{ فَنَادَتْهُ الملئكة } وفي قوله سبحانه : { فاستجبنا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى } [ الأنبياء : 90 ] وظاهر قوله جل شأنه في مريم : { إِنَّا نُبَشّرُكَ } [ مريم : 7 ] اعتقاب التبشير الدعاء ، لا تأخره عنه ، وأثر إن بين الدعاء والإجابة أربعين سنة لم نجد له أثراً في الصحاح ، نعم ربما يشعر بعض الأخبار الموقوفة أن بين الولادة والتبشير مدة كما سنشير إلى ذلك قريباً إن شاء الله تعالى ، والمراد من الملائكة جبريل عليه السلام فإنه المنادي وحده كما أخرجه ابن جرير عن ابن مسعود وذكر عبد الرحمن بن أبي حماد أنه كان يقرأ فناداه جبريل ، فالجمع هنا مجاز عن الواحد للتعظيم ، أو يكون هذا من إسناد فعل البعض للكل ، وقيل : الجمع فيه مثله في قولك : فلان يركب الخيل ويلبس الديباج ، واعترض بأن هذا إنما يصح إذا أريد واحد لا بعينه وههنا أريد المعين فلعل ما تقدم أولى بالإرادة ، وقيل : الجمع على حاله والمنادي كان جملة من الملائكة ، وقرأ حمزة والكسائي فناديه بالإمالة والتذكير . وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قال : ذكروا الملائكة ثم تلا { إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة لَيُسَمُّونَ الملائكة تَسْمِيَةَ الانثى } [ النجم : 27 ] وكان يقرأها فناداه الملائكة ويذكر في جميع القرآن ، وأخرج الخطيب عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ كذلك .
{ وَهُوَ قَائِمٌ } جملة حالية من مفعول النداء مقررة لما أشارت إليه الفاء على ما أشرنا إليه ، وقوله تعالى : { يُصَلّى } حال من المستكن في { قَائِمٌ } أو حال أخرى من المفعول على القول بجواز تعددها من غير عطف ولا بدلية ، أو خبر ثان للمبتدأ على رأي من يرى مثل ذلك ، وقيل : الجملة صفة لقائم والمراد بالصلاة ، ذات الأقوال والأفعال كما هو الظاهر وعليه أكثر المفسرين . وأخرج ابن المنذر عن ثابت قال : الصلاة خدمة الله تعالى في الأرض ولو علم الله تعالى شيئاً أفضل من الصلاة ما قال : { فَنَادَتْهُ الملا ئكة وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى } ، وقيل : المراد بها الدعاء والأول يدل على مشروعية الصلاة في شريعتهم { فِى المحراب } أي في المسجد ، أو في موقف الإمام منه ، أو في غرفة مريم . والظرف متعلق/ بيصلي أو بقائم على تقدير كون { يُصَلّى } حالا من ضمير { قَائِمٌ } لأن العامل فيه وفي الحال شيء واحد فلا يلزم الفصل بالأجنبي كما يلزم على التقادير الباقية كذا قالوا : والذي يظهر أن المسألة من باب التنازع فإن كلا من { قَائِمٌ } و { يُصَلّى } يصح أن يتسلط على { فِى المحراب } على أي وجه تقدم من وجه الإعراب فتدبر .
ثم اعلم أن الصلاة في المحاريب المشهورة الموجودة الآن في مساجد المسلمين قد كرهها جماعة من الأئمة وإلى ذلك ذهب علي كرم الله وجهه وإبراهيم رحمه الله فيما أخرجه عنهما ابن أبي شيبة وهي من البدع التي لم تكن في العصر الأول ، فعن أبي موسى الجهني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يزال أمتي بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى " وعن عبد الله بن أبي الجعد قال : «كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون : إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد » وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «اتقوا هذه المذابح » يعني المحاريب ، والروايات في ذلك كثيرة ، وللإمام السيوطي «رسالة » مستقلة فيها .
{ أَنَّ الله يُبَشّرُكَ بيحيى } أي بأن الله ، وبعد إسقاط حرف الجر المطرد في أنّ وإن يجوز في المنسبك اعتبار النصب واعتبار الجر ، والأول : مذهب سيبويه ، والثاني : مذهب الخليل ، وقرأ نافع وابن عامر بكسر همزة { إن } وخرج على إضمار القول ، وهو مذهب البصريين ، أو على إجراء النداء مجرى القول لأنه نوع منه وهو مذهب الكوفيين وقرأ حمزة والكسائي { يُبَشّرُكِ } من الإبشار ، وقرأ { يبَشرُكِ } من الثلاثي . وأخرج ابن جرير عن معاذ الكوفي قال : من قرأ يبشر مثقلة فإنه من البشارة ، ومن قرأ يبشر مخففة بنصب الياء فإنه من السرور ويحيى اسم أعجمي على الصحيح ، وقيل : عربي منقول من الفعل والمانع له من الصرف على الأول العلمية والعجمة ، وعلى الثاني العلمية ووزن الفعل ، والقول بأنه لا قاطع لمنع صرفه ؛لاحتمال أن يكون مبنياً بجعل العلم جملة ؛ بأن يكون فيه ضمير كما في قوله :
نبئت أخوالي بني يزيد *** ليس بشيء لما في ذلك الاحتمال من التكلف المستغنى عنه ما يكاد يكون دليلاً قطعياً للقطع ، والقائلون بعربيته منهم من وجه تسميته بذلك بأن الله تعالى أحيا به عقر أمه ، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، ومنهم من وجه ذلك بأن الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان ، وروي عن قتادة ، وقيل : سمي بيحيى لأنه علم الله سبحانه أن يستشهد والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ، وقيل : لأنه يحيا بالعلم والحكمة اللتين يؤتاهما ، وقيل : لأن الله يحيي به الناس بالهدى ، قال القرطبي : «كان اسمه في الكتاب الأول حيا » ، ورأيت في «إنجيل متى » أنه عليه السلام كان يدعى يوحنا المعمداني لما أنه كان يعمد الناس في زمانه على ما يحكيه «كتب النصارى » ، وجمع يحيى يحيون رفعاً ، ويحيين جراً ونصباً ، وتثنيته كذلك يحييان ويحيين ، ويقال في النسب إليه يحي بحذف الألف ، ويحيوي بقلبها واواً ويحياوي بزيادة ألف قبل الواو المنقلبة عن الألف الأصلية ، وفي تصغيره يحيى بوزن فعيعل قال مولانا شيخ الإسلام : وينبغي أن يكون هذا الكلام إلى آخره محكياً بعبارة من الله عز وجل على منهاج ، { قُلْ ياعِبَادِي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله } [ الزمر : 53 ] الآية كما يلوح به مراجعته عليه السلام في الجواب إليه تعالى بالذات لا بواسطة الملك ، والعدول عن إسناد التبشير بنون العظمة حسبما وقع في سورة مريم للجري على سنن الكبرياء كما في قول الخلفاء : أمير المؤمنين يرسم لك كذا وللإيذان بأن ما حكى هناك من النداء والتبشير وما يترتب عليه من المحاورة ، كان كل ذلك بواسطة الملك بطريق الحكاية منه سبحانه لا بالذات كما هو المتبادر وبهذا يتضح اتحاد المعنى في السورتين الكريمتين فتأمل ، انتهى . وكان الداعي إلى/ اعتبار ما هنا محكياً بعبارة من الله تعالى ظهور عدم صحة كون ما في سورة مريم من عبارة الملك غير محكي من الله تعالى ، وأن الظاهر اتحاد الدعاءين وإلا فما هنا مما لا يجب حمله على ما ذكر لولا ذلك ، والملوح غير موجب كما لا يخفى ولا بد في الموضعين من تقدير مضاف كالولادة إذ التبشير لا يتعلق بالأعيان ، ويؤل في المعنى إلى ما هناك أي إن الله يبشرك بولادة علام اسمه يحيى .
{ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } نصب على الحال المقدرة من ( يحيى ) ، والمراد بالكلمة عيسى عليه السلام وهو المروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وعليه أجلة المفسرين وإنما سمي عيسى عليه السلام بذلك لأنه وجد بكلمة كن من دون توسط سبب عادي فشابه البديعيات التي هي عالم الأمر ، و { مِنْ } لابتداء الغاية مجازاً متعلقة بمحذوف وقع صفة لكلمة ، أي بكلمة كائنة منه تعالى وأريد بهذا التصديق الإيمان وهو أول من آمن بعيسى عليه السلام وصدق أنه كلمة الله تعالى وروح منه في المشهور . أخرج أحمد عن مجاهد قال : «قالت امرأة زكريا لمريم : إني أجد الذي في بطني يتحرك للذي في بطنك » . وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن ابن عباس قال : «كان يحيى وعيسى ابني خالة وكانت أم يحيى تقول لمريم إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك » فذلك تصديقه له وكان أكبر من عيسى بستة أشهر كما قال الضحاك وغيره ، وقيل : بثلاث سنين ، قيل : وعلى كل تقدير يكون بين ولادة يحيى وبين البشارة بها زمان مديد لأن مريم ولدت وهي بنت ثلاث عشرة سنة أو بنت عشر سنين ، واعترض بأن هذا إنما يتم لو كان دعاء زكريا عليه السلام زمن طفولية مريم قبل العشر أو الثلاث عشرة ، وليس في الآية سوى ما يشعر بأن زكريا عليه السلام لما تكرر منه الدخول على مريم ومشاهدته الرزق لديها وسؤاله لها وسماعه منها ذلك الجواب اشتاق إلى الولد فدعا بما دعا ، وهذا الدعاء كما يمكن أن يكون في مبادئ الأمر يمكن أن يكون في أواخره قبيل حمل مريم وكونه في الأواخر غير بعيد لما أن الرغبة حينئذ أوفر حيث شاهد عليه السلام دوام الأمر وثباته زمن الطفولية وبعدها ، وهذا قلما يوجد في الأطفال إذ الكثير منهم قد يلقي الله تعالى على لسانه في صغره ما قد يكون عنه بمراحل في كبره فليس عندنا ما يدل صريحاً على أن بين الولادة والتبشير مدة مديدة ولا بين الدعاء والتبشير أيضاً ، نعم عندنا ما يدل على أن يحيى أكبر من عيسى عليهما السلام وهو مما اتفق عليه المسلمون وغيرهم ، ففي »إنجيل متى » ما يصرح بأنه ولد قبله وقتله هيردوس قبل رفعه وأنه عمد المسيح ، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال .
وحكي عن أبي عبيدة أن معنى { بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } بكتاب منه ، والمراد به الإنجيل وإطلاق الكلمة عليه كإطلاقها على القصيدة في قولهم كلمة الحويدرة للعينية المعروفة بالبلاغة .
{ وَسَيّدًا } عطف على ( مصدقاً ) ، وفسره ابن عباس بالكريم ، وقتادة بالحليم ، والضحاك بالحسن الخلق ، وسالم بالتقي ، وابن زيد بالشريف ، وابن المسيب بالفقيه العالم ، وأحمد بن عاصم بالراضي بقضاء الله تعالى ، والخليل بالمطاع الفائق أقرانه ، وأبو بكر الوراق بالمتوكل ، والترمذي بالعظيم الهمة ، والثوري بمن لا يحسد ، وأبو إسحق بمن يفوق بالخير قومه ، وبعض أهل اللغة بالمالك الذي تجب طاعته ، إلى غير ذلك من الأقوال وكل ما فيها من الأوصاف مما يصلح ليحيى عليه السلام لأنها صفات كمال ، وأحق الناس بصفات الكمال النبيون إلا أن التحقيق أن أصل معنى السيد من يسود قومه يكون له أتباع ثم أطلق على كل فائق في دين أو دنيا ، ويجوز أن يراد به هنا الفائق في الدين حيث إنه عليه السلام لم يهم بمعصية أصلا كما ورد ذلك من طرق عديدة . / وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيى بن زكريا » وجوز أن يراد ما هو أصل معناه فإنه عليه السلام كان سيد قومه وله أتباع منهم ، غاية الأمر أن تلك رياسة شرعية والاتيان به إثر قوله تعالى : { مُصَدّقاً } للإشارة إلى أنه نبي كعيسى عليه السلام وليس من أمته كما يفهمه ظاهراً قوله سبحانه : { مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } .
{ وَحَصُورًا } عطف على ما قبله ومعناه الذي لا يأتي النساء مع القدرة على ذلك قاله ابن عباس في إحدى الروايات عنه وفي بعضها إنه العنين الذي لا ذكر له يتأتى به النكاح ولا ينزل ، وروى الحفاظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ما معه عليه السلام كان كالأنملة ، وفي بعض الروايات كالقذاة ، وفي أخرى كالنواة وفي بعض كهدبة الثوب ، قيل : والأصح الأول ، إذ العنة عيب لا يجوز على الأنبياء ، وبتسليم أنها ليست بعيب فلا أقل أنها ليست بصفة مدح ، والكلام مخرج مخرج المدح ، وما أخرجه الحافظ على تقدير صحته يمكن أن يقال : إنه من باب التمثيل والإشارة إلى عدم انتفاعه عليه السلام بما عنده لعدم ميله للنكاح لما أنه في شغل شاغل عن ذلك .
ومن هنا قيل : إن التبتل لنوافل العبادات أفضل من الاشتغال بالنكاح استدلالاً بحال يحيى عليه السلام ومن ذهب إلى خلافه احتج بما أخرجه الطبراني عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أربعة لعنوا في الدنيا والآخرة وأمنت الملائكة ، رجل جعله الله تعالى ذكراً فأنث نفسه وتشبه بالنساء ، وامرأة جعلها الله تعالى أنثى فتذكرت وتشبهت بالرجال ، والذي يضل الأعمى ، ورجل حصور ولم يجعل الله تعالى حصوراً إلا يحيى بن زكريا " وفي رواية «لعن الله تعالى والملائكة رجلاً تحصر بعد يحيى بن زكريا » ويجوز أن يراد بالحصور المبالغ في حصر النفس وحبسها عن الشهوات مع القدرة وقد كان حاله عليه السلام أيضاً كذلك . أخرج عبد الرزاق عن قتادة موقوفاً وابن عساكر عن معاذ بن جبل مرفوعاً أنه عليه السلام مرّ في صباه بصبيان يلعبون فدعوه إلى اللعب فقال : ما للعب خلقت .
{ وَنَبِيّا } عطف على ما قبله مترتب على ما عدد من الخصال الحميدة { مّنَ الصالحين } أي ناشئاً منهم أو معدوداً في عدادهم فمن على الأول للابتداء ، وعلى الثاني للتبعيض قيل : ومعناه على الأول ذو نسب ، وعلى الثاني معصوم ، وعلى التقديرين لا يلغو ذكره بعد نبياً وقد يقال : المراد من الصلاح ما فوق الصلاح الذي لا بد منه في منصب النبوة ألبتة من أقاصي مراتبه وعليه مبنى دعاء سليمان عليه السلام : { وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ في عِبَادِكَ الصالحين } [ النمل : 19 ] ولعله أولى مما قبل .
وهذا ومن باب البطون : في الآيات { فَنَادَتْهُ الملائكة وَهُوَ قَائِمٌ } على ساق الخدمة { يُصَلّى في المحراب } وهو محل المراقبة ومحاربة النفس { أَنَّ الله يُبَشّرُكَ بيحيى } وسمي به لأن من شاهد الحق في جمال نبوته يحيا قلبه من موت الفترة ، أو لأنه هو يحيا بالنبوة والشهادة { مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } وهو ما ينزل به الملك على القلوب المقدسة { وَسَيّدًا } وهو الذي غلب عليه نور هيبة عزة الحق ، وقال الصادق : هو المباين للخلق وصفا وحالا وخلقا ؛ وقال الجنيد : هو الذي جاد بالكونين طلباً لربه ، وقال ابن عطاء : هو المتحقق بحقيقة الحق ، وقال ابن منصور : هو من خلا عن أوصاف البشرية وحلى بنعوت الربوبية ، وقال محمد بن علي : هو من استوت أحواله عند المنع والإعطاء والرد والقبول { وَحَصُورًا } وهو الذي حصر ومنع عن جميع الشهوات وعصم بالعصمة الأزلية ، وقال الاسكندراني : هو المنزه عن الأكوان وما فيها { وَنَبِيّا } أي مرتفع القدر بهبوط الوحي عليه ومعدوداً { مّنَ الصالحين } [ آل عمران : 39 ] وهم أهل الصف الأول من صفوف الأرواح المجندة المشاهدة للحق في مرايا الخلق .
قوله تعالى : { فنادته الملائكة } . قرأ حمزة والكسائي : " فناداه " بالياء ، والآخرون بالتاء لتأنيث لفظ الملائكة وللجمع ، مع أن الذكور إذا تقدم فعلهم وهم جماعة كان التأنيث فيها أحسن كقوله تعالى : ( قالت الأعراب ) . وعن إبراهيم قال : كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما يذكر الملائكة في القرآن ، قال أبو عبيدة : إنما نرى عبد الله اختار ذلك خلافاً للمشركين في قولهم الملائكة بنات الله تعالى ، وروى الشعبي أن ابن مسعود رضي الله عنه قال : إذا اختلفتم في التاء والياء فاجعلوها ياء وذكروا القرآن ، وأراد بالملائكة ها هنا جبريل عليه السلام وحده كقوله تعالى في سورة النحل ( ينزل الملائكة ) يعني جبريل بالروح والوحي ، ويجوز في العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع كقولهم : سمعت هذا الخبر من الناس ، وإنما سمع من واحد ، نظيره قوله تعالى ( الذين قال لهم الناس ) يعني نعيم بن مسعود ( أن الناس ) يعني أبا سفيان بن حرب . وقال المفضل بن سلمة : إذا كان القاتل رئيساً يجوز الإخبار عنه بالجمع لاجتماع أصحابه معه ، وكان جبريل عليه السلام رئيس الملائكة ، وقلما يبعث إلا ومعه جمع فجرى على ذلك .
قوله تعالى : { وهو قائم يصلي في المحراب } أي في المسجد وذلك أن زكريا كان الحبر الكبير الذي يقرب القربان فيفتح باب المذبح فلا يدخلون حتى يأذن لهم في الدخول ، فبينما هو قائم يصلي في المحراب ، يعني في المسجد عند المذبح يصلي والناس ينتظرون أن يأذن لهم في الدخول فإذا هو برجل شاب عليه ثياب بيض تلمع ففزع منه فناداه وهو جبريل عليه السلام ، يا زكريا :
قوله تعالى : { إن الله يبشرك } . قرأ ابن عامر وحمزة " إن الله " بكسر الألف على إضمار القول تقديره : فنادته الملائكة فقالت إن الله ، وقرأ الآخرون بالفتح بإيقاع النداء عليه ، كأنه قال : فنادته الملائكة بأن الله يبشرك : قرأ حمزة : يبشرك ، وبابه بالتخفيف كل القرآن إلا قوله ( فبم تبشرون ) فإنهم اتفقوا على تشديدها ووافقه الكسائي هاهنا في الموضعين وفي سبحان ، والكهف ، وحم عسق ، ووافق ابن كثير وأبو عمرو في " حم عسق " والباقون بالتشديد ، فمن قرأ بالتشديد فهو من بشر يبشر تبشيراً وهو أعرب اللغات وأفصحها : دليل التشديد قوله تعالى ( فبشر عبادي ) ( وبشرناه بإسحاق ) ( قالوا بشرناك بالحق ) وغيرها من الآيات ، ومن خفف فهو من بشر يبشر وهي لغة تهامة ، وقراءة ابن مسعود رضي الله عنه .
قوله تعالى : { بيحيى } هو الاسم لا يجر لمعرفته وللزائد في أوله ومثل يزيد ويعمر ، وجمعه يحيون مثل موسون ، وعيسون ، واختلفوا في أنه لم سمي يحيى ؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما : لأن الله أحيا به عقر أمه .
قال قتادة :لأن الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان ، وقيل : سمي يحيى لأنه استشهد والشهداء أحياء ، وقيل :معناه يموت ، وقيل : لأن الله تعالى أحياه بالطاعة حتى لم يعص ولم يهم بمعصية .
قوله تعالى : { مصدقاً } نصب على الحال .
قوله تعالى : { بكلمة من الله } يعني عيسى عليه السلام ، سمي عيسى كلمة الله لأن الله تعالى قال له : كن من غير أب فكان ، فوقع عليه اسم الكلمة . وقيل سمي كلمة لأنه يهتدي به بكلام الله تعالى ، وقيل : هي بشارة الله تعالى لمريم بعيسى عليه السلام بكلامه على لسان جبريل عليه السلام ، وقيل : لأن الله تعالى أخبر الأنبياء بكلامه في كتبه أنه يخلق نبياً بلا أب فمساه كلمة لحصوله بذلك الوعد ، وكان يحيى عليه السلام أول من آمن بعيسى عليه السلام وصدقه ، وكان يحيى عليه السلام اكبر من عيسى بستة أشهر ، وكانا ابني خالة ، ثم قتل يحيى قبل أن يرفع عيسى عليه السلام ، وقال أبو عبيدة : ( بكلمة من الله ) أي بكتاب من الله وآياته ، تقول العرب : أنشدني كلمة فلان أي قصيدته .
قوله تعالى : { وسيداً } هو فعيل ، من ساد يسود وهو الرئيس الذي يتبع وينتهي إلى قوله .
قال المفضل : أراد سيداً في الدين ، قال الضحاك : السيد الحسن الخلق ، قال سعيد بن جبير : السيد الذي يطيع ربه عز وجل ، وقال سعيد بن المسيب : السيد الفقية العالم .
وقال قتادة : سيد في العلم والعبادة والورع ، وقيل : الحليم الذي لا يغضبه شيء ، قال مجاهد : الكريم على الله تعالى ، وقيل : السيد التقي ، قاله الضحاك : قال سفيان الثوري : الذي لا يحسد . وقيل : الذي يفوق قومه في جميع خصال الخير . وقيل : هو القانع بما قسم الله له . وقيل : هو السخي . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من سيدكم يا بني سلمة ؟ قالوا : جد بن قيس على أنا نبخله قال : وأي داء أدوأ من البخل ؟ لكن سيدكم عمرو بن الجموح " .
قوله تعالى : { وحصوراً ونبياً من الصالحين } . والحصور أصله من الحصر وهو الحبس ، والحصور في قول ابن مسعود رضي الله عنه وابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة رضي الله عنهم وعطاء والحسن : الذي لا يأتي النساء ، ولا يقربهن ، وهو على هذا القول فعول بمعنى فاعل ؛ يعني انه يحصر نفسه عن الشهوات ، وقال سعيد بن المسيب : هو العنين الذي لاماء له ، فيكون الحصور بمعنى المحصور يعني الممنوع من النساء . قال سعيد بن المسيب : كان له مثل هدبة الثوب ، وقد تزوج مع ذلك ليكون أغض لبصره وفيه قول آخر ، إن الحصور هو الممتنع من الوطء مع القدرة عليه ، واختار قوم هذا القول لوجهين :أحدهما ، لأن الكلام خرج مخرج الثناء وهذا أقرب إلى استحقاق الثناء . والثاني :أنه أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء .