرع الله حرمتها ، وأقام هذه الحرمة على أمر الله ، يوم خلق الله السماوات والأرض كما قال في آية التوبة : ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم . ذلك الدين القيم . . ) وقرر أن النسيء زيادة في الكفر . واستقام الأمر فيها على أمر الله . . ما لم يقع الاعتداء فيها على المسلمين ، فإن لهم حينئذ ان يردوا الاعتداء ؛ وألا يدعوا المعتدين يحتمون بالأشهر الحرم - وهم لا يرعون حرمتها - ويتترسون خلفها للنيل من المسلمين ، ثم يذهبون ناجين ! وبين الله حكم القتال في الأشهر الحرم كما مر بنا في سورة البقرة .
والهدي وهو الذبيحة التي يسوقها الحاج أو المعتمر ؛ وينحرها في آخر أيام الحج أو العمرة ، فينهي بها شعائر حجه أو عمرته . وهي نافة أو بقرة أو شاة . . وعدم حلها معناه ألا ينحرها لأي غرض آخر غير ما سيقت له ؛ ولا ينحرها إلا يوم النحر في الحج وعند انتهاء العمرة في العمرة . ولا ينتفع من لحومها وجلودها وأشعارها وأوبارها بشيء ؛ بل يجعلها كلها للفقراء .
والقلائد . وهي الأنعام المقلدة التي يقلدها أصحابها - أي يضعون في رقبتها قلادة - علامة على نذرها لله ؛ ويطلقونها ترعى حتى تنحر في موعد النذر ومكانه - ومنها الهدي الذي يشعر : أي يعلم بعلامة الهدي ويطلق إلى موعد النحر - فهذه القلائد يحرم احلالها بعد تقليدها ؛ فلا تنحر إلا لما جعلت له . . وكذلك قيل : إن القلائد هي ما كان يتقلد به من يريدون الأمان من ثأر أو عدو أو غيره ؛ فيتخذون من شجر الحرم ما يتقلدون به ، وينطلقون في الأرض لا يبسط أحد يده إليهم بعدوان - وأصحاب هذا القول قالوا : إن ذلك قد نسخ بقول الله فيما بعد : ( إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) . . وقوله : ( فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم ) . . والأظهر القول الأول ؛ وهو أن القلائد هي الأنعام المقلدة للنذور لله ؛ وقد جاء ذكرها بعد ذكر الهدي المقلد للنحر للحج أو العمرة ، للمناسبة بين هذا وذاك .
كذلك حرم الله آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا . . وهم الذين يقصدون البيت الحرام للتجارة الحلال وطلب الرضوان من الله . . حجاجا أو غير حجاج . . وأعطاهم الأمان في حرمة بيته الحرام .
ثم أحل الصيد متى انتهت فترة الإحرام ، في غير البيت الحرام ، فلا صيد في البيت الحرام : ( وإذا حللتم فاصطادوا ) . .
إنها منطقة الأمان يقيمها الله في بيته الحرام ؛ كما يقيم فترة الأمان في الأشهر الحرم . . منطقة يأمن فيها الناس والحيوان والطير والشجر أن ينالها الأذى . وأن يروعها العدوان . . إنه السلام المطلق يرفرف على هذا البيت ؛ استجابة لدعوة إبراهيم - أبي هذه الأمة الكريم - ويرفرف على الأرض كلها أربعة أشهر كاملة في العام - في ظل الإسلام - وهو سلام يتذوق القلب البشري حلاوته وطمأنينته وأمنه ؛ ليحرص عليه - بشروطه - وليحفظ عقد الله وميثاقه ، وليحاول أن يطبقه في الحياة كلها على مدار العام ، وفي كل مكان . .
وفي جو الحرمات وفي منطقة الأمان ، يدعو الله الذين آمنوا به ، وتعاقدوا معه ، أن يفوا بعقدهم ؛ وأن يرتفعوا إلى مستوى الدور الذي ناطه بهم . . دور القوامة على البشرية ؛ بلا تأثر بالمشاعر الشخصية ، والعواطفالذاتية ، والملابسات العارضة في الحياة . . يدعوهم ألا يعتدوا حتى على الذين صدوهم عن المسجد الحرام في عام الحديبية ؛ وقبله كذلك ؛ وتركوا في نفوس المسلمين جروحا وندوبا من هذا الصد ؛ وخلفوا في قلوبهم الكره والبغض ، فهذا كله شيء ؛ وواجب الأمة المسلمة شيء آخر . شيء يناسب دورها العظيم :
( ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا . وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان . واتقوا الله ، إن الله شديد العقاب ) . .
إنها قمة في ضبط النفس ؛ وفي سماحة القلب . . ولكنها هي القمة التي لا بد أن ترقى إليها الأمة المكلفة من ربها أن تقوم على البشرية لتهديها وترتفع بها إلى هذا الأفق الكريم الوضيء .
إنها تبعة القيادة والقوامة والشهادة على الناس . . التبعة التي لا بد أن ينسى فيها المؤمنون ما يقع على أشخاصهم من الأذى ليقدموا للناس نموذجا من السلوك الذي يحققه الإسلام ، ومن التسامي الذي يصنعه الإسلام . وبهذا يؤدون للإسلام شهادة طيبة ؛ تجذب الناس إليه وتحببهم فيه .
وهو تكليف ضخم ؛ ولكنه - في صورته هذه - لا يعنت النفس البشرية ، ولا يحملها فوق طاقتها . فهو يعترف لها بأن من حقها أن تغضب ، ومن حقها أن تكره . ولكن ليس من حقها أن تعتدي في فوره الغضب ودفعة الشنآن . . ثم يجعل تعاون الأمة المؤمنة في البر والتقوى ؛ لا في الإثم والعدوان ؛ ويخوفها عقاب الله ، ويأمرها بتقواه ، لتستعين بهذه المشاعر على الكبت والضبط ، وعلى التسامي والتسامح ، تقوى لله ، وطلبا لرضاه .
ولقد استطاعت التربية الإسلامية ، بالمنهج الرباني ، أن تروض نفوس العرب على الانقياد لهذه المشاعر القوية ، والاعتياد لهذا السلوك الكريم . . وكانت أبعد ما تكون عن هذا المستوى وعن هذا الاتجاه . . كان المنهج العربي المسلوك والمبدأ العربي المشهور : " أنصر أخاك ظالما أو مظلومًا " . . كانت حمية الجاهلية ، ونعرة العصبية . كان التعاون على الإثم والعدوان أقرب وأرجح من التعاون على البر والتقوى ؛ وكان الحلف على النصرة ، في الباطل قبل الحق . وندر أن قام في الجاهلية حلف للحق . وذلك طبيعي في بيئة لا ترتبط بالله ؛ ولا تستمد تقاليدها ولا أخلاقها من منهج الله وميزان الله . . يمثل ذلك كله ذلك المبدأ الجاهلي المشهور : " انصر أخاك ظالما أو مظلومًا " . . وهو المبدأ الذي يعبر عنه الشاعر الجاهلي في صورة أخرى ، وهو يقول :
وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت ، وإن ترشد غزية أرشد !
ثم جاء الإسلام . . جاء المنهج الرباني للتربية . . جاء ليقول للذين آمنوا :
( ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا . وتعاونوا على البر والتقوى ، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان . واتقوا الله ، إن الله شديد العقاب ) . .
جاء ليربط القلوب بالله ؛ وليربط موازين القيم والأخلاق بميزان الله . جاء ليخرج العرب - ويخرج البشرية كلها - من حمية الجاهلية ، ونعرة العصبية ، وضغط المشاعر والانفعالات الشخصية والعائلية والعشائرية في مجال التعامل مع الأصدقاء والأعداء . .
وولد " الإنسان " من جديد في الجزيرة العربية . . ولد الإنسان الذي يتخلق بأخلاق الله . . وكان هذا هو المولد الجديد للعرب ؛ كما كان هو المولد الجديد للإنسان في سائر الأرض . . ولم يكن قبل الإسلام في الجزيرة إلا الجاهلية المتعصبة العمياء : " انصر أخاك ظالما أو مظومًا " . كذلك لم يكن في الأرض كلها إلا هذه الجاهلية المتعصبة العمياء !
والمسافة الشاسعة بين درك الجاهلية ، وأفق الإسلام ؛ هي المسافة بين قول الجاهلية المأثور : " انصر أخاك ظالما أو مظلومًا " . وقول الله العظيم : ( ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا . وتعاونوا على البر والتقوى ، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) .
{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله } لما بين سبحانه حرمة إحلال الحرم الذي هو من شعائر الحج عقب جل شأنه ببيان ( حرمة ) إحلال سائر الشعائر ، وهو جمع شعيرة ، وهي اسم لما أشعر ، أي جعل شعاراً وعلامة للنسك من ( مواقف ) الحج ومرامي الجمار والطواف والمسعى ، والأفعال التي هي علامات الحاج يعرف بها ( من ) الإحرام والطواف والسعي والحلق والنحر ، وإضافتها إلى الله تعالى لتشريفها وتهويل الخطب في إحلالها ، والمراد منه التهاون بحرمتها ، وأن يحال بينها وبني المتنسكين بها ، وروي عن عطاء أنه فسر الشعائر بمعالم حدود الله تعالى وأمره ونهيه وفرضه ، وعن أبي علي الجبائي أن المراد بها العلامات المنصوبة للفرق بين الحل والحرم ، ومعنى إحلالها عنده مجاوزتها إلى مكة بغير إحرام ، وقيل : هي الصفا والمروة ، والهدي من البدن وغيرها ، وروي ذلك عن مجاهد .
{ وَلاَ الشهر الحرام } أي لا تحلوه بأن تقاتلوا فيه أعداءكم من المشركين كما روي عن ابن عباس وقتادة أو بالنسيء كما نقل عن القتيبي ، والأول هو الأولى بحال المؤمنين . واختلف في المراد منه فقيل : رجب ، وقيل : ذو القعدة ، وروي ذلك عن عكرمة ، وقيل : الأشهر الأربعة الحرم ، واختاره الجبائي والبلخي ، وإفراده لإرادة الجنس { وَلاَ الهدى } بأن يتعرض له بالغصب أو بالمنع من أن يبلغ محله ، والمراد به ما يهدى إلى الكعبة من إبل أو بقر أو شاء ، وهو جمع هدية كجدي وجدية وهي ما يحشى تحت السرج والرحل ، وخص ذلك بالذكر بناءاً على دخوله في الشعائر لأن فيه نفعاً للناس ، ولأنه مال قد يتساهل فيه ، وتعظيماً له لأنه من أعظمها { وَلاَ القلائد } جمع قلادة وهي ما يقلد به الهدي من نعل أو لحاء شجر أو غيرهما ليعلم أنه هدي فلا يتعرض له ، والمراد النهي عن التعرض لذوات القلائد من الهدي وهي البدن ، وخصت بالذكر تشريفاً لها واعتناءاً بها ، أو التعرض لنفس القلائد مبالغة في النهي عن التعرض لذواتها كما في قوله تعالى : { وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } [ النور : 31 ] فإنهن إذا نهين عن إظهار الزينة كالخلخال والسوار علم النهي عن إبداء محلها بالطريق الأولى ، ونقل عن أبي علي الجبائي أن المراد النهي عن إحلال نفس القلائد ، وإيجاب التصدق بها إن كانت لها قيمة ، وروي ذلك عن الحسن ، وروى عن السدي أن المراد من القلائد : أصحاب الهدي فإن العرب كانوا يقلدون من لحاء شجر مكة يقيم الرجل بمكة حتى إذا انقضت الأشهر الحرم ، وأراد أن يرجع إلى أهله قلد نفسه وناقته من لحاء الشجر فيأمن حتى يأتي أهله ، وقال الفراء : أهل الحرم كانوا يتقلدون بلحاء الشجر ، وغير أهل الحرم كانوا يتقلدون بالصوف والشعر وغيرهما ، وعن الربيع .
وعطاء أن المراد نهي المؤمنين أن ينزعوا شيئاً من شجر الحرم يقلدون به كما كان المشركون يفعلونه في جاهليتهم .
{ وَلا ءامّينَ البيت الحرام } أي ولا تحلوا أقواماً قاصدين البيت الحرام بأن تصدوهم عنه بأي وجه كان ، وجوز أن يكون على حذف مضاف أي قتال قوم أو أذى قوم آمين . وقرىء ولا آمي البيت الحرام بالإضافة ، و ( البيت ) مفعول به لا ظرف ، ووجه عمل اسم الفاعل فيه ظاهر ، وقوله تعالى : { يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّن رَّبّهِمْ ورضوانا } حال من المستكن في آمين ، وجوز أن يكون صفة ، وضعف بأن اسم الفاعل الموصوف لا يعمل لضعف شبهه بالفعل الذي عمل بالحمل عليه لأن الموصوفية تبعد الشبه بأنها من خواص الأسماء ، وأجيب بأن الوصف إنما يمنع من العمل إذا تقدم المعمول ، فلو تأخر لم يمنع لمجيئه بعد الفراغ من مقتضاه كما صرح به صاحب «اللب » وغيره ، وتنكير ( فضلاً ) و ( رضواناً ) للتفخيم ، ومن ربهم متعلق بنفس الفعل ، أو بمحذوف وقع صفة لفضلاً مغنية عن وصف ما عطف عليه بها ، أي فضلاً كائناً من ربهم ورضواناً كذلك ، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم لتشريفهم والإشعار بحصول مبتغاهم ، والمراد بهم المسلمون خاصة ، والآية محكمة . وفي الجملة إشارة إلى تعليل النهي واستنكار النهي عنه كذا قيل ، واعترض بأن التعرض للمسلمين حرام مطلقاً سواء كانوا آمين أم لا ، فلا وجه لتخصيصهم بالنهي عن الإحلال ، ولذا قال الحسن وغيره : المراد بالآمين هم المشركون خاصة ، والمراد من الفضل حينئذ الربح في تجاراتهم ، ومن الرضوان ما في زعمهم ، ويجوز إبقاء الفضل على ظاهره إذا أريد ما في الزعم أيضاً لكنه لما أمكن حمله على ما هو في نفس الأمر كان حمله عليه أولى ، ويؤيد هذا القول أن الآية نزلت كما قال السدي وغيره في رجل من بني ربيعة يقال له الحطيم بن هند ، وذلك أنه أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحده وخلف خيله خارج المدينة فقال : " إلى مه تدعو الناس ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : إلى شهادة أن لا إله إلا الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة " فقال : حسن إلا أن لي أمراء لا أقطع أمراً دونهم ، ولعلي أسلم وآتي بهم ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : " يدخل عليكم رجل يتكلم بلسان شيطان " ثم خرج من عنده ، فلما خرج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر وما الرجل بمسلم " ، فمر بسرح المدينة فاستاقه وانطلق به وهو يرتجز ويقول :
قد لفها الليل بسواق حطم *** ليس براعي إبل ولا غنم
ولا بخوار على ظهر قطم *** باتوا نياماً وابن هند لم ينم
بات يقاسيها غلام كالزلم *** مدملج الساقين ممسوح القدم
فطلبه المسلمون فعجزوا ، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام قضاء العمرة التي أحصر عنها سمع تلبية حجاج اليمامة فقال صلى الله عليه وسلم : " هذا الحطيم وأصحابه فدونكموه " وكان قد قلد ما نهب من السرح وجعله هدياً فلما توجهوا لذلك نزلت الآية فكفوا وروي عن ابن زيد أنها نزلت يوم فتح مكة في فوارس يؤمون البيت من المشركين يهلون بعمرة فقال المسلمون : يا رسول الله هؤلاء المشركون مثل هؤلاء ، دعنا نغير عليهم ، فأنزل الله سبحانه الآية .
واختلف القائلون بأن المراد من الآمين : المشركون في النسخ وعدمه ، فعن ابن جريج أنه لا نسخ لأنه يجوز أن يبتدىء المشركون في الأشهر الحرم بالقتال ، وأنت تعلم أن الآية ليست نصاً في القتال على تقدير تسليم ما في حيز التعليم ، وقال أبو مسلم : إن الآية منسوخة بقوله تعالى : { فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا } [ التوبة : 28 ] ، وقيل : بآية السيف ، وقيل : بهما ، وقيل : لم ينسخ من هذه الآية إلا القلائد ، وروي ذلك عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، وادعى بعضهم أن المراد بالآمين : ما يعم المسلمين والمشركين ، وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ ، والنسخ حينئذ في حق المشركين خاصة . / وبعض الأئمة يسمي مثل ذلك تخصيصاً كما حقق في الأصول ، ولا بدّ على هذا من تفسير الفضل والرضوان بما يناسب الفريقين ، وقرأ حميد بن قيس الأعرج { تَبْتَغُونَ } بالتاء على خطاب المؤمنين ، والجملة على ذلك حال من ضمير المخاطبين في { لاَ تُحِلُّواْ } على أن المراد بيان منافاة حالهم هذه للمنهي عنه لا تقييد النهي بها ، واعترض بأنه لو أريد خطاب المؤمنين لكان المناسب من ربكم وربهم ، وأجيب بأن ترك التعبير بما ذكر للتخويف بأن ربهم يحميهم ولا يرضى بما فعلوه وفيه بلاغة لا تخفي وإشارة إلى ما مر من أن الله تعالى رب العالمين لا المسلمين فقط ، وقال شيخ الإسلام : إن إضافة الرب إلى ضمير آمين على قراءة الخطاب للإيماء إلى اقتصار التشريف عليهم وحرمان المخاطبين عنه وعن نيل المبتغى ، وفي ذلك من تعليل النهي وتأكيده والمبالغة في استنكار المنهي عنه ما لا يخفى .
{ وَإِذَا حَلَلْتُمْ } من الإحرام المشار إليه بقوله سبحانه : { وَأَنتُمْ حُرُمٌ } { فاصطادوا } أي فلا جناح عليكم بالاصطياد لزوال المانع ، فالأمر للإباحة بعد الحظر ومثله لا تدخلن هذه الدار حتى تؤدي ثمنها فإذا أديت فادخلها أي إذا أديت أبيح لك دخولها ، وإلى كون الأمر للإباحة بعد الحظر ذهب كثير . وقال صاحب «القواطع » : إنه ظاهر كلام الشافعي في «أحكام القرآن » ، ونقله ابن برهان ( في «الوجيز » ) عن أكثر الفقهاء والمتكلمين لأن سبق الحظر قرينة صارفة ، وهو أحد ثلاثة مذاهب في المسألة ، ثانيها : أنه للوجوب لأن الصيغة تقتضيه ، ووروده بعد الحظر لا تأثير له ، وهو اختيار القاضي أبي الطيب ( الطبري في «شرح الكفاية » ) ( 2 ) والشيخ أبي إسحاق و ( ابن ) ( 2 ) السمعاني والإمام في «المحصول » ، ونقله الشيخ أبو حامد الإسفرايني في «كتابه » عن أكثر الشافعية ، ثم قال : وهو قول كافة الفقهاء ، وأكثر المتكلمين ، وثالثها : الوقف بينهما ، وهو قول إمام الحرمين مع كونه أبطل الوقف في لفظه ابتداءاً من غير تقدم حظر ، ولا يبعد على ما قاله الزركشي أن يقال هنا برجوع الحال إلى ما كان قبل ، كما قيل في مسألة النهي الوارد بعد الوجوب .
ومن قال : إن حقيقة الأمر المذكور للإيجاب قال : إنه مبالغة في صحة المباح حتى كأنه واجب ، وقيل : إن الأمر في مثله لوجوب اعتقاد الحل فيكون التجوز في المادة كأنه قيل : اعتقدوا حل الصيد وليس بشيء ، وقرىء أحللتم وهو لغة في حل ، وعن الحسن أنه قرىء { فاصطادوا } بكسر الفاء بنقل حركة همزة الوصل عليها ، وضعفت من جهة العربية بأن النقل إلى المتحرك مخالف للقياس ، وقيل : إنه لم يقرأ بكسرة محضة بل أمال لإمالة الطاء ، وإن كانت من المستعلية .
{ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ } أي لا يحملنكم كما فسره به قتادة ، ونقل عن ثعلب والكسائي وغيرهما ، وأنشدوا له بقوله :
ولقد طعنت أبا عيينة طعنة *** ( جرمت ) فزارة بعدها أن تغضبا
فجرم على هذا يتعدى لواحد بنفسه ، وإلى الآخر بعلى ، وقال الفراء وأبو عبيدة : المعنى لا يكسبنكم ، وجرم جار مجرى كسب في المعنى ، والتعدي إلى مفعول واحد وإلى اثنين يقال : جرم ذنباً نحو كسبه ، وجرمته ذنباً نحو كسبته إياه خلا أن جرم يستعمل غالباً في كسب ما لا خير فيه ، وهو السبب في إيثاره ههنا على الثاني ، ومنه الجريمة ، وأصل مادته موضوعة لمعنى القطع لأن الكاسب ينقطع لكسبه ، وقد يقال : أجرمته ذنباً على نقل المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين كما يقال : أكسبته ذنباً ، وعليه قراءة عبد الله لا يجرمنكم بضم الياء { شَنئَانُ قَوْمٍ } بفتح النون ؛ وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ، وإسماعيل عن نافع بسكونها ، وفيهما احتمالان : الأول : أن يكونا مصدرين بمعنى البغض أو شدته شذوذاً لأن فعلان بالفتح مصدر ما يدل على الحركة كجولان ولا يكون لفعل متعد كما قال : س ، وهذا متعد إذ يقال : شنئته ، ولا دلالة له على الحركة إلا على بعد ، وفعلان بالسكون في المصادر قليل نحو لويته لياناً بمعنى مطلته ، والثاني : أن يكون صفتين لأن فعلان في الصفات كثير كسكران ، وبالفتح ورد فيها قليلاً كحمار قطوان عسر السير ، وتيس عدوان كثير العدو فإن كان مصدراً فالظاهر أن إضافته إلى المفعول أي إن تبغضوا قوماً ، وجوز أن تكون إلى الفاعل أي إن يبغضكم قوم ، والأول أظهر كما في «البحر » وإن كان وصفاً فهو بمعنى بغيض ، وإضافته بيانية وليس مضافاً إلى مفعوله أو فاعله كالمصدر أي البغيض من بينهم .
{ أَن صَدُّوكُمْ } بفتح الهمزة بتقدير اللام على أنه علة للشنآن أي لأن صدوكم عام الحديبية ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الهمزة على أن ( أن ) شرطية ، وما قبلها دليل الجواب ، أو الجواب على القول المرجوح بجواز تقدمه ، وأورد على ذلك أنه لا صد بعد فتح مكة . وأجيب بأنه للتوبيخ على أن الصدّ السابق على فتح مكة مما لا يصح أن يكون وقوعه إلا على سبيل الفرض ، وذلك كقوله تعالى : { أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ } [ الزخرف : 5 ] وجوز أن يكون بتقدير إن كانوا قد صدوكم ، وأن يكون على ظاهره إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم بعد ظهور الإسلام وقوته ، ويعلم منه النهي عن ذلك باعتبار الصد السابق بالطريق الأولى { عَنِ المسجد الحرام } أي عن زيارته والطواط به للعمرة ، وهذه كما قال شيخ الإسلام آية بينة في عموم آمّين للمشركين قطعاً ، وجعلها البعض دليلاً على تخصيصه بهم { أَن تَعْتَدُواْ } أي عليهم ، وحذف تعويلاً على الظهور ، وإيماءاً إلى أن المقصد الأصلي منع صدور الاعتداء من المخاطبين محافظة على تعظيم الشعائر لا منع وقوعه على القوم مراعاة لجانبهم ، وأن على حذف الجار أي على أن تعتدوا ، والمحل بعده إما جر ، أو نصب على المذهبين أي لا يحملنكم بغض قوم لصدهم إياكم عن المسجد الحرام على اعتدائكم عليهم وانتقامكم منهم للتشفي ، أو لا حذف ، والمنسبك ثاني مفعولي يجرمنكم أي لا يكسبنكم ذلك اعتداؤكم ، وهذا على التقديرين وإن كان بحسب الظاهر نهياً للشنآن عما نسب إليه لكنه في الحقيقة نهي لهم عن الاعتداء على أبلغ وجه وآكده ، فإن النهي عن أسباب الشيء ومباديه المؤدية إليه نهي عنه بالطريق البرهاني وإبطال للسببية ، ويقال : لا أرينك ههنا والمقصود نهى المخاطب على الحضور .
ووجه العلامة الطيبي الاعتراض بقوله تعالى : { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا } بين ما تقدم وبين هذا النهي المتعلق به ليكون إشارة وإدماجاً إلى أن القاصدين ما داموا محرمين مبتغين فضلاً من ربهم كانوا كالصيد عند المحرم فلا تتعرضوهم ، وإذا حللتم أنتم وهم فشأنكم وإياهم لأنهم صاروا كالصيد المباح أبيح لكم تعرضهم حينئذ . وقال شيخ الإسلام : لعل تأخير هذا النهي عن ذلك مع ظهور تعلقه بما قبله للإيذان بأن حرمة الاعتداء لا تنتهي بالخروج عن الإحرام كانتهاء حرمة الاصطياد به بل هي باقية ما لم تنقطع علاقتهم عن الشعائر بالكلية ، وبذلك يعلم بقاء حرمة التعرض لسائر الآمّين بالطريق الأولى ، ولعله الأولى .
{ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى } عطف على { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ } من حيث المعنى كأنه قيل : لا تعتدوا على قاصدي المسجد الحرام لأجل أن صددتم عنه وتعاونوا على العفو والإغضاء . وقال بعضهم : هو استئناف والوقف على أن تعتدوا لازم ، واختار غير واحد أن المراد بالبر متابعة الأمر مطلقاً ، وبالتقوى اجتناب الهوى لتصير الآية من جوامع الكلم وتكون تذييلاً للكلام ، فيدخل في البر والتقوى جميع مناسك الحج ، فقد قال تعالى : { فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب } [ الحج : 32 ] ويدخل العفو والإغضاء أيضاً دخولاً أولياً ، وعلى العموم أيضاً حمل قوله تعالى : { وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان } فيعم النهي كل ماهو من مقولة الظلم والمعاصي ، ويندرج فيه النهي عن التعاون على الاعتداء والانتقام . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . وأبي العالية أنهما فسرا الإثم بترك ما أمرهم به وارتكاب ما نهاهم عنه ، والعدوان بمجاوزة ما حده سبحانه لعباده في دينهم وفرضه عليهم في أنفسهم ، وقدمت التحلية على التخلية مسارعة إلى إيجاب ما هو المقصود بالذات .
وقوله تعالى : { واتقوا الله } أمر بالاتقاء في جميع الأمور التي من جملتها مخالفة ما ذكر من الأوامر والنواهي ، ويثبت وجوب الاتقاء فيها بالطريق البرهاني .
{ أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب } لمن لا يتفيه ، وهذا في موضع التعليل لما قبله ، وإظهار الاسم الجليل لما مر غير مرة .
( هذا ومن باب الإشارة ) : { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله } من المقامات والأحوال التي يعلم بها السالك إلى حرم ربه سبحانه من الصبر والتوكل والشكر ونحوها أي لا تخرجوا عن حكمها { وَلاَ الشهر الحرام } وهو وقت الحج الحقيقي وهو وقت السلوك إلى ملك الملوك ، وإحلاله بالخروج عن حكمه والاشتغال بما ينافيه { وَلاَ الهدى } وهو النفس المستعدة المعدة للقربان عند الوصول إلى الحضرة ، وإحلالها باستعمالها بما يصرفها ، أو تكليفها بما يكون سبب مللها { وَلاَ القلائد } وهي ما قلدته النفس من الأعمال الشرعية التي لا يتم الوصول إلا بها ، وإحلالها بالتطفيف بها وعدم إيقاعها على الوجه الكامل { ولا آمين البيت الحرام } وهم السالكون ، وإحلالهم بتنفيرهم وشغلهم بما يصدهم أو يكسلهم { يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّن رَّبّهِمْ } بتجليات الأفعال { وَرِضْوَاناً } بتجليات الصفات ، { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا } أي إذا رجعتم إلى البقاء بعد الفناء فلا جناح عليكم في التمتع { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شنئان قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ } أي لا يكسبنكم بغض القوى النفسانية بسبب صدها إياكم عن السلوك أن تعتدوا عليها ، وتقهروها بالكلية فتتعطل أو تضعف عن منافعها ، أو لا يكسبنكم بغض قوم من أهاليكم أو أصدقائكم بسبب صدهم إياكم أن تعتدوا عليهم بمقتهم وإضرارهم وإرادة الشر لهم { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى } بتدبير تلك القوى وسياستها ، أو بمراعاة الأهل والأصدقاء والإحسان إليهم { وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان } فإن ذلك يقطعكم عن الوصول ، وعن سهل أن البر الإيمان والتقوى السنة والإثم الكفر والعدوان البدعة ، وعن الصادق رضي الله تعالى عنه البر الإيمان والتقوى الإخلاص والإثم الكفر والعدوان المعاصي ، وقيل : البر ما توافق عليه العلماء من غير خلاف والتقوى مخالفة الهوى والإثم طلب الرخص { والعدوان } التخطي إلى الشبهات { واتقوا الله } في هذه الأمور
{ أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب } [ المائدة : 2 ] فيعاقبكم بما هو أعلم