{ تَعْقِلُونَ هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } تنبيه على أن المخاطبين مخطئون في اتخاذهم بطانة ، وفي إعراب مثل هذا التركيب مذاهب للنحويين ، فقال الأزهري وابن كيسان وجماعة : إن ها للتنبيه ؛ وأنتم مبتدأ وجملة تحبونهم خبره وأولاء منادى أو منصوب على الاختصاص ، وضعف بأنه خلاف الظاهر والاختصاص لا يكون باسم الإشارة ، وقيل : أنتم مبتدأ ، وأولاء خبره ، والجملة بعد مستأنفة ، ويؤيد ذلك ما قاله الرضى من أنه ليس المراد من ها أنا ذا أفعل ، وها أنت ذا تفعل تعريف نفسك أو المخاطب إذ لا فائدة فيه بل استغراب وقوع مضمون وقوع الفعل المذكور بعد من المتكلم أو المخاطب ، فالجملة بعد اسم الإشارة لازمة لبيان الحال المستغربة ولا محل لها إذ هي مستأنفة ، وقال البصريون : هي في محل النصب على الحال أي ها أنت ذا قائلاً والحال ههنا لازمة لأن الفائدة معقودة بها وبها تتم ، والعامل فيها حرف التنبيه أو اسم الإشارة .
واعترضه الرضي بأنه لا معنى للحال إذ ليس المعنى أنت المشار إليه في حال فعلك ولا يخفى أن ما قاله البصريون هو الظاهر من كلام العرب لأنهم قالوا : ها أنت ذا قائماً فصرحوا بالحالية وإن كان المعنى على الإخبار بالحال لأنه المقصود بالاستبعاد ، ومدلول الضمير واسم الإشارة متحد واعتبار معنى الإشارة لمجرد تصحيح العمل لا أن المعنى عليه وبه يندفع بحث الرضي على أنه قد أجيب عنه بغير ذلك ، وقال الزجاج : يجوز أن يكون أولاء بمعنى الذين خبراً عن المبتدأ ، وتحبونهم في موضع الصلة وليس بشيء ، وقيل : أنتم مبتدأ أول وأولاء مبتدأ ثان ، وتحبونهم خبر المبتدأ الثاني ، والجملة خبر المبتدأ الأول على حدّ أنت زيد تحبه ، وقيل : إن أولاء هو الخبر ، والجملة ما بعده خبر ثان ، وقيل : أولاء في محل نصب بفعل يفسره ما بعده ، والجملة خبر المبتدأ والإشارة للتحقير فاستعملت هنا للتوبيخ كأنه ازدرى بهم لظهور خطئهم في ذلك الاتخاذ .
والمراد بمحبة المؤمنين لهم المحبة العادية الناشئة من نحو الإحسان والصداقة ، ومثلها وإن كان غريباً يلام عليه إذا وقع من المؤمنين في حق أعداء الدين الذين يتربصون بهم ريب المنون لكن لا يصل إلى الكفر وإنما لم يصل إليه باعتبار آخر لا يكاد يقع من أولئك المخاطبين ، وقيل : المراد : تحبونهم لأنكم تريدون الإسلام لهم وتدعونهم إلى الجنة ولا يحبونكم لأنهم يريدون لكم الكفر والضلال وفي ذلك الهلاك ، ولا يخفى ما فيه .
{ وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلّهِ } أي بالجنس كله وجعل ذلك من قبيل أنت الرجل أي الكامل في الرجولية ويكون الكتاب حينئذ إشارة إلى القرآن تعسف ، والجملة حال من ضمير المفعول في { لا * يُحِبُّونَكُمْ } واعترضه في «البحر » بأن المضارع المثبت إذا وقع حالاً لا تدخل عليه واو الحال ولهذا تأولوا قمت وأصك عينيه على حذف المبتدأ أي قمت وأنا أصك عينيه ، ومثل هذا التأويل وإن جاء هنا أي ولا يحبونكم وأنتم تؤمنون بالكتاب كله إلا أن العطف على تحبونهم أولى لسلامته من الحذف ، وفيه أن الكلام في معرض التخطئة ولا كذلك الإيمان بالكتاب كله فإنه محض الصواب ، والحمل على أنكم تؤمنون بالكتاب كله وهم لا يؤمنون بشيء منه لأن إيمانهم كلا إيمان فلا يجامع المحبة ، سديد ، كما قال العلامة الثاني في تقرير الحالية دون العطف ، وبهذا يندفع ما في «البحر » من الاعتذار والمعنى يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابهم فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بكتابكم .
{ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ ءامَنَّا } نفاقاً { وَإِذَا خَلَوْاْ } أي خلا بعضهم ببعض { عَضُّواْ عَلَيْكُمُ } أي لأجلكم { الانامل } أي أطراف الأصابع { مِنَ الغيظ } أي لأجل الغضب والحنق لما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم ونصرة الله تعالى إياهم بحيث عجز أعداؤهم عن أن يجدوا سبيلاً إلى التشفي واضطروا إلى مداراتهم ، وعض الأنامل عادة النادم الأسيف العاجز ، ولهذا أشير به إلى حال هؤلاء وليس المراد أن هناك عضاً بالفعل .
/ { قُلْ } يا محمد بلسانك ، وقيل : المراد حدث نفسك بإذلالهم وإعزاز الإسلام من غير أن يكون هناك قول ، وقيل : هو خطاب لكل مؤمن وتحريض لهم على عداوتهم وحث لهم على خطابهم خطاب الخصماء فإنه لا أقطع للمحبة من جراحة اللسان فالمقصود على هذا من قوله تعالى : { مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ } مجرد الخطاب بما يكرهونه ، والصحيح الذي اتفقت عليه كلمتهم أنه دعاء عليهم وكون ذلك مما فيه خفاء إذ لا يخاطب المدعو عليه بل الله تعالى ويسأل منه ابتلاؤه لا خفاء في خفائه وأنه غفلة عن قولهم قاتلك الله تعالى ، وقولهم : دم بعز ، وبت قرير عين ، وغيره مما لا يحصى ، والمراد كما قيل : الدعاء بدوام الغيظ وزيادته بتضاعف قوة الإسلام وأهله حتى يهلكوا به ، وهذا عند العلامة الثاني من كناية الكناية حيث عبر بدعاء موتهم بالغيظ عن ملزومه الذي هو دعاء ازدياد غيظهم إلى حين الهلاك وبه عن ملزومه الذي هو قوة الإسلام وعز اسمه وذلك لأن مجرد الموت بالغيظ أو ازدياده ليس مما يحسن أن يطلب ويدعى به .
وتعقب بأن المجاز على المجاز مذكور وأما الكناية على الكناية فنادرة وقد صرح بها السبكي في «قواعده الأصولية » ونقل فيها خلافاً ، ومع هذا الفرق بين الكناية بالوسائط والكناية على الكناية مما يحتاج إلى التأمل الصادق ولعله فرق اعتباري ، وأيضاً ما ذكره من أن مجرد الموت بالغيظ الخ مدفوع بأنه يمكن أن يكون المحسن لذلك ما فيه من الإشارة إلى ذمهم حيث إنهم قد استحقوا هذا الموت الفظيع والحال الشنيع .
{ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } أي بما خفي فيها ، وهذا يحتمل أن يكون من تتمة المقول أي قل لهم إن الله تعالى عليم بما هو أخفى مما تخفونه من عض الأنامل إذا خلوتم فيجازي به ، وأن يكون خارجاً عنه أي قل لهم ما تقدم ولا تتعجب من إطلاعي إياك على أسرارهم فإني عليم بالأخفى من ضمائرهم ، والنهي عن التعجب حينئذ إما خارج مخرج العادة مجازاً ، بناءاً على أن المخاطب عالم بمضمون هذه الجملة ، وإما باق على حقيقته إن كان المخاطب غير ذلك ممن يقف على هذا الخطاب فلا إشكال على التقديرين خلافاً لمن وهم في ذلك .
( هذا ومن باب الإشارة ) : { هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ } بمقتضى ما عندكم من التوحيد لأن الموحد يحب الناس كلهم بالحق للحق ويرى الكل مظهراً لحبيبه جل شأنه فيرحم الجميع ويعلم أن البعض منهم قد اشتغل بباطل نظراً إلى بعض الحيثيات وابتلى بالقدر ، وهذا لا ينافي ما قدمنا آنفاً عند التأمل { وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } بمقتضى الحجاب والظلمة التي ضربت عليهم { وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب } أي جنسه { كُلّهُ } لما أنتم عليه من التوحيد المقتضى لذلك وهم لا يؤمنون بذلك للاحتجاب بما هم عليه { وإذا لقوكم قالوا آمنا } لما فيهم من النفاق المستجلب للأغراض العاجلة { وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الانامل مِنَ الغيظ } [ آل عمران : 119 ] الكامن في صدورهم
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
ثم قال سبحانه: {ها أنتم} معشر المؤمنين {أولاء تحبونهم} تحبون هؤلاء اليهود في التقديم لما أظهروا من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، {ولا يحبونكم}، لأنهم ليسوا على دينكم، {وتؤمنون بالكتاب كله}، كتاب محمد صلى الله عليه وسلم والكتب كلها التي كانت قبله.
{وإذا لقوكم قالوا آمنا} يعني صدقنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، وهم كذبة، يعني اليهود، مثلها في المائدة: {وإذا جاؤوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر...} (المائدة: 61) إلى آخر الآية. ثم قال: {وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل}، يعني أطراف الأصابع، {من الغيظ} الذي في قلوبهم، ودوا لو وجدوا ريحا يركبونكم بالعداوة.
{قل موتوا بغيظكم}، يعني اليهود، {إن الله عليم بذات الصدور} يعني يعلم ما في قلوبهم من العداوة والغش للمؤمنين.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يعني بذلك جلّ ثناؤه: ها أنتم أيها المؤمنون الذين تحبونهم، يقول: تحبون هؤلاء الكفار الذين نهيتكم عن اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، فتودّونهم وتواصلونهم، وهم لا يحبونكم، بل ينتظرون لكم العداوة والغش، وتؤمنون بالكتاب كله. ومعنى الكتاب في هذا الموضع، معنى الجمع، كما يقال: أكثر الدرهم في أيدي الناس، بمعنى الدراهم، فكذلك قوله: {وَتُؤْمِنُونَ بالكِتابِ كُلّهِ}، إنما معناه: بالكتب كلها كتابكم الذي أنزل الله إليكم، وكتابهم الذي أنزله إليهم، وغير ذلك من الكتب التي أنزلها الله على عباده. يقول تعالى ذكره: فأنتم إذ كنتم أيها المؤمنون تؤمنون بالكتب كلها، وتعلمون أن الذين نهيتكم عن أن تتخذوهم بطانة من دونكم، كفار بذلك كله، بجحودهم ذلك كله من عهود الله إليهم، وتبديلهم ما فيه من أمر الله ونهيه، أولى بعداوتكم إياهم، وبغضائهم وغشهم منهم بعداوتكم وبغضائكم مع جحودهم بعض الكتب وتكذيبهم ببعضها...
وفي هذه الآية إبانة من الله عزّ وجلّ عن حال الفريقين، أعني المؤمنين والكافرين، ورحمة أهل الإيمان ورأفتهم بأهل الخلاف لهم، وقساوة قلوب أهل الكفر وغلظتهم على أهل الإيمان...
{وَإذَا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنّا وَإذا خَلَوْا عَضّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنِ الغَيْظِ}. يعني بذلك تعالى ذكره: إن هؤلاء الذين نهى الله المؤمنين أن يتخذوهم بطانة من دونهم، ووصفهم بصفتهم إذا لقوا المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعطوهم بألسنتهم تقية، حذرا على أنفسهم منهم، فقالوا لهم: قد آمنا وصدّقنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا هم خلوا فصاروا في خلاء حيث لا يراهم المؤمنون، عضوا على ما يرون من ائتلاف المؤمنين، واجتماع كلمتهم، وصلاح ذات بينهم، {أنامِلَهُمْ} وهي أطراف أصابعهم، تغيظا مما بهم من الموجدة عليهم، وأَسًى على ظهر يسندون إليه لمكاشفتهم العداوة ومناجزتهم المحاربة...
{قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ} يعني بذلك جلّ ثناؤه: قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين وصفت لك صفتهم، وأخبرتك أنهم إذا لقوا أصحابك، قالوا آمنا، وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ: موتوا بغيظكم الذي بكم على المؤمنين، لاجتماع كلمتهم، وائتلاف جماعتهم. وخرج هذا الكلام مخرج الأمر، وهو دعاء من الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يدعو عليهم بأن يهلكهم الله كمدا مما بهم من الغيظ على المؤمنين، قبل أن يروا فيهم ما يتمنون لهم من العنت في دينهم، والضلالة بعد هداهم، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد، اهلكوا بغيظكم، إن الله عليم بذات الصدور، يعني بذلك: إن الله ذو علم بالذي في صدور هؤلاء الذين إذا لقوا المؤمنين، قالوا: آمنا، وما ينطوون لهم عليه من الغلّ والغمّ، ويعتقدون لهم من العداوة والبغضاء، وبما في صدور جميع خلقه، حافظ على جميعهم ما هو عليه منطو من خير وشرّ، حتى يجازي جميعهم على ما قدّم من خير وشرّ، واعتقد من إيمان وكفر، وانطوى عليه لرسوله وللمؤمنين من نصيحة أو غِلّ وغِمْر.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
يقول: ها أنتم يا هؤلاء المسلمين تحبونهم، يعني المنافقين، ولا يحبونكم على دينكم، قال الشيخ، رحمه الله. وفي الآية بيان أن أولئك قوم يحبهم المؤمنون إما بظاهر الإيمان وإما بظاهر الحال منهم من طلب مودتهم، فأطلع الله المؤمنين على سرهم لئلا يغتروا بظاهرهم وليكون حجة لهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم بما أطلعه الله على ما أسروا، والله أعلم...
وقوله تعالى: {عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم} هو على التمثيل؛ يقال عند شدة الغضب: فلان يعض أنامله على فلان، وذلك إذا بلغ الغضب غايته... {إن الله عليم بذات الصدور} على الوعيد.
الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :
قال المفضل: معنى {تُحِبُّونَهُمْ} تريدون لهم الإسلام، وهو خير الأشياء، ولا تبخلون عليهم بدعائهم إلى الجنة، {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} هم؛ لأنهم يريدونكم على الكفر، وهو الهلاك...
قال الله تعالى: {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ}، إن قيل: كيف لا يموتون والله تعالى إذا قال لشيء كن فيكون؟ فالجواب: أن المراد ابقوا بغيضكم إلى الممات فإن مناكم عن الاسعاف محجوبة...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
أنتم بقضية كرمكم تصفو -عن الكدورات- قلوبكم؛ فتغلبكم الشفقة عليهم، وهم -لعتوِّهم وخُلْفِهم- يكيدون لكم ما استطاعوا، ولفرط وحشتهم لا تترشح منهم إلا قطرات غيظهم. فَفَرِّغْ -يا محمد- قلبك منهم. {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}. دَعْهُمْ يتفردوا بمقاساة ما تداخلهم من الغيظ، واستريحوا بقلوبكم عمَّا يَحِلُّ بهم، فإن الله أولى بعباده؛ يوصل إلى مَنْ يشاء ما يشاء...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
أي أنتم أولاء الخاطئون في موالاة منافقي أهل الكتاب. وقوله: {تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} بيان لخطئهم في موالاتهم حيث يبذلون محبتهم لأهل البغضاء... والواو في {وَتُؤْمِنُونَ} للحال، وانتصابها من لا يحبونكم أي لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابهم كله، وهم مع ذلك يبغضونكم. فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم. وفيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم...
{قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ} دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به والمراد بزيادة الغيظ زيادة ما يغيظهم من قوّة الإسلام وعز أهله وما لهم في ذلك من الذل والخزي والتبار {إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} فهو يعلم ما في صدور المنافقين من الحنق والبغضاء، وما يكون منهم في حال خلوّ بعضهم ببعض، وهو كلام داخل في جملة المقول أو خارج منها. فإن قلت: فكيف معناه على الوجهين؟ قلت إذا كان داخلاً في جملة المقول فمعناه: أخبرهم بما يسرونه من عضهم الأنامل غيظاً إذا خلوا، وقل لهم إنّ الله عليم بما هو أخفى مما تسرونه بينكم وهو مضمرات الصدور، فلا تظنوا أنّ شيئاً من أسراركم يخفى عليه. وإذا كان خارجاً فمعناه: قل لهم ذلك يا محمد ولا تتعجب من إطلاعي إياك على ما يسرون فإني أعلم ما هو أخفى من ذلك وهو ما أضمروه في صدورهم ولم يظهروه بألسنتهم. ويجوز أن لا يكون ثمَّ قول، وأن يكون قوله: {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ} [آل عمران: 119] أمراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطيب النفس وقوة الرجاء والاستبشار بوعد الله أن يهلكوا غيظاً بإعزاز الإسلام وإذلالهم به، كأنه قيل: حدث نفسك بذلك.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
«ذات الصدور»: ما تنطوي عليه، والإشارة هنا إلى المعتقدات...
اعلم أن هذا نوع آخر من تحذير المؤمنين عن مخالطة المنافقين... إنه تعالى ذكر في هذه الآية أمورا ثلاثة، كل واحد منها على أن المؤمن لا يجوز أن يتخذ غير المؤمن بطانة لنفسه فالأول: قوله {تحبونهم ولا يحبونكم} وفيه وجوه: أحدها: قال المفضل {تحبونهم} تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء {ولا يحبونكم} لأنهم يريدون بقاءكم على الكفر، ولا شك أنه يوجب الهلاك الثاني: {تحبونهم} بسبب ما بينكم وبينهم من الرضاعة والمصاهرة {ولا يحبونكم} بسبب كونكم مسلمين الثالث: {تحبونهم} بسبب أنهم أظهروا لكم الإيمان {ولا يحبونكم} بسبب أن الكفر مستقر في باطنهم الرابع: قال أبو بكر الأصم {تحبونهم} بمعنى أنكم لا تريدون إلقاءهم في الآفات والمحن {ولا يحبونكم} بمعنى أنهم يريدون إلقاءكم في الآفات والمحن ويتربصون بكم الدوائر الخامس: {تحبونهم} بسبب أنهم يظهرون لكم محبة الرسول ومحب المحبوب محبوب {ولا يحبونكم} لأنهم يعلمون أنكم تحبون الرسول وهم يبغضون الرسول ومحب المبغوض مبغوض السادس: {تحبونهم} أي تخالطونهم، وتفشون إليهم أسراركم في أمور دينكم {ولا يحبونكم} أي لا يفعلون مثل ذلك بكم. واعلم أن هذه الوجوه التي ذكرناها إشارة إلى الأسباب الموجبة لكون المؤمنين يحبونهم ولكونهم يبغضون المؤمنين، فالكل داخل تحت الآية، ولما عرفهم تعالى كونهم مبغضين للمؤمنين وعرفهم أنهم مبطلون في ذلك البغض صار ذلك داعيا من حيث الطبع، ومن حيث الشرع إلى أن يصير المؤمنون مبغضين لهؤلاء المنافقين...
والسبب الثاني لذلك: قوله تعالى: {وتؤمنون بالكتاب كله}...
السبب الثالث لقبح هذه المخالطة: قوله تعالى: {وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ}...
والمراد بذات الصدور الخواطر القائمة بالقلب والدواعي والصوارف الموجودة فيه وهي لكونها حالة في القلب منتسبة إليه فكانت ذات الصدور، والمعنى أنه تعالى عالم بكل ما حصل في قلوبكم من الخواطر والبواعث والصوارف...
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :
{وإذا لقوكم قالوا آمنا} نفاقا وتغريرا {وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} من أجله تأسفا وتحسرا حيث لم يجدوا إلى التشفي سبيلا...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
{إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي: هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتُكنُّه سَرَائرُكُم من البغضاء والحسد والغل للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤمّلون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها، فلا خروج لكم منها.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
من جعل الهاء في {ها أنتم} بدلاً عن همزة الاستفهام فالمراد عنده: أأنتم يا هؤلاء القرباء مني تحبونهم والحال أنهم على ما هم عليه من منابذتكم وأنتم على ما أنتم عليه من الفطنة بصفاء الأفكار وعليّ الآراء بقبولكم الحق كله، لأن المؤمن كيس فطن؛ فهو استفهام -وإن كان من وادي التوبيخ- المراد به التنبيه والتهييج المنقل من سافل الدركات إلى عالي الدرجات -والله الموفق. ولما كانوا كأنهم قالوا: فما نفعل؟ قال مخاطباً للرأس المسموع الأمر المجاب الدعاء: {قل} أي لهم {موتوا بغيظكم} أي ازدراء بهم ودعاء عليهم بدوام الغيظ من القهر وزيادته حتى يميتهم. ولما كانوا يحلفون على نفي هذا ليرضوهم قال تعالى مؤكداً لما أخبر به لئلا يظن أنه أريد به غير الحقيقة: {إن الله} أي الجامع لصفات الكمال {عليم بذات الصدور} أي فلا تظنوا أنه أراد بعض ما يتجوز بالغيظ عنه.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
(ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم) فالقرآن ينطق بأفصح عبارة وأصرحها واصفا المسلمين بهذا الوصف الذي هو من أثر الإسلام وهو إنهم يحبون أشد الناس عداوة لهم الذين لا يقصرون في إفساد أمرهم وتمني عنتهم، على أن بغضاءهم لهم ظاهرة وما خفي فمنها أكبر مما ظهر. أولئك المبغضون هم الذين قال الله فيهم أو في طائفة منهم (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود] [المائدة: 82] الخ يعني أولئك اليهود المجاورين لهم في الحجاز. أليس حب المؤمنين لأولئك اليهود الغادرين الكائدين وإقرار القرآن إياهم على ذلك لأنه أثر من آثار الإسلام في نفوسهم، هو أقوى البراهين على أن هذا الدين دين حب ورحمة وتساهل وتسامح لا يمكن أن يصوب العقل نظره إلى أعلى منه في ذلك؟ بلى، ولكن وجد في الناس من ينكر عليه ذلك ويصفه بضده زورا وبهتانا، بل تعصبا خرّوا عليه صما وعميانا...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
{ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم} استئناف ابتدائي، قصد منه المقابلة بين خُلق الفريقين، فالمؤمنون يحبّون أهل الكتاب، وأهل الكتاب يبغضونهم، وكلّ إناء بما فيه يرشح، والشأن أنّ المحبَّة تجلب المحبَّة إلاّ إذا اختلفت المقاصد والأخلاق...
ولمّا كان التعجيب في الآية من مجموع الحالين قيل: {ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم} فالعَجب من محبّة المؤمنين إيّاهم في حال بغضهم المؤمنين، ولا يذكر بعد اسم الإشارة جملة في هذا التركيب إلاّ والقصد التعجّب من مضمون تلك الجملة...
وليس في هذا التعجيب شيء من التغليط، ولكنَّه مجرد إيقاظ، ولذلك عقّبه بقوله: {وتؤمنون بالكتاب كله} فإنَّه كالعذر للمؤمنين في استبطانهم أهل الكتاب بعد إيمان المؤمنين، لأنّ المؤمنين لمَّا آمنوا بجميع رسل الله وكتبهم كانوا ينسبون أهل الكتاب إلى هدى ذهب زمانه، وأدخلوا فيه التّحريف بخلاف أهل الكتاب إذ يرمقون المسلمين بعين الازدراء والضلالة واتّباع ما ليس بحقّ. وهذان النظران، منّا ومنهم، هما أصل تسامح المسلمين مع قوّتهم، وتصَلُّب أهل الكتابين مع ضعفهم...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
بعد هذا أخذ سبحانه يقابل بين إخلاص المؤمنين، وحقد الكافرين الذين يتخذ بعض المسلمين منهم بطانة فقال: {ها انتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله}.
الإشارة إما أن تكون لعامة المؤمنين: من يتخذون بطانة من الكافرين، ومن لا يتخذون، ويكون المعنى ها أنتم أولاء أيها المؤمنون تحبونهم وترجون لهم الهداية والتوفيق، والخير والرشاد، وتؤمنون بالكتاب كله؛ أي بالكتاب المنزل الذي يحوي شريعة الله تعالى التي لا تتغير ولا تتبدل، فالكتاب هنا جنس للكتب المنزلة كلها، وهم لا يحبونكم ولا يريدون الرشاد، واستمرار الهداية، بل يريدون إفساد أموركم.
وإما أن يكون الخطاب للذين يخطئون ويتخذون منهم خاصة وبطانة ويطلعونهم على سر الأمور، ويكون المعنى ها أنتم أيها الذين أخطئوا تحبونهم وتقربونهم وتجعلونهم خواص لكم، وهم لا يحبونكم، وأنتم أكمل إيمانا وأقوى يقينا، لأنكم تؤمنون بالكتاب المنزل كله، ففي ضمن إيمانكم التصديق بالصادق عندهم، وهم ناقصو الإيمان، فكيف تثقون بهم وهم منكرون جاحدون لما عندكم؟.
ثم ذكر سبحانه حالا لهم تكشف عن كراهيتهم وبغضهم ونفاقهم، فقال سبحانه: {وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ}.
هذا بيان لنفاقهم، ولا يمكن ان يكون في بطانة المؤمنين إلا المنافق منهم، سواء أكان من المنافقين الذين أعلنوا الإسلام في ظاهر أحوالهم وعامة شئونهم وأضمروا غيره،أم كان من الذين لم يدخلوا في ضمن المسلمين ظاهرا؛ إذ لا يمكن إلا أن يكون في قلبه حظ كبير من النفاق ما دام قد قبل أن يعمل خاصة وبطانة لمؤمن؛ لأنه لا يمكن أن يصل إلى هذه المنزلة إلا إذا أبطن غير ما يظهر، إن لم يكن في شئون الاعتقاد ففي غيرها، فمن كان شأنه كذلك يكون منافقا لا محالة.
ويصح أن يكون المراد المنافقين الذين أضمروا الكفر وأظهروا الإسلام، ويكون هذا واضحا، ويؤيده قوله تعالى: {وإذا لقوكم قالوا آمنا} لأنهم يعلنون الإيمان، ولكن واضح أيضا أن قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا} عامة تشمل المنافقين وغير المؤمنين، فكيف نذكر بعد ذلك أوصاف المنافقين فقط؟ والجواب عن ذلك أن النهي عام، وقد ذكر التعليل خاصا بالمنافقين، لأنهم الأقرب لئلا يعهد إليهم بخواص الأمور، إذ هم يعلنون الإسلام، ويبطنون غيره، فهم مظنة أن يخدع الحاكم فيهم، فدعاه القرآن الكريم إلى أن يتخير بطانته، وغيرهم لسان حالهم ينفر منهم إلا إذا كان الأمير أو الحاكم ممن لا يحسنون الحكم ولا معرفة المصلحة.
وعلى النظر الأول، وهو أن يكون الكلام في قوله تعالى: {وإذا لقوكم قالوا آمنا} عاما لكل الكافرين يكون معنى: {قالوا آمنا} أنهم يظهرون الرضا بحكم الإسلام والاطمئنان إليه، وأنهم يريدون قوة الدولة الإسلامية وعزتها، فليس الإيمان على حقيقته، بل معناه الرضا بقبول الحكم الإسلامي.
و لا شك أن التخريج الآخر أوضح و أبين.
ومعنى {وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} أن الحقد يأكلهم ولا يستطيعون إظهار الألم الشديد في حضرة المؤمنين، فيدخرون إظهاره حتى إذا خلوا أظهروه في أقسى مظاهره، وهي عض الأنامل من الغيظ، والأنامل قيل هي أطراف الأصابع، وقيل الأصابع نفسها، والمغيظ المحنق دائما يعض الأنامل، فهذا مظهر لأعلى درجات الغيظ، وإن لم يقع من بعض الناس بالفعل... فهذا التعبير كناية عن بلوغ أقصى درجات الغيظ، وفي هذا إشارة إلى أن من يكون إحساسهم نحو المؤمنين كذلك، لا يصح أن يوثق بهم في مهامهم؛ لأنهم منافقون، والمنافق ليس جديرا بالثقة، ولأنهم لا يسرهم من المؤمنين إلا أن يكونوا في خبال.
وأنهم ما داموا لا يريدون إلا الشر بأهل الإيمان، فإنه يجب أن يستمروا على حالهم من الغيظ، لأن الخير فيما يغيظهم، ولذا قال سبحانه: {قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور}. الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ابتداء، ولكل مؤمن بالتبع له عليه الصلاة والسلام، وقوله: {موتوا بغيظكم} ظاهره الأمر بالموت أو الدعاء بالموت، وحقيقته الدعوة إلى استمرارهم على غيظهم مادام غيظهم سببه نجاح الإسلام ودعوته، وعموم هدايته وصلاح شأن المسلمين، فالأمر هنا طلب استمرارهم على غيظهم، فالمعنى استمروا على غيظكم، والاستمرار على الغيظ استمرار لسببه وهو نجاح الإسلام وقوته، وصيغة الأمر هنا للتهكم عليهم.
وقوله تعالى: {إن الله عليم بذات الصدور} لإفادة أن ما يبيتونه للمسلمين يعلمه الله ويحاسبهم عليه ويعذبهم، فحالهم في الدنيا شر حال، وفي الآخرة العذاب الأليم، فلهم كمد الدنيا، وعذاب الآخرة، وقد جوز الزمخشري أن تكون تلك الجملة من مقول القول المأمور به في "قل "وأن تكون من قول الله تعالى، والمؤدى واحد، وهو أن الله عليم بالسرائر والضمائر، وفيها تطييب لنفوس النبي والذين آمنوا بأن الله تعالى ناصرهم وكاشف أمر أعدائهم إذا أطاعوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، ولم يجعلوا من أولئك الأعداء بطانة لهم، حتى لا يمكنوهم من دخائل أمورهم، فيكون سر المسلمين مكشوفا، وأمر هؤلاء مستورا.
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 118]
يعود كتاب الله إلى تحذير المؤمنين مرة أخرى من دسائس خصوم الإسلام، فينهاهم نهيا باتا عن اتخاذهم بطانة لهم من دون المؤمنين ويمنع المسلمين من الإفضاء إليهم بأسرارهم، وذلك حتى لا يستعين عليهم بها أعداؤهم. ولا يقف كتاب الله عند هذا الحد، بل يكشف للمسلمين حقائق خصوم الإسلام الدفينة، ونواياهم الخفية، فهم بشهادة الله الذي يعلم السر والنجوى، حريصون كل الحرص على أن يبلبلوا أفكار المسلمين، ويجعلوها مضطربة متناقضة متشاكسة باستمرار، ليظل المسلمون على الدوام في حيرة واضطراب وبلبلة، ولا يهتدوا سبيلا. وهم بشهادة كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يحملون للمسلمين بغضا دفينا، وكرها عميقا، وهذا البغض يتجلى في فلتات ألسنتهم، ويبرز على ملامحهم وفي انطباعاتهم، كلما جاءت مناسبة أو دعت ضرورة لبروزه. ثم ينعى كتاب الله على السذج من المسلمين ما هم عليه من سذاجة يستغلها خصومهم إلى أقصى الحدود، حتى أنهم ليبادرون إلى محبة أولئك الخصوم الألداء، بينما خصومهم ثابتون على حقهم، ولا يتنازلون عن بغضهم للإسلام وأهله قيد شعرة...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
[هَآ أَنتُمْ أُوْلآء تُحِبُّونَهُمْ] لأنَّ اللّه أرادكم من خلال الإسلام المنفتح على النّاس كلّهم أن تفتحوا قلوبكم بالمحبة للآخرين، لأنَّ المسلم هو الذي يتحرّك في حياته مع الآخرين على أساس الإخلاص الباحث عن حركة الحقيقة في الوجدان العام من مواقع التفكير والحوار، فهو يعمل على أن يهدي الآخر بالدخول إلى قلبه من خلال الشعور الطاهر، ليدخل إلى عقله من خلال الجوّ الملائم الذي لا يحمل في داخله أيّة حالة لرفض الآخر، [وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ] من خلال أنَّهم تحرّكوا في تربيتهم من قاعدة العنصرية التي توحي إليهم بأنَّهم هم الذين يملكون الدرجة العليا في الإنسانية، وأنَّ الآخرين لا يمثّلون شيئاً في حساباتهم إلاَّ كما يمثّله العبد أمام سيِّده. هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى، فإنَّهم لا يرون فيكم إلاَّ الفئة المضادة لتطلّعاتهم ومخططاتهم من أجل السيطرة على العالم، ما يجعلهم لا يطيقون وجودكم بالذات فكيف يمكن أن يحملوا لكم الحبّ؟ [وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلّهِ] لأنَّ القرآن جاء مصدّقاً لما بين يديه من التوراة والإنجيل، وداعياً كلّ أتباعه إلى الإيمان بالكتاب الذي أنزله اللّه على رسوله موزعاً بينهم في حاجات النّاس، بحسب المراحل، من دون تفريقٍ بين كتابٍ وكتاب، ورسول ورسول. أمّا هم فلا يؤمنون بكتابكم، لأنَّهم لا يؤمنون بأنَّ محمَّداً صلّى اللّه عليه وآله وسلّم رسول اللّه وأنَّ القرآن وحي من اللّه، [وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا] لتؤمّنوا لهم فتعتبروهم منكم فتدخلوهم في عمق خصوصياتكم، فيطلعوا على أسراركم التي تمنحهم الفرصة لاستغلالها في الإضرار بكم وتعطيل خططكم المعتمدة على بعض الأمور السرية في مواجهة العدوّ، [وَإِذَا خَلَوْا عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ] في تعبير صارخ عن الحقد الدفين في نفوسهم من خلال هذا الانتصار الكبير للدعوة الإسلامية الذي أغلق عنهم الكثير من الساحات التي كانوا يتحرّكون فيها، محقّقين فيها مصالحهم ومآربهم الخاصّة من خلال علاقاتهم المدروسة مع أهلها. [قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ] فلن ينفعكم ذلك شيئاً في إنجاح ما تخطّطون له من الكيد للإسلام والمسلمين، ولن يضرّ المسلمين شيئاً في رعاية اللّه لهم في انتصاراتهم وفتوحاتهم وغلبتهم على الشرك كلّه، فلن يخفى أمركم على اللّه، [إِنَّ اللّه عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ] فهو المطّلع على أعماق عباده، وهو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
يحسب بعض المسلمين أن في مقدورهم أن يكسبوا حبّ الأعداء والأجانب إذا أعطوهم حبهم وودهم، وهو خطأ فظيع، وتصور باطل، يقول سبحانه: (ها أنتم تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كلّه).
إنه سبحانه يخاطب هذا الفريق من المسلمين ويقول لهم: إنكم تحبون من يفارقكم في الدين لما بينكم من الصداقة أو القرابة أو الجوار، وتظهرون لهم المودة والمحبة، والحال أنهم لا يحبونكم أبداً، وتؤمنون بكتبهم وكتابكم المنزل من السماء على السواء في حين أنهم لا يؤمنون بكتابكم ولا يعترفون بأنه منزل من السماء.
إن هذا الفريق من أهل الكتاب ينافقون ويخادعون (وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ).
ولاشكّ أن هذا الغيظ لن يضر المسلمين في الواقع، إذن فقل لهم يا رسول الله: (قل موتوا بغيظكم) واستمروا على هذا الحنق فإنه لن يفارقكم حتّى تموتوا.
هذه هي حقيقة الكفّار التي غفلتم عنها، ولم يغفل عنها سبحانه: (إن الله عليم بذات الصدور).