مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ} (156)

قوله تعالى : { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون }

اعلم أن هذا من بقية دعاء موسى صلى الله عليه وسلم عند مشاهدة الرجفة . فقوله : { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة } معناه أنه قرر أولا أنه لا ولي له إلا الله تعالى وهو قوله : { أنت ولينا } ثم إن المتوقع من الولي والناصر أمران : أحدهما : دفع الضرر . والثاني : تحصيل النفع ، ودفع الضرر مقدم على تحصيل النفع ، فلهذا السبب بدأ بطلب دفع الضرر ، وهو قوله : { فاغفر لنا وارحمنا } ثم أتبعه بطلب تحصيل النفع وهو قوله : { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة } وقوله : { واكتب } أي وجب لنا والكتابة تذكر بمعنى الإيجاب وسؤاله الحسنة في الدنيا والآخرة كسؤال المؤمنين من هذه الأمة حيث أخبر الله تعالى عنهم في قوله : { ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة } .

واعلم أن كونه تعالى وليا للعبد يناسب أن يطلب العبد منه دفع المضار وتحصيل المنافع ليظهر آثار كرمه وفضله وإلهيته ، وأيضا اشتغال العبد بالتوبة والخضوع والخشوع يناسب طلب هذه الأشياء ، فذكر السبب الأول أولا ، وهو كونه تعالى وليا له وفرع عليه طلب هذه الأشياء ، ثم ذكر بعده السبب الثاني ، وهو اشتغال العبد بالتوبة والخضوع فقال : { إنا هدنا إليك } قال المفسرون : { هدنا } أي تبنا ورجعنا إليك ، قال الليث : «الهود » التوبة ، وإنما ذكر هذا السبب أيضا لأن السبب الذي يقتضي حسن طلب هذه الأشياء ليس إلا مجموع هذين الأمرين كونه إلها وربا ووليا ، وكوننا عبيدا له تائبين خاضعين خاشعين ، فالأول : عهد عزة الربوبية . والثاني : عهد ذلة العبودية ، فإذا حصلا واجتمعا فلا سبب أقوى منهما . ولما حكى الله تعالى دعاء موسى عليه السلام ذكر بعده ما كان جوابا لموسى عليه السلام ، فقال تعالى قال : { عذابي أصيب به من أشاء } معناه إني أعذب من أشاء وليس لأحد علي اعتراض لأن الكل ملكي ، ومن تصرف في خالص ملكه فليس لأحد أن يعترض عليه ، وقرأ الحسن { من أساء } من الإساءة ، واختار الشافعي هذه القراءة وقوله : { ورحمتي وسعت كل شيء } فيه أقوال كثيرة . قيل المراد من قوله : { ورحمتي وسعت كل شيء } هو أن رحمته في الدنيا عمت الكل ، وأما في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين وإليه الإشارة بقوله : { فسأكتبها للذين يتقون } وقيل : الوجود خير من العدم ، وعلى هذا التقدير فلا موجود إلا وقد وصل إليه رحمته وأقل المراتب وجوده ، وقيل الخير مطلوب بالذات ، والشر مطلوب بالعرض وما بالذات راجح غالب ، وما بالعرض مرجوح مغلوب ، وقال المعتزلة : الرحمة عبارة عن إرادة الخير ، ولا حي إلا وقد خلقه الله تعالى للرحمة واللذة والخير لأنه إن كان منتفعا أو متمكنا من الانتفاع فهو برحمة الله من جهات كثيرة وإن حصل هناك ألم فله الأعواض الكثيرة ، وهي من نعمة الله تعالى ورحمته فلهذا السبب قال : { ورحمتي وسعت كل شيء } وقال أصحابنا قوله : { ورحمتي وسعت كل شيء } من العام الذي أريد به الخاص ، كقوله : { وأوتيت من كل شيء }

أما قوله : { فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون } .

فاعلم أن جميع تكاليف الله محصورة في نوعين : الأول : التروك ، وهي الأشياء التي يجب على الإنسان تركها ، والاحتراز عنها والاتقاء منها ، وهذا النوع إليه الإشارة بقوله : { للذين يتقون } والثاني : الأفعال وتلك التكاليف إما أن تكون متوجهة على مال الإنسان أو على نفسه .

أما القسم الأول : فهو الزكاة وإليه الإشارة بقوله : { ويؤتون الزكاة } .

وأما القسم الثاني : فيدخل فيه ما يجب على الإنسان علما وعملا أما العلم فالمعرفة ، وأما العمل فالإقرار باللسان والعمل بالأركان ويدخل فيها الصلاة وإلى هذا المجموع الإشارة بقوله : { والذين هم بآياتنا يؤمنون } ونظيره قوله تعالى في أول سورة البقرة : { هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ} (156)

{ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إنا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بآياتنَا يُؤْمِنُونَ ( 156 ) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجيل يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كانتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 157 ) }

المفردات :

واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة : المراد بحسنة الدنيا : ما يعم العيشة الراضية ، والعمل الصالح ، والمراد بكتابتها : تقديرها وإبرازها ؛ عبر عنها بالكتابة مجازا ، أو الكتابة على حقيقتها ، فإن ما يقدر الله تنفيذه يكتب في اللوح المحفوظ ، أو عند الملائكة المدبرات أمرا .

هدنا إليك : تبنا إليك ورجعنا .

التفسير :

{ 156 - وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إنا هُدْنَا إِلَيْكَ… } الآية .

تلطف موسى في دعاء ربه وفي تفويض المشيئة إليه وفي إظهار الخضوع والتجرد لله تعالى فيما سبق من آيات وهنا يدعو ربه أن يعطيه حسنة في الدنيا وحسنة في الآخرة .

والمعنى : أوجب لنا وأثبت لنا بفشلك ورحمتك حسنة ، أي : حياة طيبة في الدنيا بتوفير نعمة الصحة والعافية ، وسعة الرزق والتوفيق في العمل والهداية إلى الخير ، واجعل لنا في الآخرة حسنة بدخول جنتك والظفر برضوانك وفيض إحسانك ، وذلك كقوله تعالى :

{ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار } . ( البقرة : 201 ) .

{ إنا هدنا إليك } : أي : تبنا إليك ورجعنا وأنبنا . أي : ندمنا على ما فعله قومنا من عبادة العجل أو قولهم : أرنا الله جهرة ، ونحو ذلك من فعل السفهاء ، ورجعنا إلى الإيمان المقرون بالعمل .

جاء في تفسير القاسمي : يقال : هاد ، يهود إذا رجع وتاب فهو هائد ، ولبعضهم :

يا راكب الذنب هد ، هد *** واسجد كأنك هدهد

وقال آخر : أني امرؤ مما جنيت هائد .

{ قال عذابي أصيب بن من أشاء } .

أي : قال الله تعالى أن عذابي أصيب به من أشاء من الكفار والعصاة ، مع عدالة الله وبعده عن الظلم .

قال تعالى : { ولا يظلم ربك أحدا } .

وفي الحديث القدسي يقول النبي صلى الله عليه وسلم : يقول الله عز وجل : { يا عبادي ، أني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا }33 .

{ ورحمتي وسعت كل شيء } .

أما رحمة الله فقد شملت كل شيء فالله تعالى ينعم على البر والفاجر ، ويخص بالثواب المؤمن ولولا عموم الرحمة ، لهلك العصاة والكفار عقل عصيانهم وكفرهم ، قال تعالى : { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة } . ( فاطر : 45 ) .

جاء في تفسير القاسمي عن الجشمي :

ومن تأمل هذا السؤال والجواب ؛ عرف عظيم محل هذا البيان ؛ لأنه عليه السلام ، سأل نعيم الدنيا والدين عقب الرجفة ، فكان من الجواب أن العذاب خاصة يصاب به من يستحقه ، فأما النعم فما كان من باب الدنيا يسع كل شيء يصح عليه التنعم وما كان من باب الآخرة يكتب لمن له صفات ذكرها .

{ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون } .

تفضل الحق سبحانه على عباده بهذا البيان فبين صفات من يستحق الرحمة من عباده وهم :

1 – الذين يتقون الله ويراقبونه ويؤدون فرائضه ويتركون ما نهى عنه .

2 – الذين يخرجون زكاة أموالهم طيبة بها نفوسهم والمال شقيق الروح ، وإخراجه يحتاج إلى جهاد وإيمان ويقين بثواب الآخرة ، ولذلك نص عليه ، حيث كان اليهود يعبدون المادة وكانت نفوسهم شحيحة إخراج المال في سبيل الله .

3 – الذين يؤمنون بالإسلام والقرآن وسمو تشريعاته وعموم هدايته وصلاحيتها للعمل والتطبيق ، وصدق رسلنا .