فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{۞سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (142)

{ السفهاء } الحمقى خفاف العقول الجهلاء الضالون المفترون

{ ما ولاهم } أي شيء صرفهم . { المشرق } جهة شروق الشمس

{ المغرب } جهة غروبها .

{ سيقول } إخبار عن{[502]} الماضي بفعل يدل على الاستقبال ربما لبيان أن مثل ذلك القول قد يستمر صدوره عن المنافقين والمشركين والمفترين . { السفهاء } الحمقى خفاف العقول الجهلاء الضالون المفترون والذين قالوا وأخبر القرآن عن قيلهم كانوا من أهل الكتاب والمشركين . وإذا كان من لا يميز بين ما له وعليه في أمر دنياه يعد سفيها شرعا فالذي يضيع آخرته أولى بهذا الاسم { من الناس } – لأن السفه يكون في جمادات وحيوانات{[503]} -–[ وفائدته بيان أن ذلك القول المحكي لم يصدر عن كل فرد من تلك الطوائف بل عن أشقيائهم المعتادين للخوض في آسن الفساد أو التنبيه على كامل سفاهتم بالقياس إلى الجنس ]{[504]} . { ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } ؟ لعل المعنى ما الذي صرفهم – يريدون النبي ومن آمن معه – عن استقبالهم في صلاتهم البيت المقدس وقد ظلوا يتجهون إليه ويتخذونه قبلة سنوات واستفهامهم يعني أنهم ينكرون ذلك روى البخاري – رحمه الله- في صحيحه عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول اله صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا{[505]} أو سبعة عشر شهرا وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت{[506]} وأنه صلى أول صلاة{[507]} صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد{[508]} وهم راكعون فقال أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة فداروا كما هم من قبل البيت وكان الذي قد مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجالا قتلوا لم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله { وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم } مما نقل عن ابن عباس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر باستقبال الصخرة من بيت المقدس فكان بمكة يصلي بين الركنين فتكون بين يديه الكعبة وهو مستقبل صخرة بيت المقدس فلما هاجر إلى المدينة تعذر الجمع بينهما فأمره الله بالتوجه إلى بيت المقدس . ا ه . واستمر الأمر على ذلك بضعة عشر شهرا روى البخاري ومسلم – رحمهما الله تعالى- في صحيحهما عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة { قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } أمر المولى سبحانه نبيه أن يذكر الناس بأن ما بين قطري مشرق الشمس ومغربها والكون كله ملك لله المهيمن الحكيم يرشد من أحب من عباده إلى النهج القويم والصراط المستقيم فهدانا إلى الوجهة التي اختارها وارتضاها .


[502]:لكن بعضا يرى أن الآية نزلت قبل تحويل القبلة وهو رأي مرجوح لمخالفته ما جاء في صحيح البخاري من أنها نزلت بعد التحويل.
[503]:ما بين العارضتين أورده القرطبي.
[504]:ما بين العلامتين [ ] مقتبس مما أورد صاحب روح المعاني بتصرف وقد رجح الرأي الثاني.
[505]:أي بعد هجرته صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة.
[506]:قبل البيت أي جهة الكعبة وناحيتها.
[507]:يعني أول صلاة توجه فيها نحو الكعبة.
[508]:هو مسجد قباء كما جاء في الصحيحين عن ابن عمر.