{ واكتب لَنَا } أي أثبت واقسم لنا { فِى هذه الدنيا } التي عرانا فيها ما عرانا { حَسَنَةٌ } حياة طيبة وتوفيقا للطاعة .
وقيل : ثناءاً جميلاً وليس بجميل ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد اقبل وفادتنا وردنا بالمغفرة والرحمة { وَفِي الاخرة } أي واكتب لنا أيضاً في الآخرة حسنة وهي المثوبة الحسنى والجنة .
قيل : إن هذا كالتأكيد لقوله : اغفر وارحم { إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ } أي تبنا إليك من هاد يهود إذا رجع وتاب كما قال :
إني امرىء مما جنيت هائد *** ومن كلام بعضهم :
يا راكب الذنب هدهد *** واسجد كأنك هدهد
وقيل : معناه مال ، وقرأ بن علي رضي الله تعالى عنهما { هُدْنَا } بكسر الهاء من هاد يهيد إذا حرك ، وأخرج ابن المنذر . وغيره عن أبي وجرة السعدي أنه أنكر الضم وقال : والله لا أعلمه في كلام أحد من العرب وإنما هو هدنا بالكسر أي ملنا وهو محجوج بالتواتر ، وجوز على هذه القراءة أن يكون الفعل مبنياً للفاعل والمفعول بمعنى حركنا أنفسنا أو حركنا غيرنا ، وكذا على قراءة الجماعة ، والبناء للمفعول عليها على لغة من يقول : عود المريض ، ولا بأس بذلك إذا كان الهود بمعنى الميل سوى أن تلك لغة ضعيفة ، وممن جوز الأمرين على القراءتين الزمخشري . وتعقبه السمين بأنه متى حصل الالتباس وجوب أن يأتي بحركة تزيله فيقال : عقت إذا عاقك غيرك بالكسر فقط أو الاشمام إلا أن سيبويه جوز في نحو قيل الأوجه الثلاثة من غير احتراز ، والجملة تعليل لطلب المغفرة والرحمة ، وتصديرها بحرف التحقيق لاظهار كمال النشاط والرغبة في مضمونها { قَالَ } استئناف بياني كأنه قيل : فماذا قال الله تعالى له بعد دعائه ؟ فقيل : قال : { عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء } أي شأني أصيب بعذابي من أشاء تعذيبه من غير دخل لغيري فيه .
وقرأ الحسن . وعمرو الأسود { مِنْ * أَسَاء } بالسين المهملة ونسبت إلى زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما وأنكر بعضهم صحتها { وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء } أي شأنها أنها واسعة تبلغ كل شيء ما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلا وهو متقلب في الدنيا بنعمتي ، وفي نسبة الإصابة إلى العذاب بصيغة المضارع ونسبة السعة إلى الرحمة بصيغة الماضي إيذان بأن الرحمة مقتضي الذات وأما العذاب فمقتضى معاصي العباد ، والمشيئة معتبرة في جانب الرحمة أيضاً ، وعدم التصريح بها قيل : تعظيماً لأمر الرحمة ، وقيل : للاشعار بغاية الظهور ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { فَسَأَكْتُبُهَا } فإنه متفرع على اعتبار المشيئة كما لا يخفى ، كأنه قيل : فإذا كان الأمر كذلك أي كما ذكر من إصابة عذابي وسعة رحمتي لكل من أشاء فسأثبتها إثباتاً خاصاً { لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } أي الكفر والمعاصي أما ابتداءاً أو بعد الملابسة { وَيُؤْتُونَ الزكواة } المفروضة عليهم في أموالهم وقيل المعنى يطيعون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والظاهر خلافه ، وتخصيص إيتاء الزكاة بالذكر مع اقتضاء التقوى له للتعريض بقوم موسى عليه السلام لأن كان شاقا عليهم لمزيد حبهم للدنيا ، ولعل الصلاة إنما لم تذكر مع انافتها على سائر العبادات وكونها عماد الدين اكتفار منها بالاتقاء الذي هو عبارة عن فعل الواجبات بأسرها وترك المنهيات عن آخرها { والذين هُم بئاياتنا } كلها كما يفيده الجمع المضاف { يُؤْمِنُونَ } إيماناً مستمراً من غير اخلال بشيء منها ، وتكرير الموصول مع أن المراد به عين ما أريد بالموصول الأول دون أن يقال ويؤمنون بآياتنا عطفاً على ما قبله كما سلك في سابقه قيل : لما أشير إليه من القصر بتقديم الجار والمجرور أي هم بجميع آياتنا يؤمنون لا ببعضها دون بعض ، وفيه تعرض بمن آمن ببعض وكفر ببعض كقوم موسى عليه السلام .
واختلف في توجيه هذا الجواب فقال شيخ الإسلام : لعل الله تعالى حين جعل توبة عبدة العجل بقتلهم أنفسهم وكان الكلام الذي أطمع السبعين في الرؤية في ذلك ضمن موسى عليه السلام دعاءه التخفيف والتيسير حيث قال : { واكتب لَنَا فِى هذه الدنيا حَسَنَةً } أي خصلة حسنة عارية عن المشقة والشدة فإن في القتل من العذاب الشديد ما لا يخفى فأجابه سبحانه بأن عذابي أصيب به من أشاء وقومك ممن تناولته مشيئتي ولذلك جعلت توبتهم مشوبة بالعذاب الدنيوي ورحمتي وسعت كل شيء وقد نال قومك نصيب منها في ضمن العذاب الدنيوي وسأكتب الرحمة خالصة غير مشوبة بالعذاب الدنيوي كما دعوت لمن صفتهم كيت وكيت لا لقومك لأنهم ليسوا كذلك فيكفيهم ما قدر لهم من الرحمة وإن كانت مقارنة العذاب ، وعلى هذا فموسى عليه السلام لم يستجب له سؤاله في قومه ومن الله تعالى بما سأله على من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم .
وفي بعض الآثار أنه عليه السلام لما أجيب بما ذكر قال : أتيتك يا رب بوفد من بني إسرائيل فكانت وفادتنا لغيرنا . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما دعا موسى ربه سبحانه فجعل دعاءه لمن آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام واتبعه ، وفي رواية أخرى رواها جمع عنه سأل موسى ربه مسألة فاعطاها محمداً صلى الله عليه وسلم وتلا الآية ، لكن لا يخفى أن ما قرره هذا الشيخ بعيد . وقال صاحب الكشف في ذلك : كأنه لما سأل موسى عليه السلام لنفسه ولقومه خير الدارين أجيب بأن عذابي لغير التائبين ان شئت ورحمتي الدنيوية تعم التائب وغيره وأما الجمع بين الرحمتين فهو للمستعدين فإن تاب من دعوت لهم وثبتوا كأعقابهم نالتهم الرحمة الخاصة الجامعة وأثر فيهم دعاؤك وإن داوموا على ما هم فيه بعدوا عن القبول ، والغرض ترغيبهم على الثبات على التوبة والعمل الصالح وتحذيرهم عن المعاودة عما فرط منهم مع التخلص إلى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم والحث على اتباعه أحسن تخلص وحث يحير الألباب ويبدي للمتأمل فيه العجب العجاب ، وإلى بعض هذا يشير كلام الزمخشري .
وقال العلامة الطيبي في توجيهه : إن هذا الجواب وارد على الأسلوب الحكيم ، وقوله سبحانه : { عَذَابِى } الخ كالتمهيد للجواب ، والجواب { فَسَأَكْتُبُهَا } الخ ، وذلك أن موسى عليه السلام طلب الغفران والرحمة والحسنة في الدارين لنفسه ولأمته خاصة بقوله : { واكتب لَنَا } وعلله بقوله : { إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ } فأجابه الرب سبحانه بأن تقييدك المطلق ليس من الحكمة فإن عذابي من شأنه أنه تابع لمشيئتي فأمتك لو تعرضوا لما اقتضت الحكمة تعذيب من باشره لا ينفعهم دعاؤك لهم وإن رحمتي من شأنها أن تعم في الدنيا الخلق صالحهم وطالحهم مؤمنهم وكافرهم فالحسنة الدنيوية عامة فلا تختص بأمتك فتخصيصها تحجير للواسع وأما الحسنة الأخروية فهي للموصوفين بكذا وكذا ، وجعل { فَسَأَكْتُبُهَا } كالقول بالموجب لأنه عليه السلام طلب ما طلب وجعل العلة ما جعل فضم الله تعالى ما ضم ، يعني أن الذي يوجب اختصاص الحسنتين معا هذه الصفات المتعددة لا التوبة المجردة ، ثم ذكر أن ترتيب هذا على ما قبله بالفاء على منوال قوله تعالى جواباً عن قول إبراهيم عليه السلام : { وَمِن ذُرّيَّتِى قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } [ البقرة : 124 ] وأيد هذا التقرير بما روي عن الحسن . وقتادة وسعت رحمته في الدنيا البر والفاجر وهي يوم القيامة للمتقين خاصة ا ه ما أريد منه ، وما ذكره من حديث التحجر في القلب منه شيء فإن الظاهر أن ما في دعاء موسى عليه السلام ليس منه وإنما التحجر في مثل ما أخرجه أحمد . وأبو داود عن جندب عن عبد الله البجلي قال : «جاء اعرابي فأناخ راحلته ثم عقلها وصلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نادى اللهم ارحمني ومحمداً ولا تشرك في رحمتنا أحداً فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام : لقد حظرت رحمة واسعة إن الله خلق مائة رحمة فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق جنها وانسها وبهائمها وعنده تسعة وتسعون » . وأنا أقول : قد يقال : إن موسى عليه السلام إنما طلب على أبلغ وجه المغفرة والرحمة الدنيوية والأخروية له ولقومه وتعليل ذلك بالتوبة مما لا شك في صحته ، ولا يفهم من كلامه عليه السلام أنه طلب للقوم كيف كانوا وفي أي حالة وجدوا وعلى أي طريقة سلكوا فإن ذلك مما لا يكاد يقع ممن له أدنى معرفة بربه فضلاً عن مثله عليه السلام ، وإنما هذا الطلب لهم من حيث إنهم تائبون راجعون إليه عز شأنه ، ولا يبعد أن يقال باستجابة دعائه بذلك بل هي أمر مقطوع به بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم ؛ وكيف يشك في أنه غفر له ورحم وأوتي خير الدارين وهو هو وأما بالنسبة إلى قومه فالظاهر أن التائب منهم أوتي خير الآخرة لأن هذه التوبة إن كانت هي التوبة بالقتل فقد جاء عن الزهري أن الله تعالى أوحي إلى موسى بعد أن كان ما كان ما يحزنك ؟ أما من قتل منكم فحي يرزق عندي وأما من بقي فقد قبلت توبته فسر بذلك موسى وبنو اسرائيل ، وإن كانت غيرها فمن المعلوم أن التوبة تقبل بمقتضى الوعد المحتوم ، وخير من قبلت توبته في الآخرة كثير ، وأما خير الدنيا فقد نطقت الآيات بأن القوم غرقي فيه ، ويكفي في ذلك قوله تعالى :
{ يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِى التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين } [ البقرة : 47 ] .
وحينئذ فيمكم أن يقال في توجيه الجواب : أنه سبحانه لما رأى من موسى عليه السلام شدة القلق والاضطراب ولهذا بالغ في الدعاء خشية من طول غضبه تعالى على من يشفق عليه من ذلك سكن جل شأنه روعته وأجاب طلبته بأسلوب عجيب ، وطريق بديع غريب فقال سبحانه له : { عَذَابِى } أي الذي تخشى أن تصيب بعض نباله التي أرميها بيد جلالي عن قسى إرادتي من دعوت له أصيب به من أشاء فلا يتعين قومك الذين تخشى عليهم ما تخشى لأن يكون غرضاً له بعد أن تابوا من الذنب وتركوا فعله { وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء } إنساناً كان أو غيره مطيعاً كان أو غيره فما من شيء إلا وهو داخل فيها سابح في تيارها أو سايح في فيافيها بل ما من معذب إلا ويرشح عليه ما يرشح منها ولا أقل من أني لم أعذبه بأشد مما هو فيه مع قدرتي عليه فطب نفسا وقرعينا فدخول قومك في رحمة وسعت كل شيء ولم تضق عن شيء أمر لا شك فيه ولا شبهة تعتريه كيف وقد هادوا إلى ووفدوا على أفتري أني أضيق الواسع عليهم وأوجه نبال الخيبة إليهم وأردهم بخفى حنين فيرحع كل منهم صفر الكفين ؟ لا أراني أفعل بل إني سأرحمهم وأذخب عنهم ما أهمهم وأكتب الحظ الأوفر من رحمتي لأخلافهم الذين يأتون آخر الزمان ويتصفون بما يرضيني ويقومون بأعباء ما يراد منهم ، وإلى ذلك الإشارة بقوله سبحانه : { فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } الخ ، ولعل تقديم وصف العذاب دون وصف الرحمة ليفرغ ذهنه عليه السلام مما يخاف منه مع أن في عكس هذا الترتيب ما يوجب انتشار النظم الكريم ؛ ووصف أخلاقهم بما وصفوا به لاستنهاض همهم إلى الاتصاف بما يمكن اتصافهم به منه أو إلى الثبات عليه ، ولم يصرح في الجواب بحصول السؤال بأن يقال : قد أوتيت سؤلك يا موسى مثلا اختياراً لما هو أبلغ فيه ، وهذا الذي ذكرناه وإن كان لا يخلو عن شيء إلا أنه أولى من كثير مما وقفنا عليه من كلام المفسرين وقد تقدم بعضه ، وأقول بعد هذا كله : خير الاحتمالات ما تشهد له الآثار وإذا صح الحديث فهو مذهبي فتأمل . والسين في { سأكتبها } يحتمل أن تكون للتأكيد ، ويحتمل أن تكون للاستقبال كما لا يخفي وجهه على ذوي الكمال .
( هذا ومن باب الإشارة ) : { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة } وهي حسنة الاستقامة بالبقاء بعد الفناء ، وفي الآخرة حسنة المشاهدة ، والكلام في بقية الكلام لا يخفى على من له أدنى ذوق . خلا أن بعضهم أول العذاب في قوله سبحانه وتعالى : { عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء } [ الأعراف : 156 ] بعذاب الشوق المخصوص الذي يصيب أهل العناية من الخواص وهو الرحمة التي لا يكتنه كنهها ولا يقدر قدرها وإنها لأعز من الكبريت الأحمر ، وأهل الظاهر يرونه بعيداً والقوم يقولون نراه قريباً ، وقالوا : الأمي نسبة إلى الأم لكن على حد أحمري ، وقيل : للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك لأنه أم الموجودات وأصل المكنونات ، واختير هذا اللفظ لما فيه من الإشارة إلى الرحمة والشفقة وهو الذي جاء رحمة للعالمين وإنه عليه الصلاة والسلام لأشفق على الخلق من الأم بولدها إذ له صلى الله عليه وسلم الحظ الأوفر من التخلق بأخلاق الله تعالى وهو سبحانه أرحم الراحمين ، وذكروا أن أتباعه من حيث النبوة الخواص ومن الأمية خواص الخواص ومن حيث الرسالة هؤلاء المذكورون كلهم والعوام نسأل الله تعالى أن يوفقنا لاتباعه صلى الله عليه وسلم في سائر شؤونه .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة}، يعني المغفرة، {وفي الآخرة} حسنة، يعني الجنة، {إنا هدنا إليك}، يعني تبنا إليك، {قال} الله: {عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء}، يعني ملأت كل شيء، {فسأكتبها}، يعني الرحمة، {للذين يتقون}... ربهم، {ويؤتون الزكاة}، يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم، {والذين هم بآياتنا يؤمنون}، يعني بالقرآن يصدقون أنه من الله...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره مخبرا عن دعاء نبيه موسى عليه السلام أنه قال فيه:"وَاكْتُبْ لَنا": أي اجعلنا ممن كتبت له "فِي هَذِهِ الدّنْيا حَسَنَةً "وهي الصالحات من الأعمال، "وَفي الاَخِرَةِ "ممن كتبت له المغفرة لذنوبه...
وقوله: "إنّا هُدْنا إلَيْكَ" يقول: إنا تبنا إليك...
"قالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أشاءُ وَرَحْمَتي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ فَسأَكْتُبُها لِلّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزّكاةَ والّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ" يقول تعالى ذكره: قالَ الله لموسى: هذا الذي أصبت به قومك من الرجفة "عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أشاءُ" من خلقي، كما أصيب به هؤلاء الذين أصبتهم به من قومك. "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ" يقول: ورحمتي عمت خلقي كلهم. وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: مخرجه عامّ ومعناه خاصّ، والمراد به: ورحمتي وسعت المؤمنين بي من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، واستشهد بالذي بعده من الكلام، وهو قوله: "فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ..."...
وقال آخرون: بل ذلك على العموم في الدنيا وعلى الخصوص في الآخرة... عن الحسن وقتادة، في قوله: "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ" قالا: وسعت في الدنيا البرّ والفاجر، وهي يوم القيامة للذين اتقوا خاصة.
وقال آخرون: هي على العموم، وهي التوبة... وأما قوله: "فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ" فإنه يقول: فسأكتب رحمتي التي وسعت كلّ شيء... للقوم الذين يخافون الله ويخشون عقابه على الكفر به والمعصية له في أمره ونهيه، فيؤدون فرائضه، ويجتنبون معاصيه...
وأما الزكاة وإيتاؤها، فقد بيّنا صفتها فيما مضى بما أغنى عن إعادته.
وقد ذُكر عن ابن عباس في هذا الموضع أنه قال في ذلك..."وَيُؤْتُونَ الزّكاةَ" قال: يطيعون الله ورسوله، فكأن ابن عباس تأوّل ذلك بمعنى أنه العمل بما يزكي النفس ويطهّرها من صالحات الأعمال.
وأما قوله: "وَالّذِينَ هُمْ بآياتِنا يُؤْمِنُونَ" فإنه يقول: وللقوم الذين هم بأعلامنا وأدلتنا يصدّقون ويقرّون.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
قوله -عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ..)
تحتمل الكتابة الإيجاب، أي: أوجب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة أو الإثبات، أي: أثبت لنا وأعطنا في هذه الدنيا حسنة ويكون كقوله: (آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَاكْتُبْ لَنَا)، أي: وفق لنا العمل الذي نستوجب به الحسنة في الدنيا والآخرة.
وقوله- عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً) تختم بها الدنيا وتنقضي بها، وإلا ما من مسلم إلا وله في هذه الدنيا حسنة أتاه إياها، وعلى ذلك يخرج قوله: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) أنهم إنما سألوا حسنة لأن يختموا عليها، ويكون قوله: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ)، كذا، واللَّه أعلم بذلك.
وقوله -عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ). قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (هُدْنَا إِلَيْكَ)، أي: ملنا إليك...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
وقوله "قال عذابي أصيب به من أشاء "حكاية عما أجابهم الله به من أن عذابه يصيب به من يشاءه ممن استحقه بعصيانه...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
نَطَقَ بلسان التضرع والابتهال حيث صَفَّى إليه الحاجة، وأخلص له في السؤال فقال: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الآخِرَةِ} أي اهدنا إليك. وفي هذه إشارة إلى تخصيص نبيِّنا -صلى الله عليه وسلم- في التبري من الحول والقوة والرجوع إلى الحقِّ لأن موسى -عليه السلام قال: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي...} ونبيُّنا صلى الله عليه وسلم قال: "لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقلَّ من ذلك"، وقال:"... ويقال في قوله تعالى: {وَسِعَتْ كُلَّ شَيء} مجالٌ لآمالِ العُصَاة؛ لأنهم وإن لم يكونوا من جملة المطيعين والعبادين والعارفين فهم شيء... "فَسَأَكْتُبُهَا"...أي سأوجبها لهم، فيجب الثواب للمؤمنين من الله ولا يجب لأحدٍ شيء على الله إذ لا يجب عليه شيءٍ لعزِّه في ذاته...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{واكتب لَنَا} وأثبت لنا وأقسم {فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ}: عافية وحياة طيبة وتوفيقاً في الطاعة، {وَفِي الآخرة} الجنة. {هُدْنَا إِلَيْكَ} تبنا إليك، وهاد إليه يهود إذا رجع وتاب. والهود: جمع هائد، وهو التائب...
وقرأ أبو وجرة السعدي: «هِدنا إليك» (بكسر الهاء)، من هاده يهيده: إما حرّكه وأماله، ويحتمل أمرين؛ أن يكون مبنياً للفاعل والمفعول بمعنى حركنا إليك أنفسنا وأملناها أو حرّكنا إليك وأملنا على تقدير: فعلنا، كقولك: عدت يا مريض بكسر العين، فعلت من العيادة...
{عَذَابِي} من حاله وصفته أني {أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء} أي من وجب عليّ في الحكمة تعذيبه، ولم يكن في العفو عنه مساغ لكونه مفسدة. وأمّا {رَّحْمَتِي} فمن حالها وصفتها أنها واسعة تبلغ كل شيء، ما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلاّ وهو متقلب في نعمتي... فسأكتب هذه الرحمة كتبه خاصة منكم يا بني إسرائيل للذين يكونون في آخر الزمان من أمّة محمد صلى الله عليه وسلم، الذين هم بجميع آياتنا وكتبنا يؤمنون، لا يكفرون بشيء منها.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
و {حسنة} لفظ عام في كل ما يحسن في الدنيا من عافية وغنى وطاعة لله تعالى وغير ذلك وحسنة الآخرة الجنة لا حسنة دونها ولا مرمى وراءها...
ومعنى: {يتقون}: يجعلون بينهم وبين المتقى وقاية وحجاباً...
: {عذابي أصيب به من أشاء} معناه إني أعذب من أشاء وليس لأحد علي اعتراض لأن الكل ملكي، ومن تصرف في خالص ملكه فليس لأحد أن يعترض عليه...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
وكأنه أحسن العفو عنهم فقال عاطفاً على سؤاله فيه: {واكتب لنا} أي في مدة إحيائك لنا {في هذه الدنيا} أي الحاضرة والدنية {حسنة} أي عيشة راضية طيبة {وفي} الحياة {الآخرة} أي كذلك؛ ثم علل ذلك بقوله: {إنا هدنا} أي تبنا {إليك} أي عما لا يليق بجنابك كما أمرتنا أن نجبر ما عساه يقع منا بالمبادرة إلى التوبة، فبدأ بذكر عزة الربوبية وثنى بذلة العبودية وهما أقوى أسباب السعادة، وهذا تلقين لهم وتعليم وتحذير من مثل ما وقعوا فيه وحث على التسليم، وكأنه لما كان ذنبهم الجهر بما لا يليق به سبحانه من طلب الرؤية، عبر بهذا اللفظ أو ما يدل على معناه تنبيهاً لهم على أن اسمهم يدل على التوبة والرجوع إلى الحق والصيرورة إلى الصلاح واللين والضعف في الصوت والاستكانة في الكلام والسكوت عما لا يليق، وأن يهودا الذي أخذ اسمه من ذلك إنما سموا به ونسبوا إليه تفاؤلاً لهم ليتبادروا إلى التوبة.
ولما كان في كلامه عليه السلام إنكار إهلاك الطائع بذنب العاصي وإن كان ذلك إنما كان على سبيل الاستعطاف منه والتملق مع العلم بأنه عدل منه تعالى وله أن يفعل ما يشاء بدليل قوله: {ولو شئت أهلكتهم من قبل وإياي} [الأعراف: 155] استأنف سبحانه الإخبار عن الجواب عن كلامه على وجه منبه للجماهير على أن له التصرف المطلق بقوله: {قال عذابي} أي انتقامي الذي يزيل كل عذوبة عمن وقع به {أصيب به} أي في الدنيا والآخرة {من أشاء} أي أذنب أو لم يذنب {ورحمتي} أي إنعامي وإكرامي.
ولما كان الإيجاد من الرحمة فإنه خير من العدم فهو إكرام في الجملة، قال: {وسعت كل شيء} أي هذا شأنها وصفتها في نفس الأمر وإن بلغ في القبائح ما عساه أن يبلغ، وهذا معنى حديث أبي هريرة في الصحيح "إن رحمتي سبقت -وفي رواية: غلبت- غضبي "سواء قلنا:إن السبق بمعنى الغلبة، أو قلنا إنه على بابه، أما الأول فلأن تعلق الرحمة أكثر، لأن كل ما تعلق به الغضب تعلقت به الرحمة بإيجاد وإفاضة الرزق عليه، ولا عكس كالحيوانات العجم والجمادات وأهل السعادة من المؤمنين والملائكة والحور وغيرهم من جنود الله التي لا تحصى. ولما أعلم أن رحمته واسعة وقدرته شاملة، وكان ذلك موسعاً للطمع، سبب عن ذلك قوله ذاكراً شرط إتمام تلك الرحمة ترهيباً لمن يتوانى عن تحصيل ذلك الشرط: {فسأكتبها} أي أخص بدوامها بوعد لا خلف فيه لأجل تمكني بتمام القدرة مما أريد مبتوتاً أمرها بالكتابة {للذين يتقون} أي يوجد لهم هذا الوصف الحامل على كل خير ولا يخلّ بوسعها أن أمنع دوامها بعد الإيجاد من غيرهم، فإن الكل لو دخلوا فيها دائماً ما ضاقت بهم، فهي في نفسها واسعة و لكني أفعل ما أشاء.
ولما ذكر نظرهم إلى الخالق بالانتهاء عما نهى عنه والائتمار بما أمر به، أتبعه النظر إلى الخلائق فقال: {ويؤتون الزكاة} ولعله خصها لأن فرضها كان في هذا الميقات كما تقدم في البقرة ولأنها أمانة فيما بين الخلق والخالق كما أن صفات النبي صلى الله عليه وسلم التي كتبها لهم وشرط قبول أعمالهم باتباعه كذلك؛ ثم عمم بذكر ثمرة التقوى فقال مخرجاً لمن يوجد منه ذانك الوصفان في الجملة على غير جهة العموم: {والذين هم بآياتنا} أي كلها {يؤمنون} أي يصدقون بالقلب ويقرون باللسان ويعملون تصديقاً لذلك بالأركان، فلا يكفرون ببعض ويؤمنون ببعض.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة، إنا هدنا إليك).
رجعنا إليك، والتجأنا إلى حماك، وطلبنا نصرتك.
وهكذا قدم موسى -عليه السلام- لطلب المغفرة والرحمة، بالتسليم لله والاعتراف بحكمة ابتلائه، وختمه بإعلان الرجعة إلى الله والالتجاء إلى رحابه. فكان دعاؤه نموذجاً لأدب العبد الصالح في حق الرب الكريم؛ ونموذجاً لأدب الدعاء في البدء والختام.
(قال: عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء)..
تقريراً لطلاقة المشيئة، التي تضع الناموس اختياراً، وتجريه اختياراً: وإن كانت لا تجريه إلا بالعدل والحق على سبيل الاختيار أيضاً، لأن العدل صفة من صفاته تعالى لا تتخلف في كل ما تجري به مشيئته، لأنه هكذا أراد.. فالعذاب يصيب به من يستحق عنده العذاب.. وبذلك تجري مشيئته.. أما رحمته فقد وسعت كل شيء؛ وهي تنال من يستحقها عنده كذلك.. وبذلك تجري مشيئته، ولا تجري مشيئته -سبحانه- بالعذاب أو بالرحمة جزافاً أو مصادفة. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وبعد تقرير القاعدة يطلع الله نبيه موسى على طرف من الغيب المقبل، إذ يطلعه على نبأ الملة الأخيرة التي سيكتب الله لها رحمته التي وسعت كل شيء.. بهذا التعبير الذي يجعل رحمة الله أوسع من ذلك الكون الهائل الذي خلقه، والذي لا يدرك البشر مداه.. فيالها من رحمة لا يدرك مداها إلا الله!
(فسأكتبها للذين يتقون، ويؤتون الزكاة، والذين هم بآياتنا يؤمنون).
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
والتفريع في قوله: {فسأكتبها} تفريع على سعة الرحمة، لأنها لما وسعت كل شيء كان منها ما يكتب أي يعطى في المستقبل للذين أجريت عليهم الصفات ويتضمن ذلك وعداً لموسى ولصلحاء قومه لتحقق تلك الصفات فيهم، وهو وعد ناظر إلى قول موسى {إنا هدنا إليك} والضمير المنصوب في {أكْتُبها} عائدِ إلى {رحمتي}...
والمعنى: أن الرحمة التي سألها موسى له ولقومه وعدَ اللَّهُ بإعطائِها لمن كان منهم متصفاً بأنه من المتقين والمؤتين الزكاة، ولمن كان من المؤمنين بآيات الله، والآياتُ تصدق: بدلاِئل صدق الرسل، وبكلمات الله التي شرع بها للناس رَشادهم وهديهم، ولا سيما القرآن لأن كل مقدار ثلاث آيات منه هو آية لأنهُ معجز فدال على صدق الرسول، وهو المقصود هنا، وهم الذين يتبعون الرسول الامي إذا جاءهم، أي يطيعونه فيما يأمرهم، ولما جعلت هذه الأشياء بسبب تلك الرحمة علم أن التحصيل على بعضها يحصّل بعض تلك الرحمة بما يناسبه، بشرط الإيمان، كما علم من آيات أخرى خاطب الله بها موسى كقوله آنفاً {والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا} [الأعراف: 153] فتشمل هذه الرحمة من اتقى وآمن وآتى الزكاة من بني إسرائيل قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فإن أتباعهم إياه متعذر الحصول قبل بعثته، ولكن يجب أن يكونوا عازمين على اتباعه عند مجيئه إن كانوا عالمين بذلك كما قال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاقَ النبيئين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمننّ به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} [آل عمران: 81، 82]. وتشمل الرحمة أيضاً الذين يؤمنون بآيات الله، والمعنى بها الآيات التي ستجيئ في المستقبل، لأن آيات موسى قد استقر الإيمان بها يومئذ، وهذا موجب إعادة اسم الموصول في ذكر أصحاب هذه الصلة، للإشارة إلى أنهم طائفة أخرى، وهم من يكون عند بعثة محمد عليه الصلاة والسلام، ولذلك أبدل منهم قوله: {الذين يتبعون الرسولَ} إلخ.
وهو إشارة إلى اليهود والنصارى الكائنين في زمن البعثة وبعدها لقوله: {الذي يجدونه مكتوباً عندهم} ولقوله: {ويضع عنهم إصرهم والأغلالَ التي كانت عليهم} فإنه يدل على أنهم كانوا أهل شريعة فيها شدة وحرج، والمراد بآيات الله: القرآن، لأن ألفاظه هي المخصوصة باسم الآيات، لأنها جُعلت معجزات للفصحاء عن معارضتها. ودالة على أنها من عند الله وعلى صدق رسوله...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
ولقد ذكر الله تعالى حسنة الدنيا، وطوى في الذكر حسنة الآخرة؛ لأنها ليست عملا، بل هي جزاء على عمل في الدنيا ثمرة الأولى، فمن حسنت دنياه وكانت للخير، حسنت آخرته، وكان نعيما مقيما وقوله تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء} العموم فيها عموم كامل صادق، وقال سبحانه وتعالى: {كل شيء} ولم يقل كل شخص، للإشارة إلى أن الرحمة شاملة عامة للأشياء والأشخاص، فشريعته عدل ورحمة وإرساله الرسل عدل ورحمة وخلقه الكون وما فيه من شمس مشرقة مضيئة للكون، وقمر منير، ونجوم ذات بروج، وسحاب ورياح مرسلات رحمة، وهكذا كل ما سخره الله تعالى للإنسان، وما مكنه من رحمة به.