مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا} (36)

قوله تعالى : { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا } .

واعلم أنه تعالى لما أرشد كل واحد من الزوجين إلى المعاملة الحسنة مع الآخر وإلى إزالة الخصومة والخشونة ، أرشد في هذه الآية إلى سائر الأخلاق الحسنة وذكر منها عشرة أنواع .

النوع الأول : قوله : { واعبدوا الله } قال ابن عباس : المعنى وحدوه ، واعلم أن العبادة عبارة عن كل فعل وترك يؤتى به لمجرد أمر الله تعالى بذلك ، وهذا يدخل فيه جميع أعمال القلوب وجميع أعمال الجوارح ، فلا معنى لتخصيص ذلك بالتوحيد ، وتحقيق الكلام في العبادة قد تقدم في سورة البقرة في قوله تعالى : { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } .

النوع الثاني : قوله : { ولا تشركوا به شيئا } وذلك لأنه تعالى لما أمر بالعبادة بقوله : { واعبدوا الله } أمر بالإخلاص في العبادة بقوله : { ولا تشركوا به شيئا } لأن من عبد مع الله غيره كان مشركا ولا يكون مخلصا ، ولهذا قال تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } .

النوع الثالث : قوله : { وبالوالدين إحسانا } واتفقوا على أن ههنا محذوفا ، والتقدير : وأحسنوا بالوالدين إحسانا كقوله : { فضرب الرقاب } أي فاضربوها ، ويقال : أحسنت بفلان ، وإلى فلان . قال كثير :

أسيئي بنا أو أحسنى لا ملومة *** لدنيا ولا مقلية إن تقلت

واعلم أنه تعالى قرن إلزام بر الوالدين بعبادته وتوحيده في مواضع : أحدها : في هذه الآية ، وثانيها : قوله : { وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا } وثالثها : قوله : { أن اشكر لي ولوالديك إلى المصير } وكفى بهذا دلالة على تعظيم حقهما ووجوب برهما والإحسان إليهما . ومما يدل على وجوب البر إليهما قوله تعالى : { فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما } وقال : { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } وقال في الوالدين الكافرين : { وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا } وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس ) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن استأذنه في الجهاد ، فقال عليه السلام : «هل لك أحد باليمن فقال أبواي فقال : أبواك أذنا لك فقال لا فقال فارجع واستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما » .

واعلم أن الإحسان إلى الوالدين هو أن يقوم بخدمتهما ، وألا يرفع صوته عليهما ، ولا يخشن في الكلام معهما ، ويسعى في تحصيل مطالبهما والإنفاق عليهما بقدر القدرة من البر ، وأن لا يشهر عليهما سلاحا ، ولا يقتلهما ، قال أبو بكر الرازي : إلا أن يضطر إلى ذلك بأن يخاف أن يقتله أن ترك قتله ، فحينئذ يجوز له قتله ؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك كان قد قتل نفسه بتمكين غيره منه ، وذلك منهي عنه ، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل أبيه وكان مشركا .

النوع الرابع : قوله تعالى : { وبذي القربى } وهو أمر بصلة الرحم كما ذكر في أول السورة بقوله : { والأرحام } .

واعلم أن الوالدين من الأقارب أيضا ، إلا أن قرابة الولاد لما كانت مخصوصة بكونها أقرب القرابات وكانت مخصوصة بخواص لا تحصل في غيرها ، لا جرم ميزها الله تعالى في الذكر عن سائر الأنواع ، فذكر في هذه الآية قرابة الولاد ، ثم أتبعها بقرابة الرحم .

النوع الخامس : قوله : { واليتامى } واعلم أن اليتيم مخصوص بنوعين من العجز : أحدهما : الصغر ، والثاني : عدم المنفق ، ولا شك أن من هذا حاله كان في غاية العجز واستحقاق الرحمة . قال ابن عباس : يرفق بهم ويربيهم ويمسح رأسهم ، وإن كان وصيا لهم فليبالغ في حفظ أموالهم .

النوع السادس : قوله : { والمساكين } واعلم أنه وإن كان عديم المال إلا أنه لكبره يمكنه أن يعرض حال نفسه على الغير ، فيجلب به نفعا أو يدفع به ضررا ، وأما اليتيم فلا قدرة له عليه ، فلهذا المعنى قدم الله اليتيم في الذكر على المسكين ، والإحسان إلى المسكين إما بالإجمال إليه ، أو بالرد الجميل . كما قال تعالى : { وأما السائل فلا تنهر } .

النوع السابع : قوله : { والجار ذي القربى } قيل : هو الذي قرب جواره ، والجار الجنب هو الذي بعد جواره . قال عليه الصلاة والسلام : «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ألا وإن الجوار أربعون دارا » وكان الزهري يقول : أربعون يمنة ، وأربعون يسرة ، وأربعون أماما وأربعون خلفا . وعن أبي هريرة قيل : يا رسول الله إن فلانة تصوم النهار وتصلي الليل وفي لسانها شيء يؤذي جيرانها ، أي هي سليطة ، فقال عليه الصلاة والسلام : «لا خير فيها هي في النار » وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : «والذي نفس محمد بيده لا يؤدي حق الجار إلا من رحم الله وقليل ما هم أتدرون ما حق الجار إن افتقر أغنيته وإن استقرض أقرضته وان أصابه خير هنأته وإن أصابه شر عزيته وإن مرض عدته وإن مات شيعت جنازته » وقال آخرون : عني بالجار ذي القربى : القريب النسيب ، وبالجار الجنب : الجار الأجنبي ، وقرئ ( والجار ذا القربى ) نصبا على الاختصاص ، كما قرئ { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } تنبيها على عظم حقه ، لأنه اجتمع فيه موجبان . الجوار والقرابة .

النوع الثامن : قوله : { والجار الجنب } وقد ذكرنا تفسيره . قال الواحدي : الجنب نعت على وزن فعل ، وأصله من الجنابة ضد القرابة وهو البعيد . يقال : رجل جنب إذا كان غريبا متباعدا عن أهله ، ورجل أجنبي وهو البعيد منك في القرابة . وقال تعالى : { واجنبنى وبنى } أي بعدني ، والجانبان الناحيتان لبعد كل واحد منهما عن الآخر ، ومنه الجنابة من الجماع لتباعده عن الطهارة وعن حضور المساجد للصلاة ما لم يغتسل ، ومنه أيضا الجنبان لبعد كل واحد منهما عن الآخر . وروى المفضل عن عاصم : { والجار الجنب } بفتح الجيم وسكون النون وهو يحتمل معنيين : أحدهما : أنه يريد بالجنب الناحية ، ويكون التقدير : والجار ذي الجنب فحذف المضاف ، لأن المعنى مفهوم والآخر : أن يكون وصفا على سبيل المبالغة ، كما يقال : فلان كرم وجود .

النوع التاسع : قوله : { والصاحب بالجنب } وهو الذي صحبك بأن حصل بجنبك إما رفيقا في سفر ، وإما جارا ملاصقا ، وإما شريكا في تعلم أو حرفة ، وإما قاعدا إلى جنبك في مجلس أو مسجد أو غير ذلك ، من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه ، فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإحسان . وقيل : الصاحب الجنب : المرأة فأنها تكون معك وتضجع إلى جنبك .

النوع العاشر : قوله : { وابن السبيل } وهو المسافر الذي انقطع عن بلده ، وقيل : الضيف .

النوع الحادي عشر : قوله : { وما ملكت أيمانكم } .

واعلم أن الإحسان إلى المماليك طاعة عظيمة ، روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «من ابتاع شيئا من الخدم فلم توافق شيمته شيمته فليبع وليشتر حتى توافق شيمته شيمته فإن للناس شيما ولا تعذبوا عباد الله » وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان آخر كلامه : «الصلاة وما ملكت أيمانكم » وروي أنه كان رجل بالمدينة يضرب عبده ، فيقول العبد أعوذ بالله ويستمعه الرسول عليه السلام ، والسيد كان يزيده ضربا ، فطلع الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقال : أعوذ برسول الله فتركه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله كان أحق أن يجار عائذه » قال يا رسول الله فإنه حر لوجه الله ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : «والذي نفس محمد بيده لو لم تقلها لدافع وجهك سفع النار » .

واعلم أن الإحسان إليهم من وجوه : أحدها : أن لا يكلفهم ما لا طاقة لهم به ، وثانيها : أن لا يؤذيهم بالكلام الخشن بل يعاشرهم معاشرة حسنة ، وثالثها : أن يعطيهم من الطعام والكسوة ما يحتاجون إليه . وكانوا في الجاهلية يسيئون إلى المملوك فيكلفون الإماء البغاء ، وهو الكسب بفروجهن وبضوعهن . وقال بعضهم : كل حيوان فهو مملوك ، والإحسان إلى الكل بما يليق به طاعة عظيمة .

واعلم أن ذكر اليمين تأكيد وهو كما يقال : مشت رجلك ، وأخذت يدك ، قال عليه الصلاة والسلام : «على اليد ما أخذت » وقال تعالى : { مما عملت أيدينا أنعاما } ولما ذكر تعالى هذه الأصناف قال : { إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا } والمختال ذو الخيلاء والكبر .

قال ابن عباس : يريد بالمختال العظيم في نفسه الذي لا يقوم بحقوق أحد . قال الزجاج : وإنما ذكر الاختيال ههنا ، لأن المختال يأنف من أقاربه إذا كانوا فقراء ، ومن جيرانه إذا كانوا ضعفاء فلا يحسن عشرتهم . وذكرنا اشتقاق هذه اللفظة عند قوله : { والخيل المسومة } ومعنى الفخر التطاول ، والفخور الذي يعدد مناقبه كبرا وتطاولا . قال ابن عباس : هو الذي يفخر على عباد الله بما أعطاه الله من أنواع نعمه ، وإنما خص الله تعالى هذين الوصفين بالذم في هذا الموضع ، لأن المختال هو المتكبر ، وكل من كان متكبرا فإنه قلما يقوم برعاية الحقوق ، ثم أضاف إليه ذم الفخور لئلا يقدم على رعاية هذه الحقوق لأجل الرياء والسمعة ، بل لمحض أمر الله تعالى .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا} (36)

24

هناك أكثر من مناسبة واحدة ، تربط بين مطلع هذا الدرس ؛ وبين محور السورة كلها ، وموضوعاتها الأساسية من ناحية ؛ وبينه وبين موضوعات الدرس السابق في هذا الجزء من ناحية أخرى .

فهذا الدرس بدء جولة في تنظيم حياة المجتمع المسلم ؛ وتخليصه من رواسب الجاهلية ، وتثبيت الملامح الإسلامية الجديدة ؛ والتحذير من أهل الكتاب - وهم اليهود بالمدينة - وما جبلوا عليه من شر ونكر ؛ وما ينفثونه في المجتمع المسلم ، وما يبذلونه من جهود لتعويق نموه وتكامله - وبخاصة من الناحية الأخلاقية ، وناحية التكافل والتعاون ، اللتين هما موضع القوة النامية في هذا المجتمع الجديد . .

ولأن الدرس الجديد جولة جديدة ، فقد بدأ بالقاعدة الأولية التي يقوم عليها المجتمع المسلم - قاعدة التوحيد الخالص - التي تنبثق منها حياته ؛ وينبثق منها منهج هذه الحياة ، في كل جانب ، وفي كل اتجاه .

وقد سبق هذا الدرس أشواط منوعة في التنظيم العائلي ، والتنظيم الاجتماعي . وكان الحديث في الدرس السابق عن الأسرة وتنظيمها ووسائل صيانتها ، والروابط التي تشدها وتوثق بناءها . . فجاء هذا الدرس يتناول علاقات إنسانية - في المجتمع المسلم - أوسع مدى من علاقات الأسرة ؛ ومتصلة بها كذلك . متصلة بها بالحديث عن الوالدين . ومتصلة بها في توسعها بعد علاقة الوالدين ، لتشمل علاقات أخرى ؛ ينبع الشعور بها من المشاعر الودود الطيبة التي تنشأ في جو الأسرة المتحابة ؛ حتى تفيض على جوانب الإنسانية الأخرى ؛ ويتعلمها الإنسان - أول من يتعلمها - في جو الأسرة الحاني ومحضنها الرفيق . ومن هناك يتوسع في علاقاته بأسرة الإنسانية كلها ؛ بعدما بذرت بذورها في حسه أسرته الخاصة القريبة .

ولأن في الدرس الجديد توجيهات إلى رعاية الأسرة القريبة - العائلة - والأسرة الكبيرة - الإنسانية - وإقامة قيم وموازين في هذا الحقل ، للباذلين وللباخلين . . فقد ابتدأ الدرس بالقاعدة الأساسية التي تنبثق منها كل القيم والموازين - كما ينبثق منها منهج الحياة كله في المجتمع المسلم - وهي قاعدة التوحيد . . وربط كل حركة وكل نشاط ، وكل خالجة وكل انفعال بمعنى العبادة لله . التي هي غاية كل نشاط إنساني ، في ضمير المسلم وفي حياته . .

وبسبب من الحديث عن عبادة الله وحده - في محيطها الشامل - جاءت الفقرة الثانية في الدرس ؛ تبين بعض أحكام الصلاة والطهارة ؛ وتتخذ خطوة في طريق تحريم الخمر - ولم تكن قد حرمت بعد - باعتبار هذه الخطوة جزءا من برنامج التربية الإسلامية العامة الدائبة الخطى في المجتمع الوليد . وباعتبار علاقتها بالعبادة والصلاة والتوحيد . .

حلقات متماسكة بعضها مع بعض . ومع الدرس السابق . ومع محور السورة كذلك .

واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا ، وبالوالدين إحسانًا ، وبذي القربي واليتامى والمساكين ، والجار ذي القربي والجار الجنب والصاحب بالجنب ، وابن السبيل ، وما ملكت أيمانكم . . إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ، الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ، ويكتمون ما آتاهم الله من فضله . وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا . والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر . ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا ! وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله ، وكان الله بهم عليما . إن الله لا يظلم مثقال ذرة ، وإن تك حسنة يضاعفها ، ويؤت من لدنه أجرا عظيما . فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ، وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ؟ يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ، ولا يكتمون الله حديثا . .

هذه الفقرة تبدأ بالأمر بعبادة الله وحده ، والنهي عن إشراك شيء به . . تبدأ بحرف عطف يربط بين هذا الأمر ، وهذا النهي ، والأوامر السابقة الخاصة بتنظيم الأسرة في أواخر الدرس الماضي . فيدل هذا الربطبين الموضوعين على الوحدة الكلية الشاملة المتكاملة في هذا الدين . فليس هو مجرد عقيدة تستكن في الضمير ؛ ولا مجرد شعائر تقام وعبادات ؛ ولا مجرد تنظيم دنيوي منقطع الصلة بالعقيدة وبالشعائر التعبدية . . إنما هو منهج يشمل هذا النشاط كله ، ويربط بين جوانبه ، ويشدها جميعا إلى الأصل الأصيل . وهو توحيد الله . والتلقي منه وحده - في هذا النشاط كله - دون سواه . توحيده إلها معبودا . وتوحيده مصدرا للتوجيه والتشريع لكل النشاط الإنساني أيضا . لا ينفك هذا التوحيد عن ذاك - في الإسلام - وفي دين الله الصحيح على الإطلاق .

ويلي الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك ، الأمر بالإحسان إلى تلك المجموعات من الأسرة الخاصة ، والأسرة الإنسانية ؛ وتقبيح البخل والخيلاء والفخر وأمر الناس بالبخل ، وكتمان فضل الله - من أي نوع سواء كان من المال أم من العلم والدين - والتحذير من اتباع الشيطان ؛ والتلويح بعذاب الآخرة ، وما فيه من خزي وافتضاح . . لربط هذا كله بالتوحيد ؛ وتحديد المصدر الذي يتلقى منه من يعبد الله ولا يشرك به شيئا . وهو مصدر كذلك واحد لا يتعدد ولا يشاركه أحد في التوجيه والتشريع ؛ كما لا يشاركه أحد في الألوهية وعبادة الناس له بلا شريك .

( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا . وبالوالدين إحسانا . وبذي القربى واليتامى والمساكين ، والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب . وابن السبيل ، وما ملكت أيمانكم . . . ) .

إن التشريعات والتوجيهات - في منهج الله - إنما تنبثق كلها من أصل واحد ، وترتكز على ركيزة واحدة . إنها تنبثق من العقيدة في الله ، وترتكز على التوحيد المطلق سمة هذه العقيدة . . ومن ثم يتصل بعضها ببعض ؛ ويتناسق بعضها مع بعض ؛ ويصعب فصل جزئية منها عن جزئية ؛ وتصبح دراسة أي منها ناقصة بدون الرجوع إلى أصلها الكبير الذي تلتقي عنده ؛ ويصبح العمل ببعضها دون البعض الآخر غير واف بتحقيق صفة الإسلام ؛ كما أنه غير واف بتحقيق ثمار المنهج الإسلامي في الحياة .

من العقيدة في الله تنبع كل التصورات الأساسية للعلاقات الكونية والحيوية والإنسانية . تلك التصورات التي تقوم عليها المناهج الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية والعالمية . والتي تؤثر في علاقات الناس بعضهم ببعض ، في كل مجالي النشاط الإنساني في الأرض ؛ والتي تكيف ضمير الفرد وواقع المجتمع ؛ والتي تجعل المعاملات عبادات - بما فيها من اتباع لمنهج الله ومراقبة الله - والعبادات قاعدة للمعاملات - بما فيها من تطهير للضمير والسلوك - والتي تحيل الحياة في النهاية وحدة متماسكة ؛ تنبثق من المنهج الرباني ، وتتلقى منه وحده دون سواه ، وتجعل مردها في الدنيا والآخرة إلى الله .

هذه السمة الأساسية في العقيدة الإسلامية ، وفي المنهج الإسلامي ، وفي دين الله الصحيح كله ، تبرز هنا في تصدير آية الإحسان إلى الوالدين والأقربين ، وغيرهم من طوائف الناس . بعبادة الله وتوحيده - كما أسلفنا - ثم في الجمع بين قرابة الوالدين ، وقرابة هذه الطوائف من الناس ، متصلة هذه وتلك بعبادة الله وتوحيده - كذلك - وذلك بعد أن جعل هذه العبادة وهذا التوحيد واسطة ما بين دستور الأسرة القريبة في نهاية الدرس الماضي ، ودستور العلاقات الإنسانية الواسعة في هذا الدرس - على النحو الذي بينا من قبل - ليصلها جميعا بتلك الآصرة التي تضم الأواصر جميعا ؛ وليوحد المصدر الذي يشرع ويوجه في شأن هذه الأواصر جميعا . .

اعبدوا الله . . ولا تشركوا به شيئًا . .

الأمر الأول بعبادة الله . . والنهي الثاني لتحريم عبادة أحد - معه - سواه . نهيا باتا ، شاملا ، لكل أنواع المعبودات التي عرفتها البشرية : ( ولا تشركوا به شيئًا ) شيئا كائنا ما كان ، من مادة أو حيوان أو إنسانأو ملك أو شيطان . . فكلها مما يدخل في مدلول كلمة شيء ، عند إطلاق التعبير على هذا المنوال . .

ثم ينطلق إلى الأمر بالإحسان إلى الوالدين - على التخصيص - ولذوي القربي - على التعميم - ومعظم الأوامر تتجه إلى توصية الذرية بالوالدين - وإن كانت لم تغفل توجيه الوالدين إلى الذرية ؛ فقد كان الله أرحم بالذراري من آبائهم وأمهاتهم في كل حال . والذرية بصفة خاصة أحوج إلى توجيهها للبر بالوالدين . بالجيل المدبر المولي . إذ الأولاد - في الغالب - يتجهون بكينونتهم كلها ، وبعواطفهم ومشاعرهم واهتماماتهم إلى الجيل الذي يخلفهم ؛ لا الجيل الذي خلفهم ! وبينما هم مدفوعون في تيار الحياة إلى الأمام ، غافلون عن التلفت إلى الوراء ، تجيئهم هذه التوجيهات من الرحمن الرحيم ، الذي لا يترك والدا ولا مولودا ، والذي لا ينسى ذرية ولا والدين ؛ والذي يعلم عباده الرحمة بعضهم ببعض ، ولو كانوا ذرية أو والدين !

كذلك يلحظ في هذه الآية - وفي كثير غيرها - أن التوجيه إلى البر يبدأ بذوي القربي - قرابة خاصة أو عامة - ثم يمتد منها ويتسع نطاقه من محورها ، إلى بقية المحتاجين إلى الرعاية من الأسرة الأنسانية الكبيرة . وهذا المنهج يتفق - أولا - مع الفطرة ويسايرها . فعاطفة الرحمة ، ووجدان المشاركة ، يبدآن أولا في البيت . في الأسرة الصغيرة . وقلما ينبثقان في نفس لم تذق طعم هذه العاطفة ولم تجد مس هذا الوجدان في المحضن الأول . والنفس كذلك أميل إلى البدء بالأقربين - فطرة وطبعا - ولا بأس من ذلك ولا ضير ؛ ما دامت توجه دائما إلى التوسع في الدائرة من هذه النقطة ومن هذا المحور . . ثم يتفق المنهج - ثانيا - مع طريقة التنظيم الاجتماعي الإسلامية : من جعل الكافل يبدأ في محيط الأسرة ؛ ثم ينساح في محيط الجماعة . كي لا يركز عمليات التكافل في يد الأجهزة الحكومية الضخمة - إلا عندما تعجز الأجهزة الصغيرة المباشرة - فالوحدات المحلية الصغيرة أقدر على تحقيق هذا التكافل : في وقته المناسب وفي سهولة ويسر . وفي تراحم وود يجعل جو الحياة لائقا ببني الإنسان !

وهنا يبدأ بالإحسان إلى الوالدين . ويتوسع منهما إلى ذوي القربي . ومنهم إلى اليتامى والمساكين - ولو أنهم قد يكونون أبعد مكانا من الجار . ذلك أنهم أشد حاجة وأولى بالرعاية - ثم الجار ذو القرابة . فالجار الأجنبي - مقدمين على الصاحب المرافق - لأن الجار قربه دائم ، أما الصاحب فلقاؤه على فترات - ثم الصاحب المرافق - وقد ورد في تفسيره أنه الجليس في الحضر ، الرفيق في السفر - ثم ابن السبيل . العابر المنقطع عن أهله وماله . ثم الرقيق الذين جعلتهم الملابسات " ملك اليمين " ولكنهم يتصلون بآصرة الإنسانية الكبرى بين بني آدم أجمعين .

ويعقب على الأمر بالإحسان ، بتقبيح الاختيال والفخر

( إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ) .