فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{۞قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ لَّكُم بَيۡنَ يَدَيۡ عَذَابٖ شَدِيدٖ} (46)

{ قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد 46 }

وجادلهم وادعهم إلى التبصر والاعتبار من قبل أن يأتيهم عذاب النار ، وعظهم بوصية واحدة لو أنفذوها لكفتهم وأنقذتهم من سوء المصير ، وحر السعير ، تلك هي تحري الحق ليرضى عنهم الحق ، وأن يجعلوا تفكرهم آحادا ومجتمعين بعيدا عن الهوى- فإن الهوى يضل ويعمي- : هل بمحمد مس من الجنون فهو يهرف بما لا يعرف ؟ أم هو الصادق الأمين ، وما جربتم عليه إلا الحكمة والعقل الراجح المكين ! وإياكم والمراء ، فإنه يعقب الدمار والشقاء .

مما أورد القرطبي : { بواحدة } . . قال مجاهد : هي لا إله إلا الله . . وقيل تقديره : بخصلة واحدة ، ثم بينها بقوله : { أن تقوموا لله مثنى وفرادى } . . . وهذا القيام معناه القيام إلى طلب الحق لا القيام الذي هو ضد القعود ، وهو كما يقال : قام فلان بأمر كذا ، أي لوجه الله والتقرب إليه ، وكما قال تعالى : . . . )وأن تقوموا لليتامى بالقسط . . ( {[3779]} . . وقيل : إنما قال : { مثنى وفرادى } لأن الذهن حجة الله على العباد ، وهو العقل ، فأوفرهم عقلا أوفرهم حظا من الله ، فإذا كانوا فرادى كانت فكرة واحدة ، وإذا كانوا مثنى تقابل الذهنان فتراءى من العلم لهما ما أضعف على الانفراد ، والله أعلم . . . مما في صحيح مسلم عن ابن عباس قال : لما نزلت : )وأنذر عشيرتك الأقربين( {[3780]} . . خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا يهتف : " ياصباحاه " فقالوا من هذا الذي يهتف ؟ قالوا : محمد ، فاجتمعوا إليه فقال- أرأيت لو أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي " ؟ قالوا : ما جربنا عليك كذبا . قال : " فإني لكم نذير بين يدي عذاب شديد " . . اه . فإذا كانوا قد أجمعوا على صدقه فما بال هذه المعاندة ؟ ! .


[3779]:سورة النساء. من الآية 127.
[3780]:سورة الشعراء. الآية 214.