مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ} (2)

قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون } .

{ لا تقدموا } نهي عن فعل ينبئ عن كونهم جاعلين لأنفسهم عند الله ورسوله بالنسبة إليهما وزنا ومقدارا ومدخلا في أمر من أوامرهما ونواهيهما ، وقوله { لا ترفعوا } نهي عن قول ينبئ عن ذلك الأمر ، لأن من يرفع صوته عند غيره يجعل لنفسه اعتبارا وعظمة وفيه مباحث :

البحث الأول : ما الفائدة في إعادة النداء ، وما هذا النمط من الكلامين على قول القائل { يأيها الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدي الله } ، و { لا ترفعوا أصواتكم } ؟ نقول في إعادة النداء فوائد خمسة : منها أن يكون في ذلك بيان زيادة الشفقة على المسترشد كما في قول لقمان لابنه { يا بني لا تشرك بالله } { يا بني إنها إن تك مثقال حبة } ، { يا بني أقم الصلاة } لأن النداء لتنبيه المنادى ليقبل على استماع الكلام ويجعل باله منه ، فإعادته تفيد ذلك ، ومنها أن لا يتوهم متوهم أن المخاطب ثانيا غير المخاطب أولا : فإن من الجائز أن يقول القائل يا زيد افعل كذا وقل كذا يا عمرو ، فإذا أعاده مرة أخرى ، وقال يا زيد قل كذا ، يعلم من أول الكلام أنه هو المخاطب ثانيا أيضا ومنها أن يعلم أن كل واحد من الكلامين مقصود ، وليس الثاني تأكيدا للأول كما تقول يا زيد لا تنطق ولا تتكلم إلا بالحق فإنه لا يحسن أن يقال يا زيد لا تنطق يا زيد لا تتكلم كما يحسن عند اختلاف المطلوبين ، وقوله تعالى : { لا ترفعوا أصواتكم } يحتمل وجوها : ( أحدها ) أن يكون المراد حقيقته ، وذلك لأن رفع الصوت دليل قلة الاحتشام وترك الاحترام ، وهذا من مسألة حكمية وهي أن الصوت بالمخارج ومن خشي قلبه ارتجف وتضعف حركته الدافعة فلا يخرج منه الصوت بقوة ، ومن لم يخف ثبت قلبه وقوي ، فرفع الهواء دليل عدم الخشية ( ثانيها ) أن يكون المراد المنع من كثر الكلام لأن من يكثر الكلام يكون متكلما عن سكوت الغير فيكون في وقت سكوت الغير لصوته ارتفاع وإن كان خائفا إذا نظرت إلى حال غيره فلا ينبغي أن يكون لأحد عند النبي صلى الله عليه وسلم كلام كثير بالنسبة إلى كلام النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي عليه الصلاة والسلام مبلغ ، فالمتكلم عنده إن أراد الإخبار لا يجوز ، وإن استخبر النبي عليه السلام عما وجب عليه البيان ، فهو لا يسكت عما يسأل وإن لم يسأل ، وربما يكون في السؤال حقيدة برد جواب لا يسهل على المكلف الإتيان به فيبقى في ورطة العقاب ( ثالثها ) أن يكون المراد رفع الكلام بالتعظيم أي لا تجعلوا لكلامكم ارتفاعا على كلام النبي صلى الله عليه وسلم في الخطاب كما يقول القائل لغيره أمرتك مرارا بكذا عندما يقول له صاحبه مرني بأمر مثله ، فيكون أحد الكلامين أعلى وأرفع من الآخر ، والأول أصح والكل يدخل في حكم المراد ، لأن المنع من رفع الصوت لا يكون إلا للاحترام وإظهار الاحتشام ، ومن بلغ احترامه إلى حيث تنخفض الأصوات عنده من هيبته وعلو مرتبته لا يكثر عنده الكلام ، ولا يرجع المتكلم معه في الخطاب ، وقوله تعالى : { ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض } فيه فوائد :

( إحداها ) أن بالأول حصل المنع من أن يجعل الإنسان كلامه أو صوته أعلى من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وصوته ، ولقائل أن يقول فما منعت من المساواة فقال تعالى : { ولا تجهروا له } كما تجهرون لأقرانكم ونظرائكم بل اجعلوا كلمته عليا .

والثانية : أن هذا أفاد أنه لا ينبغي أن يتكلم المؤمن عند النبي عليه السلام كما يتكلم العبد عند سيده ، لأن العبد داخل تحت قوله { كجهر بعضكم لبعض } لأنه للعموم فلا ينبغي أن يجهر المؤمن للنبي صلى الله عليه وسلم كما يجهر العبد للسيد وإلا لكان قد جهر له كما يجهر بعضكم لبعض ، لا يقال المفهوم من هذا النمط أن لا تجعلوه كما يتفق بينكم ، بل تميزوه بأن لا تجهروا عنده أبدا وفيما بينكم لا تحافظون على الاحترام ، لأنا نقول ما ذكرنا أقرب إلى الحقيقة ، وفيه ما ذكرتم من المعنى وزيادة ، ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى : { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } والسيد ليس أولى عند عبده من نفسه حتى لو كانا في مخمصة ووجد العبد ما لو لم يأكله لمات لا يجب عليه بذله لسيده ، ويجب البذل للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولو علم العبد أن بموته ينجو سيده لا يلزمه أن يلقى نفسه في التهلكة لإنجاء سيده ، ويجب لإنجاء النبي عليه الصلاة والسلام ، وقد ذكرنا حقيقته عند تفسير الآية ، وأن الحكمة تقتضي ذلك كما أن العضو الرئيس أولى بالرعاية من غيره ، لأن عند خلل القلب مثلا لا يبقى لليدين والرجلين استقامة فلو حفظ الإنسان نفسه وترك النبي عليه الصلاة والسلام لهلك هو أيضا بخلاف العبد والسيد .

الفائدة الثانية : أن قوله تعالى : { لا ترفعوا أصواتكم } لما كان من جنس { لا تجهروا } لم يستأنف النداء ، ولما كان هو يخالف التقدم لكون أحدهما فعلا والآخر قولا استأنف كما في قول لقمان { يا بني لا تشرك } وقوله { يا بني أقم الصلاة } لكون الأول من عمل القلب والثاني من عمل الجوارح ، وقوله { يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر } من غير استئناف النداء لأن الكل من عمل الجوارح .

واعلم أنا إن قلنا المراد من قوله { لا ترفعوا أصواتكم } أي لا تكثروا الكلام فقوله { ولا تجهروا } يكون مجازا عن الإتيان بالكلام عن النبي صلى الله عليه وسلم بقدر ما يؤتى به عند غيره ، أي لا تكثروا وقللوا غاية التقليل ، وكذلك إن قلنا المراد بالرفع الخطاب فالمراد بقوله { لا تجهروا } أي لا تخاطبوه كما تخاطبون غيره وقوله تعالى : { أن تحبط أعمالكم } فيه وجهان مشهوران : ( أحدهما ) لئلا تحبط ( والثاني ) كراهة أن تحبط ، وقد ذكرنا ذلك في قوله تعالى : { يبين الله لكم أن تضلوا } وأمثاله ، ويحتمل هاهنا وجها آخر وهو أن يقال معناه : واتقوا الله واجتنبوا أن تحبط أعمالكم ، والدليل على هذا أن الإضمار لما لم يكن منه بد فما دل عليه الكلام الذي هو فيه أولى أن يضمر والأمر بالتقوى قد سبق في قوله تعالى : { واتقوا } وأما المعنى فنقول قوله { أن تحبط } إشارة إلى أنكم إن رفعتم أصواتكم وتقدمتكم تتمكن منكم هذه الرذائل وتؤدي إلى الاستحقار ، وإنه يفضي إلى الانفراد والارتداد المحبط وقوله تعالى : { وأنتم لا تشعرون } إشارة إلى أن الردة تتمكن من النفس بحيث لا يشعر الإنسان ، فإن من ارتكب ذنبا لم يرتكبه في عمره تراه نادما غاية الندامة خائفا غاية الخوف فإذا ارتكبه مرارا يقل الخوف والندامة ويصير عادة من حيث لا يعلم أنه لا يتمكن ، وهذا التمكن كان في المرة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو غيرها ، وهذا كما أن من بلغه خبر فإنه لا يقطع بقول المخبر في المرة الأولى ، فإذا تكرر عليه ذلك وبلغ حد التواتر يحصل له اليقين ويتمكن الاعتقاد ، ولا يدري متى كان ذلك ، وعند أي خبر حصل هذا اليقين ، فقوله { وأنتم لا تشعرون } تأكيد للمنع أي لا تقولوا بأن المرة الواحدة تعفي ولا توجب رده ، لأن الأمر غير معلوم فاحسموا الباب ، وفيه بيان آخر وهو أن المكلف إذا لم يحترم النبي صلى الله عليه وسلم ويجعل نفسه مثله فيما يأتي به بناء على أمره يكون كما يأتي به بناء على أمر نفسه ، لكن ما تأمر به النفس لا يوجب الثواب وهو محبط حابط ، كذلك ما يأتي به بغير أمر النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ حابط محبط ، والله أعلم .

واعلم أن الله تعالى لما أمر المؤمنين باحترام النبي صلى الله عليه وسلم وإكرامه وتقديمه على أنفسهم وعلى كل من خلقه الله تعالى أمر نبيه عليه السلام بالرأفة والرحمة ، وأن يكون أرأف بهم من الوالد ، كما قال : { واخفض جناحك للمؤمنين } وقال تعالى : { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم } وقال : { ولا تكن كصاحب الحوت } إلى غير ذلك لئلا تكون خدمته خدمة الجبارين الذين يستعبدون الأحرار بالقهر فيكون انقيادهم لوجه الله .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ} (2)

والأدب الثاني هو أدبهم مع نبيهم في الحديث والخطاب ؛ وتوقيرهم له في قلوبهم ، توقيرا ينعكس على نبراتهم وأصواتهم ؛ ويميز شخص رسول الله بينهم ، ويميز مجلسه فيهم ؛ والله يدعوهم إليه بذلك النداء الحبيب ؛ ويحذرهم من مخالفة ذلك التحذير الرهيب :

( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ، ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ، أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ) . .

يا أيها الذين آمنوا . . ليوقروا النبي الذي دعاهم إلى الإيمان . . أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون . . ليحذروا هذا المزلق الذي قد ينتهي بهم إلى حبوط أعمالهم ، وهم غير شاعرين ولا عالمين ، ليتقوه !

ولقد عمل في نفوسهم ذلك النداء الحبيب ، وهذا التحذير المرهوب ، عمله العميق الشديد :

قال البخاري : حدثنا بسرة بن صفوان اللخمي ، حدثنا نافع بن عمر ، عن ابن أبي مليكة . قال : كاد الخيران أن يهلكا . . أبو بكر وعمر رضي الله عنهما . . رفعا أصواتهما عند النبي [ صلى الله عليه وسلم ] حين قدم عليه ركب بني تميم " في السنة التاسعة من الهجرة " فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس - رضي الله عنه - أخي بني مجاشع " أي ليؤمره عليهم " وأشار الآخر برجل آخر . قال نافع : لا أحفظ اسمه " في رواية أخرى أن اسمه القعقاع بن معبد " فقال : أبو بكر لعمر - رضي الله عنهما - ما أردت إلا خلافي . فقال : ما أردت خلافك . فارتفعت أصواتهما في ذلك . فأنزل الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ، ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ، أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ) . قال ابن الزبير - رضي الله عنه - : فما كان عمر - رضي الله عنه - يسمع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بعد هذه الآية حتى يستفهمه ! وروي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قال لما نزلت هذه الآية : قلت : يا رسول الله ، والله لا أكلمك إلا كأخي السرار " يعني كالهمس ! " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا هاشم ، حدثنا سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : لما نزلت هذه الآية : يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي - إلى قوله : وأنتم لا تشعرون وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت . فقال : أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أنا من أهل النار . حبط عملي . وجلس في أهله حزينا . ففقده رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فانطلق بعض القوم إليه ، فقالوا له : تفقدك رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] مالك ? قال : أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وأجهر له بالقول . حبط عملي . أنا من أهل النار . فأتوا النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فأخبروه بما قال . فقال النبي [ صلى الله عليه وسلم ] : " لا . بل هو من أهل الجنة " . قال أنس - رضي الله عنه - : فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة .

فهكذا ارتعشت قلوبهم وارتجفت تحت وقع ذلك النداء الحبيب ، وذلك التحذير الرعيب ؛ وهكذا تأدبوا في حضرة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خشية أن تحبط أعمالهم وهم لا يشعرون . ولو كانوا يشعرون لتداركوا أمرهم ! ولكن هذا المنزلق الخافي عليهم كان أخوف عليهم ، فخافوه واتقوه !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ} (2)

1

المفردات :

لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي : إذا كلمتموه ونطق ونطقتم ، فلا تبلغوا بأصواتكم وراء الحد الذي يبلغه بصوته .

التفسير :

2- { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ } .

أدب الله المسلمين وأدب العرب والأعراب ، وأدب الدنيا كلها في لزوم الأدب وخفض الصوت ، عند مخاطبة الكبراء والعلماء ، والأنبياء والمرسلين ، وإذا تكلم إنسان في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ، أو عند قبره في مماته ، أو عند قراءة الحديث الشريف ، أو القرآن الكريم ، فيجب ألا يرفع صوته فوق صوت النبي ، بل يكون صوت النبي أعلى صوتا ، وأوقع أثرا من صوت المتكلم بحضرته ، وجهر النبي أعلى من جهر المتحدث أو المستفهم بحضرته ، حتى تكون مزية النبي واضحة ، وسابقته ظاهرة ، وامتيازه بينا .

وإذا خاطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجب أن نقول له : يا رسول الله ، أو يا نبي الله ، ولا نخاطبه باسمه مجردا ، مثل يا محمد أو يا أحمد ، أي ينبغي أن يشتمل الخطاب على التعظيم والتوقير والاحترام .

أمر الله بذلك خشية إزعاج النبي وإيلامه ، برفع أصواتنا عليه ، أو عدم اللياقة أو الجلافة في خطابه ، وعندئذ يحبط عمل المتكلم ، ويضيع ثوابه ، ويخسر حسناته ، من حيث لا يعلم ذلك في الدنيا ، بل يعلمه يوم القيامة .

وإذا وصل الجهر بالصوت إلى حد الاستخفاف والاستهانة فذلك كفر ، والعياذ بالله ، فالغرض من الآية أن يكون صوت المؤمن عند خطابه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، خفيضا مناسبا لمقامه وهيبته ، لكن بحيث يسمعه .

ونلحظ أن الله نهانا عن جهر معين فقال : { كجهر بعضكم لبعض . . . } أي : ولا تجهروا له بالقول جهرا مثل جهر بعضكم لبعض .

قال القرطبي :

وفي هذا دليل على أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقا ، حتى لا يسوغ لهم إلا أن يكلموه بالهمس والمخافتة ، وإنما نهوا عن جهر مخصوص مقيد بصفته ، أعني الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه فيما بينهم ، وهو الخلو من مراعاة أبّهة النبوة ، وجلالة مقدارها ، وانحطاط سائر الرتب وإن جلت عن رتبتها . اه .

وقد لاحظنا أن القرآن الكريم حث على توقير الرسول وتعظيمه ، قال تعالى : { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا . . . } ( النور : 63 ) .

وقد دلت آيات من كتاب الله تعالى على أن الله العلي القدير ، لم يخاطب النبي في القرآن باسمه ، وإنما يخاطبه بما يدل على التعظيم كقوله سبحانه :

{ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا } . ( الأحزاب : 45 ) .

{ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك . . . } ( المائدة : 67 ) .

{ يا أيها المدثر } . ( المدثر : 1 ) .

مع أنه سبحانه نادى غيره من الأنبياء بأسمائهم ، مثل : { وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة . . . } ( البقرة : 35 ) .

ومثل : { يا نوح اهبط بسلام منا . . . } ( هود : 48 ) .

ومثل : { وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا . . . } ( الصافات : 104 ، 105 ) .

أما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يذكر اسمه مجردا في القرآن في خطاب ، وقد سبق أن ذكرنا أن اسم محمد صلى الله عليه وسلم تكرر أربع مرات في القرآن الكريم هي :

1- { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل . . . } ( آل عمران : 144 ) .

2- { ما كان محمدا أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين . . . } ( الأحزاب : 40 ) .

3- { والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم } . ( محمد : 2 ) .

4- { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم . . . } ( الفتح : 29 ) .

وكلها ليست خطابا للرسول صلى الله عليه وسلم ، بل هي حديث عنه صلى الله عليه وسلم .

ملاحظات

( أ ) قال القاضي أبو بكر بن العربي : حرمة النبي صلى الله عليه وسلم ميتا كحرمته حيا ، وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه ، فإذا قرئ كلامه وجب على كل حاضر ألا يرفع صوته عليه ، ولا يعرض عنه ، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به ، وقد نبه الله تعالى على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله تعالى :

{ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا . . . } ( الأعراف : 204 ) .

وكلام النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي ، وله من الحرمة مثل ما للقرآن إلا معاني مستثناة ، بيانها في كتب الفقه4 .

( ب ) النهي المذكور عن رفع الصوت ، هو الصوت الذي لا يناسب ما يهاب به العظماء ، ويوقر الكبراء ، أما الصوت الذي يرفع في حرب أو مجادلة معاند ، أو إرهاب عدو ، ونحو ذلك فليس منهيا عنه ، لأنه لمصلحة ، ففي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال للعباس بن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين : ( اصرخ بالناس ) ، وكان العباس أجهر الناس صوتا ، يروى أن غارة أتتهم يوما ، فصاح العباس : يا صباحاه ! فأسقطت الحوامل لشدة صوته .

( ج ) لقد تأدب المسلمون بهذا الأدب الرفيع ، فقال أبو بكر الصديق : والله يا رسول الله لا أكلمك إلا إسرارا أو كأخي السرار . وسلك عمر مثله في خفض صوته ، فكان إذا تكلم عند النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمع كلامه حتى يستفهمه .

وفعل مثل ذلك ثابت بن قيس ، لما نزل قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي . . . } فقد دخل بيته ، وأغلق عليه بابه ، ففقده النبي صلى الله عليه وسلم ، فأرسل إليه يسأل ما خبره ؟ فقال : أنا رجل شديد الصوت ، وأنا أخاف أن يكون حبط عملي . فقال صلى الله عليه وسلم : ( لست منهم ، بل تعيش حميدا ، وتقتل شهيدا ، وتدخل الجنة )5 .

فتثبت ثباتا حميدا يوم اليمامة في قتال مسيلمة الكذاب ، حتى مات شهيدا ، وترك ذكرا حميدا .