روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ لَّكُم بَيۡنَ يَدَيۡ عَذَابٖ شَدِيدٖ} (46)

{ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بواحدة } أي ما أرشدكم وأنصح لكم إلا بخصلة واحدة وهي على ما قال قتادة ما دل عليه قوله تعالى : { أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ } على أنه في تأويل مصدر بدل منها أو خبر مبتدأ محذوف أي هي قيامكم أو مفعول لفعل محذوف أي أعني قيامكم ، وجوز الزمخشري كونه عطف بيان لواحدة . واعترض بأن { أَن تَقُومُواْ } معرفة لتقديره بقيامكم وعطف البيان يشترط فيه عند البصريين أن يكون معرفة من معرفة وهو عند الكوفيين يتبع ما قبله في التعريف والتنكير والتحالف مما لم يذهب إليه ذاهب .

والظاهر أن الزمخشري ذاهب إلى جواز التخالف ، وقد صرح ابن مالك في «التسهيل » بنسبة ذلك إليه وهو من مجتهدي علماء العربية ، وجوز أن يكون قد عبر بعطف البيان وأراد البدل لتآخيها وهذا إمام الصناعة سيبويه يسمى التوكيد صفة وعطف البيان صفة ، ثم إن كون المصدر المسبوك معرفة أو مؤولاً بها دائماً غير مسلم ، والقيام مجاز عن الجد والاجتهاد ، وقيل هو على حقيقته والمراد القيام عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بذاك ، وقد روى نفي إرادته عن ابن جريج أي إن تجدوا وتجتهدوا في الأمر بإخلاص لوجه الله تعالى { مثنى وفرادى } أي متفرقين اثنين اثنين وواحداً واحداً فإن في الازدحام على الأغلب تهويش الخاطر والمنع من الفكر وتخليط الكلام وقلة الانصاف كما هو مشاهد في الدروس التي يجتمع فيها الجماعة فإنه لا يكاد يوقف فيها على تحقيق وفي تقديم مثنى إيذان بأنه أوثق وأقرب إلى الاطمئنان ، وفي «البحر » قدم لأن طلب الحقائق من متعاضدين في النظر أجدى من فكرة واحدة فإذا انقدح الحق بين الاثنين فكر كل واحد منهما بعد ذلك فيزيد بصيرة وشاع الفتح بين الاثنين { ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ } في أمره صلى الله عليه وسلم وما جاء به لتعلموا حقيقته ، والوقف عند أبي حاتم هنا ، وقوله تعالى : { مَا بصاحبكم مّن جِنَّةٍ } استئناف مسوق من جهته تعالى للتنبيه على طريقة النظر والتأمل بأن مثل هذا الأمر العظيم الذي تحته ملك الدنيا والآخرة لا يتصدى لادعائه إلا مجنون لا يبالي بافتضاحه عند مطالبته بالبرهان وظهور عجزه أو مؤيد من عند الله تعالى مرشح للنبوة واثق بحجته وبرهانه وإذ قد علمتم أنه عليه الصلاة والسلام أرجح الناس عقلاً وأصدقهم قولاً وأذكاهم نفساً وأفضلهم علماً وأحسنهم عملاً وأجمعهم للكمالات البشرية وجب أن تصدقوه في دعواه فكيف وقد انضم إلى ذلك معجزات تخر لها صم الجبال ، والتعبير عنه عليه الصلاة والسلام بصاحبكم للإيماء إلى أن حاله صلى الله عليه وسلم مشهور بينهم لأنه نشأ بين أظهرهم معروفاً بما ذكرنا ، وجوز أن يكون متعلقاً بما قبله والوقف على { جَنَّةُ } على أنه مفعول لفعل علم مقدر لدلالة التفكر عليه لكونه طريق العلم أي ثم تتفكروا فتعلموا ما بصاحبكم من جنة أو معمول لتتفكروا على أن التفكر مجاز عن العلم أو معمول له بدون ارتكاب تجوز بناءً على ما ذهب إليه ابن مالك في التسهيل من أن تفكر يعلق حملاً على أفعال القلوب ، وجوز أن يكون هناك تضمين أي ثم تتفكروا عالمين ما بصاحبكم من جنة ، وقال ابن عطية : هو عند سيبويه جواب ما ينزل منزلة القسم لأن تفكر من الأفعال التي تعطي التمييز كتبين وتكون الفكرة على هذا في آيات الله تعالى والإيمان به اه وهو كما ترى ، و { مَا } مطلقاً نافية والباء بمعنى في ومن صلة ، وقيل : ما للاستفهام الإنكاري ومن بيانية ، وجوز أن تكون صلة أيضاً وفيه تطويل المسافة وطيها أولى { إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } هو عذاب الآخرة فإنه صلى الله عليه وسلم مبعوث في نسم الساعة وجاء { *بعثت أنا والساعة كهاتين } وضم عليه الصلاة والسلام الوسطى والسبابة على المشهور .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{۞قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ لَّكُم بَيۡنَ يَدَيۡ عَذَابٖ شَدِيدٖ} (46)

بعد كل ذلك لقن الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم الحجج القاطعة ، والأقوال الحكيمة ، التى تهدى إلى الرشد بأبلغ أسلوب ، واصدق بيان ، فقال - تعالى - : { قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ . . . إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ } .

قوله - تعالى - { أَعِظُكُمْ } من الوعظ ، وهو تذكير الغير بالخير والبر بكلام مؤثر رقيق يقال : وعظه يعظه وعظا وعظه ، إذا أمره بالطاعة ووصاه بها .

وقوله { بِوَاحِدَةٍ } صفة لموصوف محذوف .

والتقدير : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين قالوا الكذب فى شأنك وفى شأن ما جئت به ، قل لهم : إنما أعظكم وآمركم وأوصيكم بكلمة واحدة ، أو بخصلة واحدة .

ثم فسر - سبحانه - هذه الكلمة بقوله : { أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مثنى وفرادى } . والمراد بالقيام هنا : التشمير عن ساعد الجد ، وتلقى ما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم بقلب مفتوح . وعقل واع ، ونفس خالية من التعصب والحقد والعكوف على التقليد .

و { مثنى وفرادى } أى : متفرقين اثنين اثنين ، وواحدة واحدا ، وهما منصوبان على الحال .

{ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ } بعد ذلك فى أمر هذا الرسول صلى الله عليه وسلم وفى أمر رسالته ، وفى أمر ما جاء به من عند ربه ، فعند ذلك ترون أنه على الحق ، وأنه قد جاءكم بما يسعدكم .

فالآية الكريمة تأمرهم أن يفكر كل اثنين بموضوعية وإنصاف فى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يعرض كل واحد منهما حصيلة تفكيره على صاحبه ، وأن يفكر كل واحد منهم على انفراد - أيضا فى شأن هذا الرسول ، من غير تعصب وهوى .

وقدم الاثنين فى القيام على المنفرد ، لأن تفكير الاثنين فى الأمور بإخلاص واجتهاد وتقدير ، أجدى فى الوصول إلى الحق من تفكير الشخص الواحد ولم يأمرهم بأن يتفكروا فى جماعة ، لأن العقلية الجماعية كثيرا ما تتبع الانفعال الطارئ . وقلما تتريث فى الحكم على الأمور .

ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : والمعنى : إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها ، أصبتم الحق ، وتخلصتم من الباطل - وهى : أن تقوموا لوجه الله خالصا ، متفرقين اثنين اثنين ، وواحدا واحدا ، { ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ } فى أمر محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به .

أما الاثنان : فيتكفر ان ويعرض كل واحد منهما محصول فكره على صاحبه ، وينظران فيه متصادقين متناصفين ، لا يميل بهما اتباع هوى ، ولا ينبض لهما عرق عصبية ، حتى يهجم بهما الفكر الصالح ، والنظر الصحيح على جادة الحق يفكر فى نفس .

وكذلك الفرد : ه بعدل ونصفة من غير أن يكابرها ، ويعرض فكره على عقله وذهنه ، وما استقر عنده من عادات العقلاء ، ومجارى أحوالهم . والذى أوجب تفرقهم مثنى وفرادى ، أن الاجتماع مما يشوش الخواطر ، ويعمى البصائر ، ويمنع من الروية ، ويخلط القول . ومع ذلك يقل الإِنصاف ويكثر الاعتساف : ويثور عجاج التعصب .

وقوله - سبحانه - : { مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ } كلام مستأنف بجئ به لتنزيه ساحته صلى الله عليه وسلم عما افتراه عليه المفرتون من كونه قد أصيب بالجنون .

أى : اجتمعوا اثنين اثنين ، أو واحدا واحدا ، ثم تفكروا بإخلاص وروية فترون بكل تأكيد أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس به شئ من الجنون ، إنما هو أرجح الناس عقلا ، وأصدقهم قولا ، وأفضلهم علما ، وأحسنهم عملا ، وأزكاهم نفسا ، وأنقاهم قلبا ، وأجمعهم لكل كمال بشرى .

وقوله - تعالى - { إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } بيان لوظيفته صلى الله عليه وسلم أى : ليس به صلى الله عليه وسلم من جنون ، وإنما هو نذير لكم ، يحذركم ويخوفكم من العذاب الشديد الذى سينزل بكم يوم القيامة ، إذا ما بقيتم على شرككم وكفركم ، وهذا العذاب ليس بعيدا عنكم .

قال الإِمام ابن كثير : " قال الامام أحمد : حدثنا بشير بن المهاجر ، حدثنى عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فنادى ثلاث مرات فقال : " أيها الناس أتدرون ما مثلى ومثلكم " ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم فقال : " إنما مثلى ومثلكم كمثل قوم خافوا عدوا يأتيهم . فبعثوا رجلا يتراءى لهم ، فبينما هو كذلك أبصر العدو ، فأقبل لينذرهم وخشى أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه ، فأهوى بثوبته وقال : أيها الناس أوتيتم . أيها الناس وأتيتم . . " " .

وبهذا الاسناد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بعثت أنا والساعة جميعا ، إن كادت لتسبقنى " .