روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِيكُم بِنَهَرٖ فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَيۡسَ مِنِّي وَمَن لَّمۡ يَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّيٓ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِيَدِهِۦۚ فَشَرِبُواْ مِنۡهُ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡيَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (249)

{ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود } أي انفصل عن بيت المقدس مصاحباً لهم لقتال العمالقة ، وأصله فصل نفسه عنه ، ولما اتحد فاعله ومفعوله شاع استعماله محذوف المفعول حتى نزل منزلة القاصر كانفصل وقيل : فصل فصلاً وجوز كونه أصلاً برأسه ممتازاً من التعدي بمصدره كوقف وقوفاً ووقفه وقفاً وصد عنه صدوداً وصده صداً وهو باب مشهور ، والجنود الأعوان والأنصار جمع جند ، وفيه معنى الجمع ، وروى أنه قال لقومه : لا يخرج معي رجل بنى بناءاً لم يفرغ منه ولا تاجر مشتغل بالتجارة ، ولا متزوج بامرأة لم يبن عليها ولا ابتغي إلا الشاب النشيط الفارغ فاجتمع إليه ممن اختاره ثمانون ألفاً ، وقيل : سبعون ألفاً ، وكان الوقت قيظاً فسلكوا مفازة فسألوا نهراً { قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم } أي معاملكم معاملة من يريد أن يختبركم ليظهر للعيان الصادق منكم والكاذب { بِنَهَرٍ } بفتح الهاء ، وقرئ بسكونها وهي لغة فيه وكان ذلك نهر فلسطين كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعن قتادة والربيع أنه نهر بين فلسطين والأردن { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ } أي ابتدأ شربه لمزيد عطشه من نفس النهر بأن كرع لأنه الشرب منه حقيقة ، وهذا كثيراً ما يفعله العطشان المشرف على الهلاك ، وقيل : الكلام على حذف مضاف أي : فمن شرب من مائه مطلقاً { فَلَيْسَ مِنّي } أي من أشياعي ، أو ليس بمتصل بي ومتحد معي { فَمَنْ } اتصالية وهي غير التبعيضية عند بعض وكأنها بيانية عنده وعينها عند آخرين .

/ { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّي } أي من لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه ، مأكولاً كان أو مشروباً ، حكاه الأزهري عن الليث ، وذكر الجوهري أن الطعم ما يؤديه الذوق وليس هو نفس الذوق فمن فسره به على هذا فقد توسع وعلى التقديرين استعمال طعم الماء بمعنى ذاق طعمه مستفيض لا يعاب استعماله لدى العرب العرباء ويشهد له قوله :

وإن شئت حرمت النساء سواكم *** وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا برداً

وأما استعماله بمعنى شربه واتخذه طعاماً فقبيح إلا أن يقتضيه المقام كما في حديث زمزم «طعام طعم وشفاء سقم » فإنه تنبيه على أنها تغذي بخلاف سائر المياه ، ولا يخدش هذا ما حكي أن خالد بن عبد الله القسري قال على منبر الكوفة وقد خرج عليه المغيرة بن سعيد : أطعموني ماءاً فعابت عليه العرب ذلك وهجوه به وحملوه على شدة جزعه ، وقيل فيه :

بل المنابر من خوف ومن وهل *** واستطعم الماء لما جد في الهرب

وألحن الناس كل الناس قاطبة *** وكان يولع بالتشديق بالخطب

لأن ذلك إنما عيب عليه ؛ لأنه صدر عن جزع فكان مظنة الوهم وعدم قصد المعنى الصحيح ، وإلا فوقوع مثله في كلامهم مما لا ينبغي أن يشك فيه ، وإنما علم طالوت أن من شرب عصاه ومن لم يطعم أطاعه بواسطة الوحي إلى نبي بني إسرائيل ، وإنما لم يخبرهم النبي نفسه بذلك بل ألقاه إلى طالوت فأخبر به كأنه من تلقاء نفسه ليكون له وقع في قلوبهم ، وجوز أن يكون ذلك بواسطة وحي إليه بناءاً على أنه نبئ بعد أن ملك وهو قول لا ثبت له ، والقول بأنه يحتمل أن يكون بالفراسة والإلهام بعيد .

{ إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ } استثناءً من الموصول الأول أو ضميره في الخبر فإن فسر الشرب بالكروع كان الاستثناء منقطعاً وإلا كان متصلاً ، وفائدة تقديم الجملة الثانية الإيذان بأنها من تتمة الأولى وأن الغرض منها تأكيدها وتتميمها نهياً عن الكروع من كل وجه ، وإفادة أن المغترف ليس بذائق حكماً فيؤكد ترخيص الاغتراف ولو أخرت لم تفد هذه الفوائد ولاختل النظم لدلالة الاستثناء إذ ذاك على أن المغترف متحد معه ، ودلالة الجملة الثانية بمفهومها على أنه غير متحد معه ولا يصح في الاستثناء أن يكون من أحد الضميرين الراجعين إلى الموصولين في الصلة للفصل بين أجزاء الصلة حينئذٍ بالخبر وأداء المعنى في الأول إلى أن المجتزئ في الشرب بغرفة واحدة ليس متصلاً به متحداً معه لأن التقدير والذين شربوا كلهم إلا المغترف ليس مني ولا يصح أيضاً أن يكون من الموصول الثاني أو الضمير الراجع إليه في الخبر خلافاً للبعض إذ لا فرق لأدائه إلى أن المجتزئ المذكور مخرج من حكم الاتحاد معه ؛ لأن التقدير والذين لم يذوقوه فإنهم كلهم إلا المغترف منهم متصلون بي متحدون معي وليس بالمراد أصلاً ، والغرفة ما يغرف ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأهل المدينة ( غرفة ) بفتح الغين على أنها مصدر ، وقيل : الغرفة والغرفة مصدران والضم والفتح لغتان ، والباء متعلقة باغترف أو بغرفة في قول ، أو بمحذوف وقع صفة لها .

{ فَشَرِبُواْ مِنْهُ } عطف على مقدر يقتضيه المقام أي فابتلوا به فشربوا ، والمراد إما كرعوا وهو المتبادر وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، أو أفرطوا في الشرب { إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } لم يكرعوا أو لم يفرطوا في الشرب بل اقتصروا على الغرفة باليد وكانت تكفيهم لشربهم وإداوتهم كما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وأخرج عنه أيضاً أن من شرب/ لم يزدد إلا عطشاً ، وفي رواية : إن الذين شربوا اسودت شفاههم وغلبهم العطش وكان ذلك من قبيل المعجزة لذلك النبي ، وقرأ أبيّ والأعمش ( إلا قليل ) بالرفع وجعلوه من الميل إلى جانب المعنى فإن قوله تعالى : { فَشَرِبُواْ مِنْهُ } في قوة أن يقال : فلم يطيعوه فحق أن يرد المستثنى مرفوعاً كما في قول الفرزدق :

وعض زمان يا ابن مروان لم يدع *** من المال إلا مسحت أو مجلف

فإن قوله : لم يدع في حكم لم يبق . وذهب أبو حيان إلى أنه لا حاجة إلى التأويل ، وجوز في الموجب وجهين النصب وهو الأفصح والاتباع لما قبله على أنه نعت أو عطف بيان وأورد له قوله :

وكل أخ مفارقه أخوه *** لعمر أبيك إلا الفرقدان

ولا يخفى ما فيه { فَلَمَّا جَاوَزَهُ } أي النهر وتخطاه { هُوَ } أي طالوت { والذين ءامَنُواْ } عطف على الضمير المتصل المؤكد بالمنفصل ، والمراد بهم القليلون والتعبير عنهم بذلك تنويهاً بشأنهم وإيماءاً إلى أن من عداهم بمعزل عن الإيمان { مَعَهُ } متعلق بجاوز لا بآمنوا وجوز أن يكون خبراً عن ( الذين ) بناءاً على أن الواو للحال كأنه قيل : فلما جاوزه والحال إن الذين آمنوا كائنون معه .

{ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ } أي لا قدرة لنا بمحاربتهم ومقاومتهم فضلاً عن الغلبة عليهم ، وجالوت كطالوت ، والقائل بعض المؤمنين لبعض وهو إظهار ضعف لا نكوص لما شاهدوا من الأعداء ما شاهدوا من الكثرة والشدة ، قيل : كانوا مائة ألف مقاتل شاكي السلاح ، وقيل : ثلثمائة ألف { قَالَ } على سبيل التشجيع لذلك البعض وهو استئناف بياني { الذين يَظُنُّونَ } أي يتيقنون { أَنَّهُم ملاقوا الله } بالبعث والرجوع إلى ما عنده وهم الخلص من أولئك والأعلون إيماناً فلا ينافي وصفهم بذلك إيمان الباقين فإن درجات المؤمنين في ذلك متفاوتة ويحتمل إبقاء الظن على معناه ، والمراد يظنون أنهم يستشهدون عما قريب ويلقون الله تعالى ، وقيل : الموصول عبارة عن المؤمنين كافة ، وضمير ( قالوا ) للمنخزلين عنهم كأنهم قالوا ذلك اعتذاراً عن التخلف والنهر بينهما ولا يخفى بعده لأن الظاهر أنهم قالوا هذه المقالة عند لقاء العدو ولم يكن المنخزلون إذ ذاك معهم ، وأيضاً أي حاجة إلى إبداء العذر عن التخلف مع ما سبق من طالوت أن الكارعين ليسوا منه في شيء فلو لم ينخزلوا لمنعوا من الذهاب معه .

{ كَم مّن فِئَةٍ } أي قطعة من الناس وجماعة من فأوت رأسه إذا شققته أو من فاء إليه إذا رجع وأصلها على الأول : فيوة فحذفت لامها فوزنها فعة ، وأصلها على الثاني : فيئة فحذفت عينها فوزنها فله . و{ كَمْ } هنا خبرية ومعناها كثير ، و{ مِنْ } زائدة ، و{ فِئَةٌ } تمييز ، وجوز أبو البقاء أن يكون { مّن فِئَةٍ } في موضع رفع صفة ل كم كما تقول عندي مائة من درهم ودينار ، وجوز بعضهم أن تكون { كَمْ } استفهامية ولعله ليس على حقيقته ، ونقل عن الرضي أن ( من ) لا تدخل بعد ( كم ) الاستفهامية ، فالقول بالخبرية أولى { قَلِيلَةٍ } نعت لفئة على لفظها { غُلِبَتِ } أي قهرت عند المحاربة { فِئَةٍ كَثِيرَةً } بالنسبة إليها .

{ بِإِذْنِ الله } أي بحكمه وتيسيره ولم يقولوا أطاقت حسبما وقع في كلام أصحابهم مبالغة في تشجيعهم وتسكين قلوبهم ، وإذا حمل التنوين في { فِئَةٌ } الأولى للتحقير ، وفي فئة الثانية للتعظيم كان أبلغ في التشجيع وأكمل في التسكين وقد ورد مثل ذلك في قوله :

له حاجب عن كل أمر يشينه *** وليس له عن طالب العرف حاجب

وهذا كما ترى ناشئ من كمال إيمانهم بالله واليوم الآخر وتصديقهم بأنه سبحانه لا يعجزه إحياء الموتى كما لا يعجزه إماتة الأحياء فضلاً عن نصرة الضعفاء ، فلا ريب في أن ما في حيز الصلة مما له كمال ملاءمة للحكم الوارد على الموصول لا سيما وقد أخذ فيه إذن الله تعالى وحكمه ، ومن لا يؤمن بلقاء الله تعالى لا يكاد يقرب من هذا القيد قيد شبر فاندفع بهذا ما قاله مولانا مفتي الديار الرومية من أن هذا الجواب كما ترى ناشىء من كمال ثقتهم بنصر الله تعالى وتوفيقه ولا دخل في ذلك لظنّ لقاء الله تعالى بالبعث ولا لتوقع ثوابه عز شأنه ، ولا ريب في أنّ ما ذكر في حيز الصلة ينبغي أن يكون مداراً للحكم الوارد على الموصول ولا أقل من أن يكون وصفاً ملائماً له فإن الملائمة على ما جاد به هذا الذهن الكليل حصلت على أتم وجه وأكمله فلا حاجة في تحصيلها إلى ما ذكره رحمه الله تعالى بعد من إخراج اللفظ عن ظاهره الشائع استعماله فيه إلى يوم ملاقاته تعالى وحمل ملاقاته سبحانه على ملاقاة نصره تعالى وتأييده وجعل التعبير بذلك عنه مبالغة فإنه بمعزل عن استعمال ذلك في جميع الكتاب المجيد وليس هو من قبيل قوله تعالى : { والله مَعَ الصابرين } المراد منه المعية بالنصر والإحسان لأنه في سائر القرآن مألوف استعماله في مثل ذلك كما لا يخفى ، وهو يحتمل أن يكون من كلام الأعلين أتى به تكميلاً للتشجيع وترغيباً بالصبر بالإشارة إلى ما فيه ، ويحتمل أن يكون ابتداءً كلام من جهته تعالى جىء به تقريراً لكلامهم ودعاءاً للسامعين إلى مثل حال هؤلاء المشير إليها مقالهم .

( ومن باب الإشارة ) :{ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ } وجنوده من وزير العقل ومشير القلب ومدبر الأفهام ونظام الحواس { قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ } الطبيعة الجسمانية المترع بمياه الشهوات { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ } وكرع مفرطاً في الري فليس من أشياعي الذين هم من عالم الروحانيات وأهل مكاشفات الصفات { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ } ويذقه فإنه من سكان حظائر القدس وحضار جلوة عرائس منصة الأنس { إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ } وكرعوا وانهمكوا فيه { إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } وهم المتنزهون عن الأقذار الطبيعية المتقدسون عن ملابسها المتجردون عن غواشيها وقليل ما هم فلما جاوز طالوت الروح نهر الطبيعة وعبره { هُوَ والذين ءامَنُواْ } من القلب والعقل والملك وغيرهم من اتباع الروح { مَعَهُ } ، قال بعضهم وهم الضعفاء الذين/ لم يصلوا إلى مقام التمكين { لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم } بمحاربة جالوت النفس وأعوانه لعراقتهم بالخدع والدسائس { قَالَ الذين } يتيقنون { أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله } بالرجوع إليه : { كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً } وقهرتها حتى أذهبت كثرتها { بِإِذُنِ الله } وتيسيره ، { والله مَعَ الصابرين } [ البقرة : 9 24 ] بالتجلي الخاص لهم .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِيكُم بِنَهَرٖ فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَيۡسَ مِنِّي وَمَن لَّمۡ يَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّيٓ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِيَدِهِۦۚ فَشَرِبُواْ مِنۡهُ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡيَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (249)

{ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ }

أي : لما تملَّك طالوت ببني إسرائيل واستقر له الملك تجهزوا لقتال عدوهم ، فلما فصل طالوت بجنود بني إسرائيل وكانوا عددا كثيرا وجما غفيرا ، امتحنهم بأمر الله ليتبين الثابت المطمئن ممن ليس كذلك فقال : { إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني } فهو عاص ولا يتبعنا لعدم صبره وثباته ولمعصيته { ومن لم يطعمه } أي : لم يشرب منه فإنه مني { إلا من اغترف غرفة بيده } فلا جناح عليه في ذلك ، ولعل الله أن يجعل فيها بركة فتكفيه ، وفي هذا الابتلاء ما يدل على أن الماء قد قل عليهم ليتحقق الامتحان ، فعصى أكثرهم وشربوا من النهر الشرب المنهي عنه ، ورجعوا على أعقابهم ونكصوا عن قتال عدوهم وكان في عدم صبرهم عن الماء ساعة واحدة أكبر دليل على عدم صبرهم على القتال الذي سيتطاول وتحصل فيه المشقة الكبيرة ، وكان في رجوعهم عن باقي العسكر ما يزداد به الثابتون توكلا على الله ، وتضرعا واستكانة وتبرؤا من حولهم وقوتهم ، وزيادة صبر لقلتهم وكثرة عدوهم ، فلهذا قال تعالى : { فلما جاوزه } أي : النهر { هو } أي : طالوت { والذين آمنوا معه } وهم الذين أطاعوا أمر الله ولم يشربوا من النهر الشرب المنهي عنه فرأوا . . . قلتهم وكثرة أعدائهم ، قالوا أي : قال كثير منهم { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } لكثرتهم وعَددهم وعُددهم { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله } أي : يستيقنون ذلك ، وهم أهل الإيمان الثابت واليقين الراسخ ، مثبتين لباقيهم ومطمئنين لخواطرهم ، وآمرين لهم بالصبر { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } أي : بإرادته ومشيئته فالأمر لله تعالى ، والعزيز من أعزه الله ، والذليل من أذله الله ، فلا تغني الكثرة مع خذلانه ، ولا تضر القلة مع نصره ، { والله مع الصابرين } بالنصر والمعونة والتوفيق ، فأعظم جالب لمعونة الله صبر العبد لله .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِيكُم بِنَهَرٖ فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَيۡسَ مِنِّي وَمَن لَّمۡ يَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّيٓ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِيَدِهِۦۚ فَشَرِبُواْ مِنۡهُ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡيَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (249)

قوله تعالى : { فلما فصل طالوت بالجنود } . أي خرج بهم ، وأصل الفصل : القطع ، يعني قطع مستقره شاخصاً إلى غيره ، فخرج طالوت من بيت المقدس بالجنود ، وهم يومئذ سبعون ألف مقاتل وقيل : ثمانون ألفاً لم يتخلف عنه إلا كبير لهرمه ، أو مريض لمرضه ، أو معذور لعذره وذلك أنهم لما رأوا التابوت لم يشكو في النصر ، فتسارعوا إلى الجهاد ، فقال طالوت : لا حاجه لي في كل ما أرى ، لا يخرج معي رجل يبني بناء لم يفرغ منه ، ولا صاحب تجارة يشتغل بها ولا رجل عليه دين ، ولا رجل تزوج امرأة ولم يبن بها ، ولا يتبعني إلا الشباب النشيط الفارغ ، فاجتمع له ثمانون ألفا ممن شرطه ، وكان في حر شديد ، فشكوا قلة الماء بينهم وبين عدوهم فقالوا : إن المياه قليلة لت لا تحملنا ، فادع الله أن يجري لنا نهراً .

قوله تعالى : { قال } . طالوت .

قوله تعالى : { إن الله مبتليكم بنهر } . مختبركم ليرى طاعتكم وهو أعلم . بنهر ، قال ابن عباس والسدي : هو نهر فلسطين ، وقال قتادة . نهر بين الأردن وفلسطين عذب .

قوله تعالى : { فمن شرب منه فليس منه } . أي ليس من أهل ديني وطاعتي .

قوله تعالى : { ومن لم يطعمه } . لم يشربه .

قوله تعالى : { فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده } . قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو " غرفة " بفتح الغين ، وقرأ الآخرون بضم الغين ، وهما لغتان ، قال الكسائي : " الغرفة " بالضم الذي يحصل في الكف من الماء إذا غرف ، و " الغرفة " : بالفتح الاغتراف فالضم اسم والفتح مصدر .

قوله تعالى : { فشربوا منه إلا قليلاً منهم } . نصب على الاستثناء ، واختلفوا في القليل الذين لم يشربوا ، فقال السدي : كانوا أربعة آلاف وقال غيره : ثلاثمائة وبضعة عشر ، وهو الصحيح لما أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل ، أنا عبد الله بن رجاء أنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال : كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوزا معه إلا مؤمن ، وهم بضعة عشر وثلاثمائة . وروى ثلاثمائة وثلاثة عشر فلما وصلوا إلى النهر وقد ألقى الله عليهم العطش فشرب منه الكل إلا هذا العدد القليل فمن اغترف غرفة كما أمر الله قوي قلبه ، وصح إيمانه وعبر النهر سالماً ، وكفته تلك الغرفة الواحد لشربه وحمله وداوبه والذين شربوا وخالفوا أمر الله اسودت شفاههم ، وغلبهم العطش ، فلم يرووا . وبقوا على شط النهر وجنبوا عن لقاء العدو فلم يجاوزوا ، ولم يشهدوا الفتح . وقيل كلهم جاوزوا ، لكن لم يحضر القتال إلا الذين لم يشربوا .

قوله تعالى : { فلما جاوزه } . يعني النهر .

قوله تعالى : { هو } . يعني طالوت .

قوله تعالى : { والذين آمنوا معه } . يعني القليل .

قوله تعالى : { قالوا } . يعني الذين شربوا وخالفوا أمر الله وكانوا أهل شك ونفاق .

قوله تعالى : { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } . وقال ابن عباس رضي الله عنهما والسدي : فانحرفوا ولم يجاوزوا .

قوله تعالى : { قال الذين يظنون } . يستيقنون . ‌

قوله تعالى : { أنهم ملاقو الله } . وهم الذين ثبتوا مع طالوت .

قوله تعالى : { كم من فئة } . جماعة وهي جمع لا واحد له من لفظه ، وجمعه وفئات ، وفئون في الرفع ، وفئين في الخفض والنصب .

قوله تعالى : { قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } . بقضائه وقدره وإرادته .

قوله تعالى : { والله مع الصابرين } . بالنصر والمعونة .