روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الحج

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم أنها نزلت بالمدينة وهو قول الضحاك وقيل كلها مكية وأخرج أبو جعفر النحاس عن مجاهد عن ابن عباس أنها مكية سوى ثلاث آيات ( هذان خصمان ) إلى تمام الآيات الثلاث فإنها نزلت بالمدينة وفي رواية عن ابن عباس إلا أربع آيات ( هذان خصمان ) إلى قوله تعالى : ( عذاب الحريق ) وأخرج ابن المنذر عن قتادة أنها مدنية غير أربع آيات ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلى عذاب يوم عقيم ) فإنها مكيات والأصح القول بأنها مختلطة فيها مدني ومكي وإن اختلف في التعيين وهو قول الجمهور وعدة آياتها ثمان وتسعون في الكوفي وسبع وتسعون في المكي وخمس وتسعون في البصري وأربع وتسعون في الشامي ووجه مناسبتها للسورة التي قبلها ظاهر وجاء في فضلها ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال : قلت يا رسول الله أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين قال : نعم فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما والروايات في أن فيها سجدتين متعددة مذكورة في الدر المنثور نعم أخرج ابن أبي شيبة من طريق العريان المجاشعي عن ابن عباس قال : في الحج سجدة واحدة وهي الأولى كما جاء في رواية .

وزعم بعضهم أن الخطاب خاص بأهل مكة وليس بذاك ، والمأمور به مطلق التقوى الذي هو التجنب عن كل ما يؤثم من فعل وترك ويندرج فيه الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر حسبما ورد به الشرع اندراجاً أولياً لكن على وجه يعم الإيجاد والدوام ، والمناسب لتخصيص الخطاب بأهل مكة أن يراد بالتقوى المرتبة الأولى منها وهي التوقي عن الشرك ، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لتأييد الأمر وتأكيد إيجاب الامتثال به ترهيباً وترغيباً أي احذروا عقوبة مالك أمركم ومربيكم ، وقوله تعالى : { إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شيء عَظِيمٌ } تعليل لموجب الأمر بذكر أمر هائل فإن ملاحظة عظم ذلك وهو له وفظاعة ما هو من مباديه ومقدماته من الأحوال والأهوال التي لا ملجأ منها سوى التدرع بلباس التقوى مما يوجب مزيد الاعتناء بملابسته وملازمته لا محالة . والزلزلة التحريك الشديد والازعاج العنيف بطريق التكرير بحيث يزيل الأشياء من مقارها ويخرجها عن مراكزها ، وإضافتها إلى الساعة إما من إضافة المصدر إلى فاعله لكن على سبيل المجاز في النسبة كما قيل في قوله تعالى : { بَلْ مَكْرُ الليل والنهار } [ سبأ : 33 ] لأن المحرك حقيقة هو الله تعالى والمفعول الأرض أو الناس أو من إضافته إلى المفعول لكن على أجرائه مجرى المفعول به اتساعاً كما في قوله

: يا سارق الليلة أهل الدار *** وجوز أن تكون الإضافة على معنى في وقد أثبتها بعضهم وقال بها في الآية السابقة ، وهي عند بعض المذكورة في قوله تعالى : { إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا } [ الزلزلة : 1 ] وتكون على ما قيل عند النفخة الثانية وقيام الساعة بل روي عن ابن عباس أن زلزلة الساعة قيامها .

وأخرج أحمد . وسعيد بن منصور . وعبد بن حميد . والنسائي والترمذي . والحاكم وصححاه عن عمران ابن حصين قال : لما نزلت { سكارى وَمَا هُم بسكارى ولكن عَذَابَ الله شَدِيدٌ } [ الحج : 1 ، 2 ] كان صلى الله عليه وسلم في سفر فقال : أتدرون أي يوم ذلك ؟ قالوا : الله تعالى ورسوله أعلم . قال : ذلك يوم يقول الله تعالى لآدم عليه السلام ابعث بعث النار قال : يا رب وما بعث النار ؟ قال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحداً إلى الجنة فانشأ المسلمون يبكون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قاربوا وسددوا وأبشروا فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية فتؤخذ العدة من الجاهلية فإن تمت وإلا كملت من المنافقين وما مثلكم في الأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير ثم قال : إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا ثم قال : إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبروا ثم قال : إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا قال : ولا أدري قال الثلثين أم لا ، وحديث البعث مذكور في الصحيحين وغيرهما لكن بلفظ آخر وفيه كالمذكور ما يؤيد كون هذه الزلزلة في يوم القيامة وهو المروى عن الحسن .

وأخرج ابن المنذر . وغيره عن علقمة . والشعبي وعبيد بن عمير أنها تكون قبل طلوع الشمس من مغربها ، وإضافتها إلى الساعة على هذا لكونها من أماراتها ، وقد وردت آثار كثيرة في حدوث زلزلة عظيمة قبل قيام الساعة هي من أشراطها إلا أن في كون تلك الزلزلة هي المراد هنا نظراً إذ لا يناسب ذلك كون الجملة تعليلاً لموجب أمر جميع الناس بالتقوى ، ثم أنها على هذا القول على معناها الحقيقي وهو حركة الأرض العنيفة ، وتحدث هذه الحركة بتحريك ملك بناء على ما روي أن في الأرض عروقاً تنتهي إلى جبل قاف وهي بيد ملك هناك فإذا أراد الله عز وجل أمراً أمره أن يحرك عرقاً فإذا حركه زلزلت الأرض .

وعند الفلاسفة أن البحار إذا احتبس في الأرض وغلظ بحيث لا ينفذ في مجاريها لشدة استحصافها وتكاثفها اجتمع طالباً للخروج ولم يمكنه فزلزلت الأرض ، وربما اشتدت الزلزلة فخسفت الأرض فيخرج نار لشدة الحركة الموجبة لاشتعال البخار والدخان لاسيما إذا امتزجا امتزاجاً مقرباً إلى الدهنية ، وربما قويت المادة على شق الأرض فتحدث أصوات هائلة ، وربما حدثت الزلزلة من تساقط عوالي وهدات في باطن الأرض فيتموج بها الهواء المحتقن فتتزلزل به الأرض ، وقليلاً ما تتزلزل بسقوط قلل الجبال عليها لعض الأسباب .

وما يستأنس به للقول بأن سببها احتباس البخار الغليظ وطلبه للخروج وعدم تيسره له كثرة الزلازل في الأرض الصلبة وشدتها بالنسبة إلى الأرض الرخوة ، ولا يخفي أنه إذا صح حديث في بيان سبب الزلة لا ينبغي العدول عنه وإلا فلا بأس بالقول برأي الفلاسفة في ذلك وهو لا ينافي القول بالفاعل المختار كما ظن بعضهم ، وهي على القول بأنها يوم القيامة قال بعضهم : على حقيقتها أيضاً ، وقال آخرون : هي مجاز عن الأهوال والشدائد التي تكون في ذلك اليوم ، وفي التعبير عنها بالشيء إيذان بأن العقول قاصره عن إدراك كنهها والعبارة ضيقة لا تحيط بها إلا على وجه الإبهام . وفي البحر أن إطلاق الشيء عليها مع أنه لم توجد بعد يدل على أنه يطلق على المعدوم ، ومن منع ذلك قال : إن اطلاقه عليها لتيقن وقوعها وصيرورتها إلى الوجود لا محالة .

ومن باب الإشارة : : { يَأَيُّهَا الناس اتقوا رَبَّكُمُ } بالإعراض عن السوي وطلب الجزاء { إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة } [ الحج : 1 ] وهي مبادئ القيامة الكبرى

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ} (1)

مقدمة السورة:

بيان إجمالي للسورة

اختلفت العلماء في كون هذه السورة مكية أو مدنية . فقد قيل : إنها مكية إلا ثلاث آيات . وقيل : بل مدنية باستثناء أربع آيات . والصحيح أن السورة مختلطة منها مكي ومنها مدني ؛ لاقتضاء الآيات ذلك .

وكيفما يكن ذلك فإن سورة الحج عظيمة في معانيها وأخبارها وما تضمنته من الأدلة والأحكام والعظات . ومن جملة ذلك : التركيز على الإيمان بيوم القيامة والتنديد بالمعاندين الجاحدين الذين يركبون الهوى والضلال ويتبعون الغاوين والشياطين والمضلين .

وفي السورة تعظيم للحج وشعائره ، وذكر لمنافعه الدنيوية والأخروية . ثم الإذن من الله للمسلمين بقتال الكافرين بعد اصطبارهم الشديد على أذاهم وعدوانهم . إلى غير ذلك مما تضمنته هذه السورة من أهوال القيامة ، وما يجده الظالمون والمجرمون يومئذ من النكال الشديد . ويأتي في طليعة ذلك كله ما ابتدأت به السورة من الإخبار عن الحدث الداهم الجلل وهو قيام الساعة وما فيها من عصيب البلايا وشديد القواصم .

بسم الله الرحمان الرحيم

{ يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ( 1 ) يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ( 2 ) } .

يدعو الله عباده أن يخافوه ويحذروا عقابه وانتقامه فيأتمروا بأوامره وينتهوا زواجره . وعلّل ذلك بأن ( زلزلة الساعة شيء عظيم ) والزلزلة هي شدة حركة الشيء . وقال الزمخشري في الكشاف : هي شدة التحريك والإزعاج . والزلازل بمعنى الشدائد{[3067]} .

واختلف المفسرون في وقت هذه الزلزلة ؛ فقد قيل : إنها كائنة يوم القيامة . وقيل : عند طلوع الشمس من مغربها ؛ فهي شرط من أشراط الساعة ، وهي بذلك كائنة قبل يوم القيامة .

وأيا كانت وقت هذه الزلزلة فإن المقصود هولها وفظاعتها التي تضطرب منها الدنيا وتميد بها الأرض بمن عليها من أناس ؛ لتأتي على البشرية حينئذ غاشية من الرعب والحيرة والذهول مما لا يعلم شدته ومداه إلا الله . ومثل هذه المعاني المجلجلة الجسام تكشف عنها كلمات الكتاب الحكيم في هذا الصدد ليجد القارئ المتدبر في ذلك صورة مثيرة ومرعبة عن حقيقة الساعة ودواهيها العظام . وذلك ؛ لأن ( زلزلة الساعة شيء عظيم ) أي أمر هائل وجلل ومَخُوف .


[3067]:- مختار الصحاح ص 274.