نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{۞قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ لَّكُم بَيۡنَ يَدَيۡ عَذَابٖ شَدِيدٖ} (46)

ولما أبطل شبههم{[57098]} كلها ، وليّن من عريكتهم بالتنبيه على التحذير ، فصاروا جديرين بقبول الوعظ ، وكان مما رموه به - وحاشاه - الجنون وتعمد الكذب{[57099]} ، أمره بالإقبال عليهم به{[57100]} مخففاً له لئلا ينفروا من طوله فقال : { قل } وأكده زيادة في استجلابهم إلى الإقبال عليه فقال : { إنما أعظكم بواحدة } أي فاسمعوا ولا تنفروا خوفاً{[57101]} من أن أملّكم ؛ ثم استأنف قوله بياناً لها : { أن تقوموا } أي توجهوا نفوسكم إلى تعرف الحق ، وعبر بالقيام إشارة إلى الاجتهاد { لله } أي الذي لا أعظم منه على وجه الإخلاص واستحضار ما له من العظمة بما{[57102]} له لديكم{[57103]} من الإحسان لا لإرادة المغالبة{[57104]} حال كونكم { مثنى } أي اثنين اثنين ، وقدمه إشارة ألى أن أغلب الناس ناقص العقل{[57105]} { وفرادى } أي واحداً واحداً ، من وثق بنفسه في رصانه عقله وأصالة رأيه قام وحده ليكون أصفى لسره ، وأعون على خلوص فكره ، ومن خاف عليها ضم إليه آخر ليذكره إن نسي . ويقومه إن زاغ . {[57106]}ولما كان هذا القسم أكثر وجوداً في الناس قدمه{[57107]} ولم يذكر غيرهما من الأقسام ، إشارة إلى أنهم إذا كانوا على هاتين الحالتين كان أجدر لهم بأن يعرفوا الحق من غير شائبة حظ مما يكون في الجمع الكثير{[57108]} من الجدال واللفظ المانع من تهذيب الرأي وتثقيف{[57109]} الفكر وتنقية المعاني .

ولما كان ما طلب منهم هذا لأجله عظيماً جديراً بأن يهتم له هذا الاهتمام ، أشار إليه بأداة التراخي فقال : { ثم تتفكروا } أي تجتهدوا بعد التأني وطول التروي في الفكر فيما وسمتم به صاحبكم من أمر الجنون . ولما كان بعده صلى الله عليه وسلم من هذا آمراً لا يتمارى فيه ، استأنف قوله معيناً بالتعبير بالصاحب{[57110]} مؤكداً تكذيباً لهم وتنبيهاً{[57111]} على ظهور مضمون هذا النفي : { ما بصاحبكم } أي الذي دعاكم إلى الله وقد بلوتموه صغيراً ويافعاً وشاباً وكهلاً ، وأعرق في النفي بقوله : { من جنة } وخصها لأنها مما يمكن طروءه ، ولم يعرّج على الكذب لأنه مما لا يمكن فيمن عاش بين أناس عمراً طويلاً ودهراً دهيراً يصحبهم ليلاً ونهاراً{[57112]} صباحاً ومساءً سراً وعلناً في السراء والضراء ، وهو أعلاهم همة {[57113]}وأوفاهم مروءة ، وأزكاهم خلائق وأظهرهم شمائل ، وأبعدهم عن الأدناس ساحة{[57114]} في مطلق الكذب ، فكيف بما يخالف أهواءهم فكيف بما ينسب إلى الله فكيف {[57115]}وكلامه{[57116]} الذي ينسب فيه إلى الكذب معجز بما فيه من الحكم والأحكام ، والبلاغة والمعاني التي أعيت الأفهام .

ولما ثبت بهذا إعلاماً وإفهاماً براءته{[57117]} مما قذفوه به كله ، حصر أمره في النصيحة من الهلاك ، فقال منبهاً على أن هذا الذي أتاهم به لا يدعيه إلا أحد رجلين : إما مجنون أو صادق هو أكمل الرجال ، وقد انتفى الأول فثبت الثاني : { إن } أي ما { هو } أي المحدث عنه بعينه{[57118]} { إلا نذير لكم } أي خاصاً إنذاره وقصده الخلاص بكم ، وهول أمر العذاب بتصويره صورة من له آلة بطش محيطة بمن تقصده فقال{[57119]} : { بين يدي } أي{[57120]} قبل حلول { عذاب شديد * }{[57121]} قاهر لا خلاص منه ، إن لم ترجعوا إليه حل بكم سريعاً ، روى البخاري{[57122]} عن ابن عباس رضي الله عنهما{[57123]} قال :

" صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا ذات يوم فقال : يا صباحاه ! فاجتمعت إليه قريش فقالوا : ما لك ، فقال : أرأيتم{[57124]} لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو يمسيكم أما كنتم تصدقوني ؟ قالوا : بلى ، فقال : إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، فقال أبو لهب : تباً لك ، ألهذا جمعتنا ؟ فأنزل الله عز وجل { تبت يدا أبي لهب وتب } " .


[57098]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: شبهتهم.
[57099]:زيد من ظ ومد.
[57100]:سقط من ظ.
[57101]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: خوفكم.
[57102]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: لديكم له.
[57103]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: لديكم له.
[57104]:زيد من ظ ومد.
[57105]:زيد من ظ ومد.
[57106]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[57107]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[57108]:في ظ: الكبير.
[57109]:من م ومد، وفي الأصل وظ: تثقيب.
[57110]:زيد من ظ وم ومد.
[57111]:زيد في الأصل: لهم، ولم تكن الزيادة في ظ وم ومد فحذفناها.
[57112]:زيدت الواو في الأصل:، ولم تكن في ظ وم ومد فحذفناها.
[57113]:العبارة من هنا إلى "ساحة" ساقطة من ظ.
[57114]:من م ومد، وفي الأصل: ساعة.
[57115]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: بكلامه.
[57116]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: بكلامه.
[57117]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: براة.
[57118]:زيد من ظ ومد.
[57119]:زيد من ظ ومد.
[57120]:زيد من ظ وم ومد.
[57121]:زيد في ظ: أي.
[57122]:زيد من ظ وم ومد.
[57123]:راجع من صحيحه 2/708.
[57124]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: أرأيتكم.