قوله تعالى : { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم } .
أول هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة ، فإن آخرها قوله تعالى : { فهل يهلك إلا القوم الفاسقون } فإن قال قائل كيف يهلك الفاسق وله أعمال صالحة كإطعام الطعام وصلة الأرحام وغير ذلك ؟ مما لا يخلو عنه الإنسان في طول عمره فيكون في إهلاكه إهدار عمله وقد قال تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } وقال تعالى : { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم } أي لم يبق لهم عمل ولم يوجد فلم يمتنع الإهلاك ، وسنبين كيف إبطال الأعمال مع تحقيق القول فيه ، وتعالى الله عن الظلم ، وفي التفسير مسائل :
المسألة الأولى : من المراد بقوله { الذين كفروا } ؟ قلنا فيه وجوه ( الأول ) هم الذين كانوا يطعمون الجيش يوم بدر منهم أبو جهل والحرث ابنا هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وغيرهم ( الثاني ) كفار قريش ( الثالث ) أهل الكتاب ( الرابع ) هو عام يدخل فيه كل كافر .
المسألة الثانية : في الصد وجهان ( أحدهما ) صدوا أنفسهم معناه أنهم صدوا أنفسهم عن السبيل ومنعوا عقولهم من اتباع الدليل ( وثانيهما ) صدوا غيرهم ومنعوهم كما قال تعالى عن المستضعفين { قال الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين } وعلى هذا بحث : وهو أن إضلال الأعمال مرتب على الكفر والصد ، والمستضعفون لم يصدوا فلا يضل أعمالهم ، فنقول التخصيص بالذكر لا يدل على نفي ما عداه ، ولاسيما إذا كان المذكور أولى بالذكر من غيره وهاهنا الكافر الصاد أدخل في الفساد فصار هو أولى بالذكر أو نقول كل من كفر صار صادا لغيره ، أما المستكبر فظاهر ، وأما المستضعف فلأنه بمتابعته أثبت للمستكبر ما يمنعه من اتباع الرسول فإنه بعد ما يكون متبوعا يشق عليه بأن يصير تابعا ، ولأن كل من كفر صار صادا لمن بعده لأن عادة الكفار اتباع المتقدم كما قال عنهم { إنا وجدنا ءاباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون } أو مقتدون ، فإن قيل فعلى هذا كل كافر صاد فما الفائدة في ذكر الصد بعد الكفر نقول هو من باب ذكر السبب وعطف المسبب عليه تقول أكلت كثيرا وشبعت ، والكفر على هذا سبب الصد ، ثم إذا قلنا بأن المراد منه أنهم صدوا أنفسهم ففيه إشارة إلى أن ما في الأنفس من الفطرة كان داعيا إلى الإيمان ، والامتناع لمانع وهو الصد لنفسه .
المسألة الثالثة : في المصدود عنه وجوه ( الأول ) عن الإنفاق على محمد عليه السلام وأصحابه ( الثاني ) عن الجهاد ( الثالث ) عن الإيمان ( الرابع ) عن كل ما فيه طاعة الله تعالى وهو اتباع محمد عليه السلام ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم على الصراط المستقيم هاد إليه ، وهو صراط الله قال تعالى : { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله } فمن منع من اتباع محمد عليه السلام فقد صد عن سبيل الله .
المسألة الرابعة : في الإضلال وجوه ( الأول ) المراد منه الإبطال ، ووجهه هو أن المراد أنه أضله بحيث لا يجده ، فالطالب إنما يطلبه في الوجود ، وما لا يوجد في الوجود فهو معدوم . فإن قيل كيف يبطل الله حسنة أوجدها ؟ نقول إن الإبطال على وجوه ( أحدها ) يوازن بسيئاتهم الحسنات التي صدرت منهم ويسقطها بالموازنة ويبقي لهم سيئات محضة ، لأن الكفر يزيد على غير الإيمان من الحسنات والإيمان يترجح على غير الكفر من السيئات ( وثانيها ) أبطلها لفقد شرط ثبوتها وإثباتها وهو الإيمان لأنه شرط قبول العمل قال تعالى : { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن } وإذا لم يقبل الله العمل لا يكون له وجود لأن العمل لا بقاء له في نفسه بل هو يعدم عقيب ما يوجد في الحقيقة غير أن الله تعالى يكتب عنده بفضله أن فلانا عمل صالحا وعندي جزاؤه فيبقى حكما ، وهذا البقاء حكما خير من البقاء الذي للأجسام التي هي محل الأعمال حقيقة ، فإن الأجسام وإن بقيت غير أن مآلها إلى الفناء والعمل الصالح من الباقيات عند الله أبدا ، وإذا ثبت هذا تبين أن الله بالقبول متفضل ، وقد أخبر أني لا أقبل إلا من مؤمن فمن عمل وتعب من غير سبق الإيمان فهو المضيع تعبه لا الله تعالى وثالثها : لم يعمل الكافر عمله لوجه الله تعالى فلم يأت بخير فلا يرد علينا قوله { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } وبيانه هو أن العمل لا يتميز إلا بمن له العمل لا بالعامل ولا بنفس العمل ، وذلك لأن من قام ليقتل شخصا ولم يتفق قتله ، ثم قال ليكرمه ولم يتفق الإكرام ولا القتل ، وأخبر عن نفسه أنه قام في اليوم الفلاني لقتله وفي اليوم الآخر لإكرامه يتميز القيامان لا بالنظر إلى القيام فإنه واحد ولا بالنظر إلى القائم فإنه حقيقة واحدة ، وإنما يتميز بما كان لأجله القيام ، وكذلك من قام وقصد بقيامه إكرام الملك وقام وقصد بقيامه إكرام بعض العوام يتميز أحدهما عن الآخر بمنزلة العمل لكن نسبة الله الكريم إلى الأصنام فوق نسبة الملوك إلى العوام فالعمل للأصنام ليس بخير ثم إن اتفق أن يقصد واحد بعمله وجه الله تعالى ومع ذلك يعبد الأوثان لا يكون عمله خيرا ، لأن مثل ما أتى به لوجه الله أتى به للصنم المنحوت فلا تعظيم ( الوجه الثاني ) الإضلال هو جعله مستهلكا وحقيقته هو أنه إذا كفر وأتى للأحجار والأخشاب بالركوع والسجود فلم يبق لنفسه حرمة وفعله لا يبقى معتبرا بسبب كفره ، وهذا كمن يخدم عند الحارس والسايس إذا قام فالسلطان لا يعمل قيامه تعظيما لخسته كذلك الكافر ، وأما المؤمن فبقدر ما يتكبر على غير الله يظهر تعظيمه لله ، كالملك الذي لا ينقاد لأحد إذا انقاد في وقت لملك من الملوك يتبين به عظمته ( الوجه الثالث ) { أضله } أي أهمله وتركه ، كما يقال أضل بعيره إذا تركه مسيبا فضاع .
أهداف سورة محمد صلى الله عليه وسلم
هي سورة مدنية ، وآياتها 38 آية ، نزلت بعد سورة الحديد ، ولها اسمان : سورة محمد ، وسورة القتال .
والقتال عنصر بارز في السورة ، بل هو موضوعها الرئيسي ، فقد نزلت بعد غزوة بدر وقبل غزوة الأحزاب ، أي في الفترة الأولى من حياة المسلمين بالمدينة ، حيث كان المؤمنون يتعرضون لعنت المشركين ، وكيد المنافقين ، ودسائس اليهود .
يمكن أن نقسم سورة ( محمد ) إلى ثلاثة أقسام :
- القسم الأول : يحرض على قتال المشركين ويحث عليه ، ويشمل الآيات ( 1-15 ) .
- القسم الثاني : يفضح المنافقين ويكشف نفاقهم ، ويشمل الآيات ( 16-30 ) .
- القسم الثالث : دعوة المسلمين إلى مواصلة الجهاد بالنفس والمال ، ويشمل الآيات ( 31-38 ) .
1- التحريض على قتال المشركين :
تبدأ السورة بالهجوم على المشركين وتبين هلاكهم وضياعهم وضلالهم ، لقد سلب الله عنهم الهدى والتوفيق ، فاتبعوا الباطل وانحرفوا إلى الضلال ، أما المؤمنون فقد آمنوا بالله وبرسوله ؛ فكّفر الله ذنوبهم ورزقهم صلاح البال وهدوء النفس ونعمة الرضا واليقين .
وشتان بين مؤمن راسخ الإيمان ، صادق اليقين ، معتمد على رب كريم حليم ، وبين كافر ضال يبيع الحق ويشتري الباطل ، ويفرط في الإيمان والهدى ، ويتبع الشرك والضلال .
ثم تحت السورة المسلمين على قتال المشركين ، وقطع شوكتهم وهدم جبروتهم ، وإزالة قوتهم من طريق المسلمين : { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب . . . } وهذا الضرب بعد عرض الإسلام عليهم وإبائهم له ، { حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق . . . } والإثخان شدة التقتيل حتى تتحطم قوة العدو وتتهاوى فلا تعود به قدرة على هجوم أو دفاع ، وعندئذ يؤسر من استأسر ويشد وثاقه : { فإما منا بعد وإما فداء . . . } أي إما أن يطلق سراحهم بعد ذلك بلا مقابل ، وإما أن يطلق سراحهم مقابل فدية من مال أو عمل ، أو في نظير إطلاق سراح المسلمين والمأسورين . { حتى تضع الحرب أوزارها . . . } ( محمد : 4 ) . أي : حتى تنتهي الحرب بين الإسلام وأعدائه المناوئين له .
ولو شاء الله لانتقم من المشركين وأهلكهم كما أهلك من سبقهم بالطوفان والصيحة والريح العقيم ، ولكن الله أراد أن يختبر قوة المؤمنين ، وأن يجعلهم سبيلا لإعزاز الدين وإهلاك الكافرين ، والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضيع أعمالهم ، فهم شهداء عند الله يتمتعون بجنات خالدة ونعيم مقيم ، وأرواحهم في حواصل طير خضر تسبح حول الجنة ، وتأكل من ثمارها وتقيم في ألوان النعيم ، وقد وعد الله الشهداء بحسن المثوبة والكرامة والهداية وصلاح البال ودخول الجنة ؛ لأنهم نصروا دين الله فسينصرهم الله ويثبت أقدامهم ، كما توعد الكافرين بالتعاسة والضلال والهلاك جزاء كفرهم وعنادهم .
وتسوق السورة ألوانا من التهديد للمشركين ، فتأمرهم أن يسيروا في الأرض فينظروا ماذا أصاب المكذبين من الهلاك والدمار ، ثم تمضي السورة في ألوان من الحديث حول الكفر والإيمان ، فتصف المؤمنين بأنهم في ولاية الله ورعايته ، والكفار محرومون من هذه الولاية .
وتفرق السورة بين متاع المؤمنين بالطيبات ، وتمتع الكافرين بلذائذ الأرض كالحيوانات : { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم } . ( محمد : 12 ) .
إن الفارق الرئيسي بين الإنسان والحيوان أن للإنسان إرادة وهدفا وتصورا خاصا للحياة يقوم على أصولها الصحيحة المتلقاة من الله خالق الحياة ، فإذا فقد هذا فقد أهم خصائص الإنسان المميزة لجنسه ، وأهم المزايا التي من أجلها كرمه الله .
ثم تمضي السورة في سلسلة من الموازنات بين المؤمن المتيقن والكافر الذي اتبع هواه وشيطانه ، وزين له سوء العمل : { أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم } . ( محمد : 14 ) .
كما تصف الآيات متاع المؤمنين في الجنة بشتى الأشربة الشهية ، من ماء غير آسن ، ولبن لم يتغير طعمه ، وخمرة لذة للشاربين ، وعسل مصفى ، في وفر وفيض ، في صورة أنهار جارية ، وذلك مع شتى الثمرات ، ومع المغفرة والرضوان ، ثم سؤال : أهؤلاء المتمتعون بالجنة والرضوان ، { كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم } . ؟
تشمل الآيات ( 16-30 ) المقطع الثاني من سورة محمد ، وفيها حديث عن المنافقين وصفاتهم ، وحركة النفاق حركة مدنية لم يكن لها وجود في مكة نظرا لضعف المسلمين في مكة وتفوق أعدائهم ، فلما هاجر المسلمون إلى المدينة وبدأ شأن الإسلام في الظهور والاستعلاء ، بدأت حركة النفاق في الظهور والنمو ، وساعدها على الظهور وجود اليهود في المدينة ولهم قوة مادية وفكرية ، وكراهيتهم للدين الجديد ، وسرعان ما اجتمع اليهود مع المنافقين على هدف واحد ، ودبروا أمرهم بليل ، فأخذ المنافقون في حبك المؤامرات ودس الدسائس في كل مناسبة تعرض ، فإن كان المسلمون في شدة ظهروا بعدائهم وجهروا ببغضائهم ، وإذا كانوا في رخاء ظلت الدسائس سرية والمكائد في الظلام ، وكانوا إلى منتصف العهد المدني يشكلون خطرا حقيقيا على الإسلام والمسلمين ، وقد تواتر ذكر المنافقين ووصف دسائسهم والتنديد بمؤامراتهم وأخلاقهم في السور المدنية ، كما تكرر ذكر اتصالهم باليهود وتلقيهم عنهم ، واشتراكهم معهم في بعض المؤامرات المحبوكة .
والحديث عن المنافقين في سورة ( محمد ) يحمل فكرتها ، ويصور شدتها في مواجهة المشركين والمنافقين ، بل إن المنافقين هم فرع من الكافرين ، أظهروا الملاينة وأبطنوا الكفر والخداع ، أو هم فرع من اليهود يعمل بأمرهم ، وينفذ كيدهم ومكرهم ، فمن هؤلاء المنافقين من يستمع إلى النبي بأذنه ويغيب عنه بوعيه وقلبه ، فإذا خرج من مجلس النبي تظاهر بالحرص على الدين ، فسأل الصحابة عما قاله النبي سؤال سخرية واستهزاء ، أو سؤال تظاهر ورياء .
أولئك المنافقون قد طمس الله على أفئدتهم فلا تفقه ، وقد اتبعوا أهواءهم ، فقادهم الهوى إلى الهلاك .
بينما المتقون المهتدون يزيدهم الله هدى ويمنحهم التقوى والرشاد ، ثم يتهدد القرآن المنافقين بالساعة ، فإذا جاءت فلا يملكون الهداية ولا تنفعهم الندامة .
{ فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم } . ( محمد : 18 ) .
ثم تصور الآيات جبن المنافقين وهلعهم وتهافتهم إذا ووجهوا بالقرآن يكلفهم بالقتال ، فهم يتظاهرون بالإيمان ، فإذا أنزلت سورة لا تشابه فيها وذكر فيها الجهاد ؛ رأيت المنافقين ينظرون إليك يا محمد نظرا كنظر من هو في النزع الأخير ، تشخص أبصارهم ، لذلك كانوا جديرين لأن يهددهم الله بالويل والهلاك .
وتحثهم الآيات على الطاعة والصدق والثبات : { فأولى لهم * طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم } . ( محمد : 20 ، 21 ) .
وبذلك يفتح القرآن الباب لمن يريد الطهارة الحسية والنفسية من المنافقين ومن جميع المخاطبين .
ثم يحثهم على تدبر القرآن وتأمله حثا يحرك المشاعر ويستجيش القلوب ويخلص الضمير .
وتمضي الآيات في تصوير حال المنافقين ، وبيان سبب توليهم عن الإيمان بعد إذ شارفوه ، فتبين أنه تآمرهم مع اليهود ، ووعدهم لهم بالطاعة فيما يدبرون .
لقد كره اليهود الإسلام وتألبوا عليه ، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة شنوا عليه حرب الدس والمكر والكيد ، وانضم المنافقون لليهود يقولون لهم سرا : { سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم } . ( محمد : 26 ) .
ثم يتهدد القرآن المنافقين بملائكة العذاب ، لأنهم تركوا طريق الإسلام ، وانضموا إلى دسائس الحاقدين عليه .
وفي نهاية المقطع يتهددهم بكشف أمرهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين الذين يعيشون بينهم متخفين ، لأن ما فيك يظهر على فيك :
ومهما تكن عند امرئ من خليقة *** وإن خالها تخفى على الناس تعلم
قال تعالى : { أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم * ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم } . ( محمد : 29 ، 30 ) .
3- حديث عن المشركين والمؤمنين :
المقطع الأخير من السورة يشمل الآيات ( 32-38 ) ، وقد تحدث في بدايته عن المشركين ، وبين أنهم منعوا الناس عن الإيمان بالله ، وأعلنوا الشقاق والعداوة لرسول الله ، وهؤلاء لن يضروا الله بكفرهم ، وسيحبط الله أعمالهم .
وتتجه الآيات إلى المؤمنين فتأمرهم بطاعة الله وطاعة الرسول ، وتأمرهم بالثبات على الحق حتى يأتي نصر الله .
{ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم } . ( محمد : 33 ) .
وهذا التوجيه يوحي بأنه كان في الجماعة المسلمة يومئذ من لا يتحرى الطاعة الكاملة ، أو من تثقل عليه بعض التكاليف ، وتشق عليه بعض التضحيات التي يقتضيها جهاد هذه الطوائف القوية المختلفة التي تقف للإسلام ، وتناوشه من كل جانب ، والتي تربطها بالمسلمين مصالح ووشائج قربى يصعب فصمها والتخلي عنها نهائيا كما تقتضي العقيدة ذلك .
ولقد كان وقع هذا التوجيه عنيفا عميقا في نفوس المسلمين الصادقين ، فارتعشت له قلوبهم وخافوا أن يقع منهم ما يبطل أعمالهم ويذهب بحسناتهم .
وتستمر الآيات في خطاب المؤمنين ، تدعوهم إلى مواصلة الجهاد بالنفس والمال دون تراخ أو دعوة إلى مهادنة الكفر المعتدي الظالم ، تحت أي مؤثر من ضعف أو مراعاة قرابة أو رعاية مصلحة ، ودون بخل بالمال الذي لا يكلفهم الله أن ينفقوا منه إلا في حدود مستطاعة ، مراعيا الشح الفطري في النفوس ، وإذا لم ينهضوا بتكاليف هذه الدعوة فإن الله يحرمهم كرامة حملها والانتداب لها ، ويستبدل بهم قوما غيرهم ينهضون بتكاليفها ، ويعرفون قدرها ، وهو تهديد عنيف مخيف يناسب جو السورة ، كما يشي بأنه كان علاجا لحالات نفسية قائمة في صفوف المسلمين ، إذ ذاك -من غير المنافقين- وذلك إلى جانب حالات التفاني والتجرد والشجاعة والفداء التي اشتهرت بها الروايات ، فقد كان في الجماعة المسلمة هؤلاء وهؤلاء . . وكان القرآن يعالج ويربي لينهض بالمتخلفين إلى المستوى العالي الكريم .
معظم مقصود سورة محمد : الشكاية من الكفار في إعراضهم عن الحق ، وذكر آداب الحرب والأسرى وحكمهم ، والأمر بالنصرة والإيمان ، وابتلاء الكفار في العذاب ، وذكر أنهار الجنة : من ماء ، ولبن ، وخمر ، وعسل ، وذكر طعام الكفار وشرابهم ، وظهور علامة القيامة ، والشكاية من المنافقين ، وتفصيل ذميمات خصالهم ، وأمر المؤمنين بالطاعة والإحسان ، وذم البخلاء في الإنفاق ، وبيان استغناء الحق تعالى وفقر الخلق في قوله تعالى : { والله الغني وأنتم الفقراء . . . } ( محمد : 38 )1 .
أخرج الطبراني في الأوسط ، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ سورة محمد صلى الله عليه وسلم في صلاة المغرب .
وتسمى سورة محمد لبيان تنزيل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم فيها ، في قوله تعالى : { وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم . . . } ( محمد : 2 ) .
ولم يذكر محمد صلى الله عليه وسلم باسمه في القرآن إلا أربع مرات :
في سورة آل عمران : { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل . . . } ( آل عمران : 144 ) .
وفي سورة الأحزاب : { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم . . . } ( الأحزاب : 40 ) .
وهنا في سورة محمد ، وفي سورة الفتح : { محمد رسول الله . . . } ( الفتح : 29 ) .
وفي غير هذه المواضع يذكر بصفته أو النبي مثل : { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا } . ( الأحزاب : 45 ) .
وسميت سورة القتال لبيان أحكام القتال والدعوة إلى الجهاد فيها ، مثل قوله تعالى : { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب . . . } ( محمد : 4 ) .
وصدوا عن سبيل الله : منعوا الناس عن الدخول في الإسلام ، وذلك يستلزم أنهم منعوا أنفسهم من الدخول فيه ، وأعرضوا عنه .
1- { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم } .
هذه بداية السورة ، تلقي في وجه الكافرين عقوبة كفرهم وضلالهم ، فهؤلاء أهل مكة كفروا ومنعوا الناس من الإيمان ، وخرجوا في غزوة بدر الكبرى بطرا وتظاهرا بالباطل ، وليتسامع بهم الناس ، فكان الجزاء أن هزمهم الله هزيمة منكرة ، فقتل منهم سبعون ، وأسر منهم سبعون ، وفر الباقون ، فجعل كيدهم ضائعا ، وعملهم ضالا ، ومكرهم في تباب .
وتفيد روايات أسباب النزول أن هذه الآية نزلت في كفار مكة ، الذين أرادوا هزيمة المسلمين في بدر ، فهزمهم الله .
أخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله تعالى : { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم } .
قال : هم أهل مكة ، نزلت فيهم .
{ والذين آمنوا وعملوا الصالحات . . . } قال : هم الأنصار .
وقال ابن عباس في رواية أخرى : نزلت في المطعمين ببدر ، وهم اثنا عشر رجلا : أبو جهل ، والحارث ابن هشام ، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبي وأمية ابنا خلف ، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج ، وأبو البحتري بن هشام ، وزمعة بن الأسود ، وحكيم بن حزام ، والحارث بن عامر بن نوفل .
جعلها ضالة على غير هدى وتوفيق ، وذكر بعض المفسرين أن المعنى : أبطل الله ثواب الأعمال الحسنة ، التي يسمونها مكارم الأخلاق ، كصلة الرحم ، وإكرام الضيف ، وإجارة المستجير ، فقد أبطل أعمالهم فساد عقيدتهم .
قال تعالى : { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } . ( الفرقان : 23 ) .
أي أن الله يجازيهم على أعمالهم الحسنة في الدنيا ، لأنهم لا نصيب لهم في الجنة بسبب كفرهم .
وهناك من المفسرين من يرى أن الله لا يظلم مثقال ذرة ، وأنه لن يضيع مكافأة أي عامل على عمل عمله ، حتى ولو كان كافرا أو كتابيا ، واستشهدوا بقوله تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } . ( الزلزلة : 7 ، 8 ) .
وبقوله تعالى : { إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } . ( البقرة : 62 ) .
والأولى بنا أن نقول : إن ذلك في مشيئة الله تعالى ، وعلمه وحكمته وفضله ، فنفوض علم ذلك إليه سبحانه وتعالى .