التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا} (21)

بعد توبيخ المنافقين والذين في قلوبهم مرض أقبل الكلام على خطاب المؤمنين في عموم جماعتهم ثناء على ثباتهم وتأسّيهم بالرسول صلى الله عليه وسلم على تفاوت درجاتهم في ذلك الائتساء ، فالكلام خبر ولكن اقترانه بحرفي التوكيد في { لقد } يومىء إلى تعريض بالتوبيخ للذين لم ينتفعوا بالإسوة الحسنة من المنافقين والذين في قلوبهم مرض فلذلك أتي بالضمير مجملاً ابتداء من قوله { لكم } ثم فُصِّل بالبدل منه بقوله { لمن كان يرجو الله واليومَ الآخر وذكر الله كثيراً ، } أي : بخلاف لمن لم يكن كأولئك ، فاللام في قوله : { لمن كان يرجو الله } توكيد لللام التي في المبدل منه مثل قوله تعالى { تكون لنا عيدا لأوّلنا وآخرنا } [ المائدة : 114 ] ، فمعنى هذه الآية قريبٌ من معنى قوله تعالى في سورة براءة في قصة تبوك : { رَضُوا بأن يكونوا مع الخوالف وطُبع على قلوبهم فهم لا يفقهون لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم } [ التوبة : 87 ، 88 ] الآية .

والإسوة بكسر الهمزة وضمها اسم لما يُؤتَسَى به ، أي : يُقتدى به ويُعمل مثل عمله . وحق الأسوة أن يكون المؤتسى به هو القدوة ولذلك فحرف { في } جاء على أسلوب ما يسمى بالتجريد المفيد للمبالغة إذ يجرد من الموصوف بصفة موصوف مثله ليكون كذاتين ، كقول أبي خالد الخارجي :

وفي الرحمان للضعفاء كَاف

أي الرحمان كاففٍ . فالأصل : رسولُ الله إسوة ، فقيل : في رسول الله إسوة . وجعل متعلقُ الائتساء ذاتَ الرسول دون وصف خاص ليشمل الائتساء به في أقواله بامتثال أوامره واجتناب ما ينهَى عنه ، والائتساءَ بأفعاله من الصبر والشجاعة والثبات . وقرأ الجمهور { إسوة } بكسر الهمزة . وقرأ عاصم بضم الهمزة وهما لغتان .

و { لمن كان يرجو الله } بدل من الضمير في { لكم } بدل بعض من كل أو شبه الاشتمال لأن المخاطبين بضمير { لكم } يشتملون على من يرجون الله واليوم الآخر ، أو هو بدل مطابق إن كان المراد بضمير { لكم } خصوص المؤمنين ، وفي إعادة اللام في البدل تكثير للمعاني المذكورة بكثرة الاحتمالات وكل يأخذ حظه منها .

فالذين ائتسوا بالرسول صلى الله عليه وسلم يومئذ ثبت لهم أنهم ممن يرجون الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً . وفيه تعريض بفريق من الذين صدّهم عن الائتساء به ممن كانوا منافقين أو في قلوبهم مرض من الشك في الدين .

وفي الآية دلالة على فضل الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأنه الإسوة الحسنة لا محالة ولكن ليس فيها تفصيل وتحديد لمراتب الائتساء والواجب منه والمستحب وتفصيله في أصول الفقه . واصطلاحُ أهل الأصول على جعل التأسّي لقبَاً لاتِّباع الرسول في أعماله التي لم يطالب بها الأمة على وجه التشريع . وذكر القرطبي عن الخطيب البغدادي أنه روي عن عقبة بن حسان الهَجَري عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } قال : في جوع النبي .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا} (21)

فيه مسألتان :

الأولى- قوله تعالى : " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " هذا عتاب للمتخلفين عن القتال ، أي كان لكم قدوة في النبي صلى الله عليه وسلم حيث بذل نفسه لنصرة دين الله في خروجه إلى الخندق . والأسوة القدوة . وقرأ عاصم " أسوة " بضم الهمزة . الباقون بالكسر ، وهما لغتان . والجمع فيهما واحد عند الفراء . والعلة عنده في الضم على لغة من كسر في الواحدة : الفرق بين ذوات الواو وذوات الياء ، فيقولون كسوة وكسا ، ولحية ولحى . الجوهري : والأسوة والإسوة بالضم والكسر لغتان . والجمع أسى وإسى . وروى عقبة بن حسان الهجري عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " قال : في جوع النبي صلى الله عليه وسلم . ذكره الخطيب أبو بكر أحمد وقال : تفرد به عقبة بن حسان عن مالك ، ولم أكتبه إلا بهذا الإسناد .

الثانية-قوله تعالى " أسوة " الأسوة القدوة . والأسوة ما يتأسى به ، أي يتعزى به . فيقتدى به في جميع أفعاله ويتعزى به في جميع أحواله ، فلقد شج وجهه ، وكسرت رباعيته ، وقتل عمه حمزة ، وجاع بطنه ، ولم يلف إلا صابرا محتسبا ، وشاكرا راضيا . وعن أنس بن مالك عن أبي طلحة قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع ورفعنا عن بطوننا{[12780]} عن حجر حجر ، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجرين . خرجه أبو عيسى الترمذي وقال فيه : حديث غريب . وقال صلى الله عليه وسلم لما شج : ( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) وقد تقدم . " لمن كان يرجو الله واليوم الآخر " قال سعيد بن جبير : المعنى لمن كان يرجو لقاء الله بإيمانه ويصدق بالبعث الذي فيه جزاء الأفعال . وقيل : أي لمن كان يرجو ثواب الله في اليوم الآخر . ولا يجوز عند الحذاق من النحويين أن يكتب " يرجو " إلا بغير ألف إذا كان لواحد ؛ لأن العلة التي في الجمع ليست في الواحد . " وذكر الله كثيرا " خوفا من عقابه ، ورجاء لثوابه . وقيل : إن " لمن " بدل من قوله : " لكم " ولا يجيزه البصريون ؛ لأن الغائب لا يبدل من المخاطب ، وإنما اللام من " لمن " متعلقة ب " حسنة " ، و " أسوة " اسم " كان " و " لكم " الخبر . واختلف فيمن أريد بهذا الخطاب على قولين : أحدهما : المنافقون ، عطفا على ما تقدم من خطابهم . الثاني : المؤمنون ؛ لقوله : " لمن كان يرجو الله واليوم الآخر " واختلف في هذه الأسوة بالرسول عليه السلام ، هل هي على الإيجاب أو على الاستحباب ، على قولين : أحدهما : على الإيجاب حتى يقوم دليل على الاستحباب . الثاني : على الاستحباب حتى يقوم دليل على الإيجاب . ويحتمل أن يحمل على الإيجاب في أمور الدين ، وعلى الاستحباب في أمور الدنيا .


[12780]:زيادة عن سنن الترمذي.