الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{۞وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ} (156)

قوله تعالى : { هُدْنَآ } : العامَّةُ على ضم الهاء ، مِنْ هاد يهود بمعنى مال ، قال :

قد عَلِمَتْ سَلْمى وجاراتُها *** أني مِنَ الله لها هائدُ

أو تاب ، مِنْ قوله :

إني امرؤٌ مما جَنَيْتُ هائِدُ *** . . . . . . . . . . . . . . .

ومن كلامِ بعضهم : " يا راكبَ الذنب هُدْهُدْ ، واسجد كأنك هُدْهُد " . وقرأ زيد بن علي وأبو وَجْزة " هِدْنا " بكسر [ الهاء ] من هاد يَهيد أي حرَّك . وقد أجاز الزمخشري في هُدنا وهِدْنا بالضم والكسر أن يكون الفعلُ مبنياً للفاعل أو للمفعول في كل منهما بمعنى مِلْنا أو أمالنا غيرُنا ، أو حرَّكْنا نحن أنفسَنا أو حرَّكَنا غيرُنا وفيه نظر ، لأن بعض النحويين قد نصَّ على أنه متى أُلبس وَجَبَ أن يؤتى بحركةٍ مزيلةٍ لِلَّبس فيقال في " عقتُ " من العَوْق إذا عاقك غيرك : " عِقت " بالكسر فقط أو الإِشمام ، وفي بعتَ يا عبد إذا قصد أن غيرَه باعه : " بُعْت " بالضم فقط أو الإِشمام ، ولكن سيبويه جوَّز في قيل وبيع ونحوهما الأوجهَ الثلاثة من غير احتراز .

و " هي " ضميرٌ يفسِّره سياقُ الكلام إذ التقدير : إنْ فتنتُهم إلا فتنتُك . وقيل : يعود على مسألة الإِراءة من قوله : { أَرِنَا اللَّهِ جَهْرَةً } أي : إنْ مسألة الرؤية .

قوله : { عَذَابِي أُصِيبُ } مبتدأ وخبره . والعامَّةُ على " مَنْ أشاء " بالشين المعجمة . وقرأ زيد بن علي وطاوس وعمرو بن فائد : " أساء " بالمهملة من الإِساءة . قال الداني : " لا تَصِحُّ هذه القراءة عن الحسن ولا عن طاوس ، وعمرو بن فائد رجل سَوْء ، وقرأها يوماً سفيان بن عيينة واستحسنها ، فقام إليه عبد الرحمن المقرئ فصاح به وأسمعه فقال سفيان : " لم أَفْطِنْ لما يقولُ أهل البدع " . قلت : يعني عبد الرحمن أن المعتزلةَ تعلَّقوا بهذه القراءة في أن فعلَ العبدِ مخلوقٌ له ، فاعتذر سفيان عن ذلك .