التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِيكُم بِنَهَرٖ فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَيۡسَ مِنِّي وَمَن لَّمۡ يَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّيٓ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِيَدِهِۦۚ فَشَرِبُواْ مِنۡهُ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡيَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (249)

عطفت الفاء جملة : ( لما فصل ) ، على جملة { إن الله قد بعث لكم } [ البقرة : 247 ] لأن بعث الملك لأجل القتال ، يترتب عليه الخروج للقتال الذي سألوا لأجله بعث النبي ، وقد حذف بين الجملتين كلام كثير مقدر : وهو الرضا بالملك ، ومجيء التابوت ، وتجنيد الجنود ؛ لأن ذلك مما يدل عليه جملة فصل طالوت بالجنود .

ومعنى فصل بالجنود : قطع وابتعد بهم ، أي تجاوزوا مساكنهم وقراهم التي خرجوا منها وهو فعل متعد لأن أصله فصل الشيء عن الشيء ثم عدوه إلى الفاعل فقالوا فصل نفسه حتى صار بمعنى انفصل ، فحذفوا مفعوله لكثرة الاستعمال ، ولذلك تجد مصدره الفصل بوزن مصدر المتعدي ، ولكنهم ربما قالوا فصل فصولاً نظراً لحالة قصوره ، كما قالوا صده صداً ، ثم قالوا صد هو صداً ، ثم قالوا صد صدوداً . ونظيره في حديث صفة الوحي « أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس فيفصم عني وقد وعيت ما قال » أي فيفصل نفسه عني ، والمعنى فينفصل عني .

وضمير { قال } راجع إلى ( طالوت ) ، ولا يصح رجوعه إلى نبيئهم لأنه لم يخرج معهم ، وإنما أخبر طالوت عن الله تعالى بأنه مبتليهم ، مع أنه لم يكن نبيئاً ، يوحى إليه : إما إستناداً لإخبار تلقاه من صمويل ، وإما لأنه اجتهد أن يختبرهم بالشرب من النهر لمصلحة رآها في ذلك ، فأخبر عن اجتهاده ، إذ هو حكم الله في شرعهم فأسنده إلى الله ، وهذا من معنى قول علماء أصول الفقه إن المجتهد يصح له أن يقول فيما ظهر له باجتهاده إنه دين الله أو لأنه في شرعهم أن الله أوجب على الجيش طاعة أميرهم فيما يأمرهم به ، وطاعة الملك فيما يراه من مصالحهم ، وكان طالوت قد رأى أن يختبر طاعتهم ومقدار صبرهم بهذه البلوى فجعل البلوى من الله ؛ إذ قد أمرهم بطاعته بها . وعلى كل فتسمية هذا التكليف ابتلاء تقريب للمعنى إلى عقولهم لأن المقصود إظهار الاعتناء بهذا الحكم ، وأن فيه مرضاة الله تعالى على الممتثل ، وغضبه على العاصي ، وأمثال هذه التقريبات في مخاطبات العموم شائعة ، وأكثر كلام كتب بني إسرائيل من هذا القبيل .

والظاهر أن الملك لما علم أنه سائر بهم إلى عدو كثير العدد ، وقوي العهد أراد أن يختبر قوة يقينهم في نصرة الدين ، ومخاطرتهم بأنفسهم وتحملهم المتاعب وعزيمة معاكستهم نفوسهم فقال لهم إنكم ستمرون على نهر ، وهو نهر الأردن ، فلا تشربوا منه فمن شرب منه فليس مني ، ورخص لهم في غرفة يغترفها الواحد بيده يبل بها ريقه ، وهذا غاية ما يختبر به طاعة الجيش ، فإن السير في الحرب يعطش الجيش ، فإذا وردوا الماء توافرت دواعيهم إلى الشرب منه عطشاً وشهوة ، ويحتمل أنه أراد إبقاء نشاطهم : لأن المحارب إذا شرب ماء كثيراً بعد التعب ، انحلت عراه ومال إلى الراحة ، وأثقله الماء .

والعرب تعرف ذلك قال طفيل يذكر خيلهم :

فلما شَارَفَتْ أَعلام طـي *** وطيٌّ في المَغَار وفي الشعاب

سَقَيْنَاهُنَّ من سهل الأداوى *** فمصطبح على عَجَل وآبـي

يريد أن الذي مارس الحرب مراراً لم يشرب ؛ لأنه لا يسأم من الركض والجهد ، فإذا كان حاجزاً كان أخفَّ له وأسرعَ ، والغر منهم يشرب لجهله لما يراد منه ، ولأجل هذا رخص لهم في اغتراف غرفة واحدة .

والنهَر بتحريك الهاء وبسكونها للتخفيف ، ونظيره في ذلك شَعَر وبَحَر وحَجَر فالسكون ثابت لجميعها .

وقوله : { فليس مني } أي فليس متصلاً بي ولا علقة بيني وبينه ، وأصل « من » في مثل هذا التركيب للتبعيض ، وهو تبعيض مجازي في الاتصال ، وقال تعالى : { ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء } [ آل عمران : 28 ] وقال النابغة :

إذا حاولتَ في أَسدِ فجوراً *** فإني لستُ منك ولستَ مني

وسمى بعض النحاة « من » هذه بالاتصالية . ومعنى قول طالوت « ليس مني » يحتمل أنه أراد الغضب عليه والبعد المعنوي ، ويحتمل أنه أراد أنه يفصله عن الجيش ، فلا يكمل الجهاد معه ، والظاهر الأول لقوله { ومن لم يطعَمْه فإنه مني } لأنه أراد به إظهار مكانة من ترك الشرب من النهر وولائه وقربه ، ولو لم يكن هذا مراده لكان في قوله : { فمن شرب منه فليس مني } غنية عن قوله : ومن لم يطعمه فإنه مني ؛ لأنه إذا كان الشارب مبعداً من الجيش فقد علم أن من لم يشرب هو باقي الجيش .

والاستثناء في قوله : { إلا من اغترف غرفة بيده } من قوله : { فمن شرب منه } لأنه من الشاربين ، وإنما أخره عن هذه الجملة ، وأتى به بعد جملة { ومن لم يطعمه } ليقع بعد الجملة التي فيها المستثنى منه مع الجملة المؤكدة لها ؛ لأن التأكيد شديد الاتصال بالمؤكد ، وقد علم أن الاستثناء راجع إلى منطوق الأولى ومفهوم الثانية ، فإن مفهوم ( من لم يطعمه فإنه منّي ) أن من طعمه ليس منه ، ليعلم السامعون أن المغترف غرفة بيده هو كمن لم يشرب منه شيئاً ، وأنه ليس دون من لم يشرب في الولاء والقرب ، وليس هو قسماً واسطة . والمقصود من هذا الاستثناء الرخصة للمضطر في بلال ريقه ، ولم تذكر كتب اليهود هذا الأمر بترك شرب الماء من النهر حين مرور الجيش في قصة شاول ، وإنما ذكرت قريباً منه إذ قال في سفر صمويل لما ذكر أشد وقعة بين اليهود وأهل فلسطين : « وضنك رجال إسرائيل في ذلك اليوم ؛ لأن شاول حلف القوم قائلاً ملعون من يأكل خبزاً إلى المساء حتى أنتقم من أعدائي » وذكر في سفر القضاة في الإصحاح السابع مثل واقعة النهر ، في حرب جَدعون قاضي إسرائيل للمديانيين ، والظاهر أن الواقعة تكررت لأن مثلها يتكرر فأهملتها كتبهم في أخبار شاول .

وقوله : { لم يطعمه } بمعنى لم يذقه ، فهو من الطعم بفتح الطاء ، وهو الذوق أي اختبار المطعوم ، وكان أصله اختبار طعم الطعام أي ملوحته أو ضدها ، أو حلاوته أو ضدها ، ثم توسع فيه فأطلق على اختبار المشروب ، ويعرف ذلك بالقرينة ، قال الحارث بن خالد المخزومي وقيل العرجي :

فإِنْ شئتِ حرَّمْتُ النساء سواكم *** وإنْ شِئتِ لم أَطْعم نقاخاً ولا بَرْدا{[191]}

فالمعنى لم أذق . فأما أن يطلق الطعم على الشرب أي ابتلاع الماء فلاَ ، لأن الطعم الأكل ولذلك جاء في الآية والبيت منفياً ، لأن المراد أنه لم يحصل أقَل ما يطلق عليه اسم الذوق ، ومن أجل هذا عيروا خالد بن عبد الله القسري لما أخبر وهو على المنبر بخروج المغيرة بن سعيد عليه فقال « أطعموني ماء » إذ لم يعرف في كلام العرب الأمر من الإطعام إلاّ بمعنى الأكل ، وأما من يطلب الشراب فإنما يقول اسقوني لأنه لا يقال طعم بمعنى شرب ، وإنما هو بمعنى أكل{[192]} .

والغرفة بفتح الغين في قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي جعفر ، المرَّة من الغرف وهو أخذ الماء باليد ، وقرأه حمزة وعاصم والكسائي ويعقوب وخلف ، بضم الغين ، وهو المقدار المغروف من الماء .

ووجه تقييده بقوله : { بيده } مع أن الغرف لا يكون إلاّ باليد لدفع توهم أن يكون المراد تقديرَ مقدار الماء المشروب ، فيتناوله بعضهم كرهاً ، فربما زاد على المقدار فجعلت الرخصة الأخذ باليد .

وقد دل قوله : { فشربوا منه } على قِلة صبرهم ، وأنهم ليسوا بأهل لمزاولة الحروب ، ولذلك لم يلبثوا أن صرحوا بعدَ مجاوزة النهر فقالوا : { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } فيحتمل أن ذلك قالوه لما رأوا جنود الأعداء ، ويحتمل أنهم كانوا يعلمون قوة العدو ، وكانوا يسرون الخوف ، فلما اقترب الجيشان ، لم يستطيعوا كتمان ما بهم .

وفي الآية انتقال بديع إلى ذكر جند جالوت والتصريح باسمه ، وهو قائد من قواد الفلسطينيين اسمه في كتب اليهود جُلْيَات كان طوله ستة أذرع وشبراً ، وكان مسلحاً مدرعاً ، وكان لا يستطيع أن يبارزه أحد من بني إسرائيل ، فكان إذا خرج للصف عرض عليهم مبارزته وعيرهم بجنبهم .

وقوله : { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله } الآية ، أي الذين لا يحبون الحياة ويرجون الشهادة في سبيل الله ، فلقاء الله هنا كناية عن الموت في مرضاة الله شهادة وفي الحديث

« من أحب لقاء اللهةأحب الله لقاءه » فالظن على بابه . وفي قوله : { كم من فئة } خبرية لا محالة إذ لا موقع للاستفهام فإنهم قصدوا بقولهم هذا تثبيت أنفسهم وأنفس رفقائهم ، ولذلك دعوا إلى ما به النصر وهو الصبر والتوكل فقالوا { والله مع الصابرين } .

والفئة : الجماعة من الناس مشتقة من الفيء وهو الرجوع ، لأن بعضهم يرجع إلى بعض ، ومنه سميت مؤخرة الجيش فئة ، لأن الجيش يفىء إليها .


[191]:- هو شاعر جاهلي قتل يوم بدر والنقاح بضم النون وبخاء معجمة هو الماء الصافي والبرد قبل هو النوم والظاهر أنه أراد الماء البارد والخطاب لليلى بنت أبي مرة بن مروة بن مسعود.
[192]:- لدلالته على الهلع واضطراب الفؤاد فيعتريه العطش وقد هجاه بعضهم لذلك فقال: بل المنابر من خوف ومن وهل واستطعم الماء لما جد في الهرب فأشار إلى هجائه بأنه طلب الماء وبأنه استطعمه أي سماه طعاما.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِيكُم بِنَهَرٖ فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَيۡسَ مِنِّي وَمَن لَّمۡ يَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّيٓ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِيَدِهِۦۚ فَشَرِبُواْ مِنۡهُ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡيَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (249)

فيه إحدى عشرة مسألة : قوله تعالى : " فلما فصل طالوت بالجنود " " فصل " معناه خرج بهم . فصلت الشيء فانفصل ، أي قطعته فانقطع . قال وهب بن منبه : فلما فصل طالوت قالوا له أن المياه لا تحملنا فادع الله أن يجري لنا نهرا فقال لهم طالوت : إن الله مبتليكم بنهر . وكان عدد الجنود - في قول السدي - ثمانين ألفا . وقال وهب{[2325]} : لم يتخلف عنه إلا ذو عذر من صغر أو كبر أو مرض . والابتلاء الاختبار . والنهَر والنهْر لغتان . واشتقاقه من السعة ، ومنه النهار وقد تقدم{[2326]} . قال قتادة : النهر الذي ابتلاهم الله به هو نهر بين الأردن وفلسطين . وقرأ الجمهور " بنهر " بفتح الهاء . وقرأ مجاهد وحميد الأعرج " بنهر " بإسكان الهاء . ومعنى هذا الابتلاء أنه اختبار لهم ، فمن ظهرت طاعته في ترك الماء علم أنه مطيع فيما عدا ذلك ، ومن غلبته شهوته في الماء{[2327]} وعصى الأمر فهو في العصيان في الشدائد أحرى ، فروي أنهم أتوا النهر وقد نالهم عطش وهو في غاية العذوبة والحسن ؛ فلذلك رخص للمطيعين في الغرفة ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع وليكسروا نزاع النفس في هذه الحال وبين أن الغرفة كافة ضرر العطش عند الحزمة الصابرين على شظف العيش الذين همهم في غير الرفاهية ، كما قال عروة :

واحْسُوا قَرَاحَ الماء والماءُ بَارِدُ

قلت : ومن هذا المعنى قوله عليه السلام : ( حسب المرء لقيمات يقمن صلبه ) . وقال بعض من يتعاطى غوامض المعاني : هذه الآية مثل ضربه الله للدنيا فشبهها الله بالنهر والشارب منه والمائل إليها والمستكثر منها والتارك لشربه بالمنحرف عنها والزاهد فيها ، والمغترف بيده غرفة بالآخذ منها قدر الحاجة ، وأحوال الثلاثة عند الله مختلفة .

قلت : ما أحسن هذا لولا ما فيه من التحريف في التأويل والخروج عن الظاهر ، لكن معناه صحيح من غير هذا .

الثانية : استدل من قال أن طالوت كان نبيا بقوله : " إن الله مبتليكم " وأن الله أوحى إليه بذلك وألهمه ، وجعله الإلهام ابتلاء من الله لهم . ومن قال لم يكن نبيا قال : أخبره نبيهم شمويل بالوحي حين أخبر طالوت قومه بهذا ، وإنما وقع هذا الابتلاء ليتميز الصادق من الكاذب . وقد ذهب قوم إلى أن عبدالله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله صلى الله علي وسلم إنما أمر أصحابه بإيقاد النار والدخول فيها تجربة لطاعتهم ، لكنه حمل مزاحه على تخشين الأمر الذي كلفهم ، وسيأتي بيانه في " النساء " {[2328]} إن شاء الله تعالى .

الثالثة : قوله تعالى : " فمن شرب منه فليس مني " شرب قيل معناه كرع . ومعنى " فليس مني " أي ليس من أصحابي في هذه الحرب ، ولم يخرجهم بذلك عن الإيمان . قال السدي : كانوا ثمانين ألفا ، ولا محالة أنه كان فيهم المؤمن والمنافق والمجد والكسلان ، وفي الحديث ( من غشنا فليس منا ) أي ليس من أصحابنا ولا على طريقتنا وهدينا . قال{[2329]} :

إذا حاولتَ في أسَد فُجورا *** فإني لست منك ولست مني

هذا مهيع{[2330]} في كلام العرب ، يقول الرجل لابنه إذا سلك غير أسلوبه : لست مني .

الرابعة : قوله تعالى : " ومن لم يطعمه فإنه مني " يقال : طعمت الشيء أي ذقته . وأطعمته الماء أي أذقته ، ولم يقل ومن لم يشربه ؛ لأن من عادة العرب إذا كرروا شيئا أن يكرروه بلفظ آخر ، ولغة القرآن أفصح اللغات ، فلا عبرة بقدح من يقول : لا يقال طعمت الماء .

الخامسة : استدل علماؤنا بهذا على القول بسد الذرائع ؛ لأن أدنى الذوق يدخل في لفظ الطعم ، فإذا وقع النهي عن الطعم فلا سبيل إلى وقوع الشرب ممن يتجنب الطعم ؛ ولهذه المبالغة لم يأت الكلام " ومن لم يشرب منه " .

السادسة : لما قال تعالى : " ومن لم يطعمه " دل على أن الماء طعام وإذا كان طعاما كان قوتا لبقائه واقتيات الأبدان به فوجب أن يجري فيه الربا ، قال ابن العربي : وهو الصحيح من المذهب . قال أبو عمر قال مالك : لا بأس ببيع الماء على الشط بالماء متفاضلا وإلى أجل ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف . وقال محمد بن الحسن : هو مما يكال ويوزن ، فعلى هذا القول لا يجوز عنده التفاضل ، وذلك عنده فيه ربا ؛ لأن علته في الربا الكيل والوزن . وقال الشافعي : لا يجوز بيع الماء متفاضلا ولا يجوز فيه الأجل ، وعلته في الربا أن يكون مأكولا جنسا .

السابعة : قال ابن العربي قال أبو حنيفة : من قال إن شرب عبدي فلان من الفرات فهو حر فلا يعتق إلا أن يكرع فيه ، والكرع أن يشرب الرجل بفيه من النهر ، فإن شرب بيده أو اغترف بالإناء منه لم يعتق ؛ لأن الله سبحانه فرق بين الكرع في النهر وبين الشرب باليد . قال : وهذا فاسد ؛ لأن شرب الماء يطلق على كل هيئة وصفة في لسان العرب من غرف باليد أو كرع بالفم انطلاقا واحدا ، فإذا وجد الشرب المحلوف عليه لغة وحقيقة حنث ، فاعلمه .

قلت : قول أبي حنيفة أصح ، فإن أهل اللغة فرقوا بينهما كما فرق الكتاب والسنة . قال الجوهري وغيره : وكرع في الماء كروعا إذا تناوله بفيه من موضعه من غير أن يشرب بكفيه ولا بإناء ، وفيه لغة أخرى [ كرع ] بكسر الراء يكرع{[2331]} كرعا . والكَرَع : ماء السماء يكرع فيه . وأما السنة فذكر ابن ماجه في سننه : حدثنا واصل بن عبدالأعلى حدثنا ابن فضيل عن ليث عن سعيد بن عامر عن ابن عمر قال : مررنا على بِرْكَة فجعلنا نَكْرَع فيها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تكرعوا ولكن اغسلوا أيديكم ثم اشربوا فيها فإنه ليس إناء أطيب من اليد ) وهذا نص . وليث بن أبي سليم خرج له مسلم وقد ضعف .

الثامنة : قوله تعالى : " إلا من اغترف غرفة بيده " الاغتراف : الأخذ من الشيء باليد وبآلة ، ومنه المغرفة ، والغَرف مثل الاغتراف . وقرئ " غرفة " بفتح الغين وهي مصدر ، ولم يقل اغترافة لأن معنى الغرف والاغتراف واحد . والغرفة المرة الواحدة . وقرئ " غرفة " بضم الغين وهي الشيء المغترف . وقال بعض المفسرين : الغَرفة بالكف الواحد والغُرفة بالكفين . وقال بعضهم : كلاهما لغتان بمعنى واحد . وقال علي رضي الله عنه : الأكف أنظف الآنية ، ومنه قول الحسن :

لا يَدلِفون إلى ماء بآنية *** إلا اغترافا من الغُدران بالرَّاحِ

الدليف : المشي الرويد . قلت : ومن أراد الحلال الصرف في هذه الأزمان دون شبهة ولا امتراء ولا ارتياب فليشرب بكفيه الماء من العيون والأنهار المسخرة بالجريان آناء الليل وآناء{[2332]} النهار ، مبتغيا بذلك من الله كسب الحسنات ووضع الأوزار واللحوق بالأئمة الأبرار ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من شرب بيده وهو يقدر على إناء يريد به التواضع كتب الله له بعدد أصابعه حسنات وهو إناء عيسى ابن مريم عليهما السلام إذا طرح القدح فقال : أُفّ هذا مع الدنيا ) . خرجه ابن ماجه من حديث ابن عمر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشرب على بطوننا وهو الكرع ، ونهانا أن نغترف باليد الواحدة ، وقال : ( لا يلِغ أحدكم كما يلغ الكلب ولا يشرب باليد الواحدة كما يشرب القوم الذين سخط الله عليهم ولا يشرب بالليل في إناء حتى يحركه إلا أن يكون إناء مُخَمَّرا ومن شرب بيده وهو يقدر على إناء . . . ) الحديث كما تقدم ، وفي إسناده بقية بن الوليد ، قال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به . وقال أبو زرعة : إذا حدث بقية عن الثقات فهو ثقة .

التاسعة : قوله تعالى : " فشربوا منه إلا قليلا منهم " قال ابن عباس : شربوا على قدر يقينهم فشرب الكفار شرب الهيم{[2333]} وشرب العاصون دون ذلك ، وانصرف من القوم ستة وسبعون ألفا وبقي بعض المؤمنين لم يشرب شيئا وأخذ بعضهم الغرفة ، فأما من شرب فلم يرو ، بل برح به العطش ، وأما من ترك الماء فحسنت حاله وكان أجلد ممن أخذ الغرفة .

العاشرة : قوله تعالى : " فلما جاوزه هو " الهاء تعود على النهر ، و " هو " توكيد . " والذين " في موضع رفع عطفا على المضمر في " جاوزه " يقال : جاوزت المكان مجاوزة وجوازا . والمجاز في الكلام ما جاز في الاستعمال ونفذ واستمر على وجهه . قال ابن عباس والسدي : جاز معه في النهر أربعة آلاف رجل فيهم من شرب ، فلما نظروا إلى جالوت وجنوده وكانوا مائة ألف كلهم شاكون في السلاح رجع منهم ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون ، فعلى هذا القول قال المؤمنون الموقنون بالبعث والرجوع إلى الله تعالى عند ذلك وهم عدة أهل بدر : " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله " . وأكثر المفسرين : على أنه إنما جاز معه النهر من لم يشرب جملة ، فقال بعضهم : كيف نطيق العدو مع كثرتهم فقال أولو العزم منهم : " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله " . قال البراء بن عازب : كنا نتحدث أن عدة أهل بدر كعدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا - وفي رواية : وثلاثة عشر رجلا - وما جاز معه إلا مؤمن .

الحادية عشرة : قوله تعالى : " قال الذين يظنون " والظن هنا بمعنى اليقين ، ويجوز أن يكون شكا لا علما ، أي قال الذين يتوهمون أنهم يقتلون مع طالوت فيلقون الله شهداء ، فوقع الشك في القتل .

قوله تعالى : " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة " الفئة : الجماعة من الناس والقطعة منهم من فأوت رأسه بالسيف وفأيته أي قطعته . وفي قولهم رضي الله عنهم : " كم من فئة قليلة " الآية تحريض على القتال واستشعار للصبر واقتداء بمن صدق ربه .

قلت : هكذا يجب علينا نحن أن نفعل ، لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منا قدام اليسير من العدو كما شاهدناه غير مرة ، وذلك بما كسبت أيدينا . وفي البخاري : قال أبو الدرداء : إنما تقاتلون بأعمالكم . وفيه مسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم ) . فالأعمال فاسدة والضعفاء مهملون والصبر قليل والاعتماد ضعيف والتقوى زائلة . قال الله تعالى : " اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله " {[2334]} [ آل عمران : 200 ] وقال : " وعلى الله فتوكلوا " {[2335]} [ المائدة : 23 ] وقال : " إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون " {[2336]} [ النحل : 128 ] وقال : " ولينصرن الله من ينصره " {[2337]} [ الحج : 40 ] وقال : " إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون " {[2338]} [ الأنفال : 45 ] . فهذه أسباب النصر وشروطه وهي معدومة عندنا غير موجودة فينا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا ! بل لم يبق من الإسلام إلا ذكره ، ولا من الدين إلا رسمه لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد حتى استولى العدو شرقا وغربا برا وبحرا ، وعمت الفتن وعظمت المحن ولا عاصم إلا من رحم .


[2325]:- من جـ وهـ.
[2326]:- راجع جـ1 ص 239.
[2327]:- من جـ وهـ وز .
[2328]:- راجع جـ5 ص 258.
[2329]:- هو النابغة الذيباني، يقول هذا لعيينة بن حصن الفزاري، وكان قد دعاه وقومه إلى مقاطعة بني أسد ونقض حلفهم فأبى عليه وتوعده بهم، وأراد بالفجور نقض الحلف. (عن شرح الشواهد).
[2330]:- المهيع: الطريق الواضح الواسع البين.
[2331]:- في هـ و جـ و ز.
[2332]:- كذا في هـ و جـ وفي ز: أطراف.
[2333]:- الهيم: الإبل التي يصيبها داء فلا تروى من الماء، واحدها أهيم، والأنثى هيماء.
[2334]:- راجع جـ4 ص 322.
[2335]:- راجع جـ6 ص 127.
[2336]:- راجع جـ10 ص 203.
[2337]:- راجع جـ12 ص 72.
[2338]:- راجع جـ 8 ص 23.