البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{۞سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (142)

القبلة : الجهة التي يستقبلها الإنسان ، وهي من المقابلة .

وقال قطرب : يقولون في كلامهم ليس له قبلة ، أي جهة يأوي إليها .

وقال غيره : إذا تقابل رجلان ، فكل واحد منهما قبلة الآخر .

وجاءت القبلة ، وإن أريد بها الجهة ، على وزن الهيئات ، كالقعدة والجلسة .

{ سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } : سبب نزول هذه الآية ما رواه البخاري ، عن البراء بن عازب قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً ، أو سبعة عشر شهراً .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يتوجه نحو الكعبة ، فأنزل الله تعالى : { قد نرى تقلب وجهك في السماء } الآية .

فقال : السفهاء من الناس ، وهم اليهود ، ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ، فقال الله تعالى : { قل لله المشرق والمغرب } الآية .

ومناسبة هذه الآية لما قبلها : أن اليهود والنصارى قالوا : إن إبراهيم ، ومن ذكر معه ، كانوا يهوداً ونصارى .

ذكروا ذلك طعناً في الإسلام ، لأن النسخ عند اليهود باطل ، فقالوا : الانتقال عن قبلتنا باطل وسفه ، فرد الله تعالى ذلك عليهم بقوله : { قل لله المشرق والمغرب } الآية ، فبين ما كان هداية ، وما كان سفهاً .

وسيقول ، ظاهر في الاستقبال ، وأنه إخبار من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ، أنه يصدر منهم هذا القول في المستقبل ، وذلك قبل أن يؤمروا باستقبال الكعبة ، وتكون هذه الآية متقدمة في النزول على الآية المتضمنة الأمر باستقبال الكعبة ، فتكون من باب الإخبار بالشيء قبل وقوعه ، ليكون ذلك معجزاً ، إذ هو إخبار بالغيب .

ولتتوطن النفس على ما يرد من الأعداء ، وتستعد له ، فيكون أقل تأثيراً منه إذا فاجأ ، ولم يتقدم به علم ، وليكون الجواب مستعداً لمنكر ذلك ، وهو قوله : { قل لله المشرق والمغرب } .

وإلى هذا القول ذهب الزمخشري وغيره .

وذهب قوم إلى أنها متقدمة في التلاوة ، متأخرة في النزول ، وأنه نزل قوله : { قد نرى تقلب وجهك } الآية ، ثم نزل : { سيقول السفهاء من الناس } .

نص على ذلك ابن عباس وغيره .

ويدل على هذا ويصححه حديث البراء المتقدم ، الذي خرجه البخاري .

وإذا كان كذلك ، فمعنى قوله : سيقول ، أنهم مستمرون على هذا القول ، وإن كانوا قد قالوه ، فحكمة الاستقبال أنهم ، كما صدر عنهم هذا القول في الماضي ، فهم أيضاً يقولونه في المستقبل .

وليس عندنا من وضع المستقبل موضع الماضي .

وإن معنى سيقول : قال ، كما زعم بعضهم ، لأن ذلك لا يتأتى مع السين لبعد المجاز فيه .

ولو كان عارياً من السين ، لقرب ذلك وكان يكون حكاية حال ماضية .

والسفهاء : اليهود ، قاله البراء بن عازب ، ومجاهد ، وابن جبير .

وأهل مكة قالوا : اشتاق محمد إلى مولده ، وعن قريب يرجع إلى دينكم ، رواه أبو صالح ، عن ابن عباس ، واختاره الزجاج .

أو المنافقون قالوا : ذلك استهزاء بالمسلمين ، ذكره السدي ، عن ابن مسعود .

وقد جرى تسمية المنافقين بالسفهاء في قوله : { ألا إنهم هم السفهاء } أو الطوائف الثلاث الذين تقدم ذكرهم من الناس .

قال ابن عطية وغيره : وخص بقوله من الناس ، لأن السفه أصله الخفة ، يوصف به الجماد .

قالوا : ثوب سفيه ، أي خفيف النسج والهلهلة ، ورمح سفيه : أي خفيف سريع النفوذ .

ويوصف به الحيوانات غير الناس ، فلو اقتصر ، لاحتمل الناس وغيرهم ، لأن القول ينسب إلى الناس حقيقة ، وإلى غيرهم مجازاً ، فارتفع المجاز بقوله : { من الناس ما ولاهم } ، أي ما صرفهم ، والضمير عائد على النبي صلى الله عليه وسلم ، والمؤمنين عن قبلتهم .

أضاف القبلة إليهم لأنهم كانوا استقبلوها زمناً طويلاً ، فصحت الإضافة .

وأجمع المفسرون على أن هذه التولية كانت من بيت المقدس إلى الكعبة .

هكذا ذكر بعض المفسرين ، وليس ذلك إجماعاً ، بل قد ذهب قوم إلى أن هذه القبلة ، التي عيب التحول منها إلى غيرها هي الكعبة ، وأنه كان يصلي إليها عندما فرضت الصلاة ، لأنها قبلة أبيه إبراهيم .

فلما توجه إلى بيت المقدس ، قال أهل مكة ، زارّين عليه وعائبين ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ، هذا على حذف مضاف ، أي على استقبالها .

والاستعلاء هنا مجاز ، وحكمته الهم لمواظبتهم على امتثال أمر الله في المحافظة على الصلوات .

صارت القبلة لهم كالشيء المستعلى عليه ، الملازم دائماً .

وفي وصف القبلة بقوله : { التي كانوا عليها } ، ما يدل على تمكن استقبالها ، وديمومتهم على ذلك .

والضمير في قوله : قبلتهم وكانوا ، ضمير المؤمنين .

وقيل : يحتمل أن يكون الضمير عائداً على السفهاء ، فإنهم كانوا لا يعرفون إلا قبلة اليهود ، وهي إلى المغرب ، وقبلة النصارى ، وهي إلى المشرق ، والعرب لم يكن لهم صلاة ، فيتوجهون إلى شيء من الجهات .

فلما توجه نحو الكعبة ، استنكروا ذلك فقالوا : كيف يتوجه إلى غير هاتين الجهتين المعروفتين ؟ واختلفوا في استقبال بيت المقدس ، أكان بوحي متلوّ ؟ أو بأمر من الله غير متلو ؟ أو بتخيير الله رسوله في النواحي ؟ فاختار بيت المقدس ، قاله الربيع ؛ أو باجتهاده بغير وحي ، قاله الحسن وعكرمة وأبو العالية .

أقوال : الأول : عن ابن عباس ، روي عنه أنه قال : أول ما نسخ من القرآن القبلة : وكذلك اختلفوا في المدة التي صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها إلى بيت المقدس ، فقيل : ستة عشر شهراً ، أو سبعة عشر شهراً .

وقيل : تسعة ، أو عشرة أشهر .

وقيل : ثلاثة عشر شهراً .

وقيل : من وقت فرض الخمس وائتمامه بجبريل ، إثر الإسراء ، وكان ليلة سبع عشرة من ربيع الآخر ، قبل الهجرة بسنة ، ثم هاجر في ربيع الأول ، وتمادى يصلي إلى بيت المقدس ، إلى رجب من سنة اثنتين .

وقيل : إلى جمادى .

وقيل : إلى نصف شعبان .

وروي أنه صلى الله عليه وسلم صلى ركعتي الظهر ، فانصرف بالآخرتين إلى الكعبة ، وقد استدل بهذه الآية على جواز نسخ السنة بالقرآن ، إذ صلاته إلى بيت المقدس ليس فيها قرآن ، واستدل بها أيضاً على بطلان قول من يزعم أنه النسخ بداء .

{ قل لله المشرق والمغرب } : الأمر متوجه للنبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه تعليم له صلى الله عليه وسلم كيف يبطل مقالتهم ، ورد عليهم إنكارهم .

والمعنى : أن الجهات كلها لله تعالى ، يكلف عباده بما شاء أن يستقبل منها ، وأن تجعل قبلة .

وقد تقدم الكلام على قوله : { لله المشرق والمغرب } ، فأغنى عن الإعادة هنا .

وقد شرح المشرق ببيت المقدس ، والمغرب بالكعبة ، لأن الكعبة غربي بيت المقدس ، فيكون بالضرورة بيت المقدس شرقيها .

{ يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } : أي من يشاء هدايته .

وقد تقدم الكلام على ما يشبه هذه الجملة في قوله : { اهدنا الصراط المستقيم } فأغنى عن إعادته : وتقدم أن هدى يتعدى باللام وبإلى وبنفسه ، وهنا عدى بإلى .

وقد اختلفوا في الصلاة التي حولت القبلة فيها ، فقيل : الصبح ، وقيل : الظهر ، وقيل : العصر .

وكذلك أكثروا الكلام في الحكمة التي لأجلها كان تحويل القبلة ، بأشياء لا يقوم على صحتها دليل ، وعللوا ذلك بعلل لم يشر إليها الشرع ، ولا قاد نحوها العقل ، فتركنا نقل ذلك في كتابنا هذا ، على عادتنا في ذلك .

ومن طلب للوضعيات تعاليل ، فأحرى بأن يقلّ صوابه ويكثر خطؤه .

وأما ما نص الشرع على حكمته ، أو أشار ، أو قاد إليه النظر الصحيح ، فهو الذي لا معدل عنه ، ولا استفادة إلا منه .

وقد فسر قوله : { صراط مستقيم } بأنه القبلة التي هي الكعبة .

والظاهر أنه ملة الإسلام وشرائعه ، فالكعبة من بعض مشروعاته .