وردت تسمية هذه السورة في السنة حم المؤمن روى الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله وسلم من قرأ حم المؤمن إلى إليه المصير ، وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما الحديث . وبذلك اشتهرت في مصاحف المشرق ، وبذلك ترجمها البخاري في صحيحه والترمذي في الجامع . ووجه التسمية أنها ذكرت فيها قصة مؤمن آل فرعون ولم تذكر في سورة أخرى بوجه صريح .
والوجه في إعراب هذا الاسم حكاية كلمة { حم } ساكنة الميم بلفظها الذي يقرأ . وبإضافته إلى لفظ المؤمن بتقدير : سورة حم ذكر المؤمن أو لفظ المؤمن وتسمى أيضا سورة الطول لقوله تعالى في أولها { ذي الطول } وقد تنوسي هذا الاسم . وتسمى سورة غافر لذكر وصفه تعالى غافر الذنب في أولها . وبهذا الاسم اشتهرت في مصاحف المغرب .
وهي مكية بالاتفاق وعن الحسن استثناء قوله تعالى { وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار } ، لأنه كان يرى أنها نزلت في فرض الصلوات الخمس وأوقاتها . ويرى أن فرض صلوات خمس وأوقاتها ما وقع إلا في المدينة وإنما كان المفروض بمكة ركعتين كل يوم من غير توقيت ، وهو من بناء ضعيف على ضعيف فأن الجمهور على أن الصلوات الخمس فرضت بمكة في أوقاتها على أنه لا يتعين أن يكون المراد بالتسبيح في تلك الآية الصلوات بل يحمل على ظاهر لفظه من كل قول ينزه به الله تعالى .
وأشذ منه ما روي عن أبي العالية أن قوله تعالى { إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم أن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه } نزلت في يهود من المدينة جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الدجال وزعموا أنه منهم . وقد جاء في أول السورة { ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفرو } . والمراد بهم : المشركون .
وهذه السورة جعلت الستين في عداد ترتيب نزول السور نزلت بعد سورة الزمر وقبل سورة فصلت وهي أول سور آل حم نزولا .
وقد كانت هذه السورة مقروءة عقب وفاة أبي طالب ، أي سنة ثلاث قبل الهجرة لما سيأتي أن أبا بكر قرأ آية { أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله } حين آذى نفر من قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم حول الكعبة ، وإنما اشتد أذى قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أبي طالب .
والسور المفتتحة بكلمة { حم } سبع سور مرتبة في المصاحف على ترتيبها في النزول ويدعى مجموعها آل حم جعلوا لها اسم آل لتآخيها في فواتحها . فكأنها أسرة واحدة وكلمة آل تضاف إلى ذي شرف ويقال لغير المقصود تشريفه أهل فلان قال الكميت :
قرأنا لكم في آل حاميم آية *** تأولها منا فقيه ومعـرب يريد قول الله تعالى في سورة { حم عسق } { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى } على تأويل غير ابن عباس فلذلك عززه بقوله : تأولها منا فقيه ومعرب .
وربما جمعت السور المفتتحة بكلمة { حم } فقيل ألحوا ميم جمع تكسير على زنة فعاليل لأن مفرده على وزن فاعيل وزنا عرض له من تركيب اسمي الحرفين : حا ، ميم فصار كالأوزان العجمية مثل قابيل و راحيل وما هو بعجمي لأنه وزن عارض لا يعتد به . وجمع التكسير على فعاليل يطرد في مثله .
وقد ثبت أنهم جمعوا { حم } على حواميم في أخبار كثيرة عن ابن مسعود ، وابن عباس ، وسمرة بن جندب ، ونسب في بعض الأخبار إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يثبت بسند صحيح . ومثله السور المفتتحة بكلمة طس أو طسم جمعوها على طواسين بالنون تغليبا . وأنشد أبو عبيدة أبياتا لم يسم قائلها :
حلفت بالسبع الألى قد طولت *** وبمئين بعدهـا قـد أمـئت
وبثمـان ثـنـيت وكـررت *** وبالطواسين اللواتي ثلثـت
وبالحواميم اللواتي سبـعـت *** وبالمفصل التي قد فصلـت
وعن أبي عبيدة والفراء أن قول العامة الحواميم ليس من كلام العرب وتبعهما أبو منصور الجواليقي .
وقد عدت آيها أربعا وثمانين في عد أهل المدينة وأهل مكة ، وخمسا وثمانين في عد أهل الشام والكوفة ، واثنتين وثمانين في عد أهل البصرة .
تضمنت هذه السورة أغراضا من أصول الدعوة إلى الإيمان ، فابتدئت بما يقتضي تحدي المعاندين في صدق القرآن كما اقتضاه الحرفان المقطعان في فاتحتهما كما تقدم في أول سورة البقرة .
وأجري على اسم الله تعالى من صفاته ما فيه تعريض بدعوتهم إلى الإقلاع عما هم فيه ، فكانت فاتحة السور مثل ديباجة الخطبة مشيرة إلى الغرض من تنزيل هذه السورة .
وعقب ذلك بأن دلائل تنزيل هذا الكتاب من الله بينة لا يجحدها إلا الكافرون من الاعتراف بها حسدا ، وأن جدالهم تشغيب وقد تكرر ذكر المجادلين في آيات الله خمس مرات في هذه السورة ، وتمثيل حالهم بحال الأمم التي كذبت رسل الله بذكرهم إجمالا ، ثم التنبيه على آثار استئصالهم وضرب المثل بقوم فرعون .
وموعظة مؤمن آل فرعون قومه بمواعظ تشبه دعوة محمد صلى الله عليه وسلم قومه .
والتنبيه على دلائل تفرد الله تعالى بالإلهية إجمالا .
وإبطال عبادة ما يعبدون من دون الله .
والتذكير بنعم الله على الناس ليشكره الذين أعرضوا عن شكره .
وإنذارهم بما يلقون من هوله وما يترقبهم من العذاب ، وتوعدهم بأن لا نصير لهم يومئذ وبأن كبراءهم يتبرؤون منهم .
وتثبيت الله رسوله ص بتحقيق نصر هذا الدين في حياته وبعد وفاته .
وتخلل ذلك الثناء على المؤمنين ووصف كرامتهم وثناء الملائكة عليهم .
وورد في فضل هذه السورة الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله من قرأ حم المؤمن إلى { إليه المصير } وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح .
القول فيه كالقول في نظائره من الحروف المقطّعة في أوائل السور ، وأن معظمها وقع بعده ذكر القرآن وما يشير إليه لِتحدّي المنكرين بالعجز عن معارضته . وقد مضى ذلك في أول سورة البقرة وذكرنا هنالك أن الحروف التي أسماؤها ممدودة الآخِر يُنطق بها في هذه الفواتح مقصورة بحذف الهمزة تخفيفاً لأنها في حالة الوقف مثل اسم ( حا ) في هذه السورة واسم ( را ) في ( أَلر ) واسم ( يا ) في ( يس ) .
وهي سورة المؤمن ، وتسمى سورة الطول ، وهي مكية في قول الحسن وعطاء وعكرمة وجابر . وعن الحسن إلا قوله : " وسبح بحمد ربك " [ غافر : 55 ] لأن الصلوات نزلت بالمدينة . وقال ابن عباس وقتادة : إلا آيتين منها نزلتا بالمدينة وهما " إن الذين يجادلون في آيات الله " [ غافر : 56 ] والتي بعدها . وهي خمس وثمانون آية . وقيل ثنتان وثمانون آية .
وفي مسند الدارمي قال : حدثنا جعفر بن عون عن مسعر عن سعد بن إبراهيم قال : كن الحواميم يسمين العرائس . وروي من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الحواميم ديباج القرآن " وروي عن ابن مسعود مثله . وقال الجوهري وأبو عبيدة : وآل حم سور في القرآن . قال ابن مسعود : آل حم ديباج القرآن . قال الفراء : إنما هو كقولك آل فلان وآل فلان كأنه نسب السورة كلها إلى حم ، قال الكميت :
وجدْنا لكم في آلِ حاميمَ آية *** تأوَّلَهَا منا تَقِيٌّ ومُعْزِبُ{[1]}
قال أبو عبيدة : هكذا رواها الأموي بالزاي ، وكان أبو عمرو يرويها بالراء . فأما قول العامة الحواميم فليس من كلام العرب . وقال أبو عبيدة : الحواميم سور في القرآن على غير قياس ، وأنشد قائلا :
وبالحواميم التي قد سُبِّعَتْ{[2]}
قال : والأولى أن تجمع بذوات حم . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لكل شيء ثمرة وإن ثمرة القرآن ذوات حم هن روضات حسان مخصبات متجاورات ، فمن أحب أن يرتع في رياض الجنة فليقرأ الحواميم ) . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( مثل الحواميم في القرآن كمثل الحبرات في الثياب ) ذكرهما الثعلبي . وقال أبو عبيد : وحدثني حجاج بن محمد عن أبي معشر عن محمد بن قيس قال : رأى رجل سبع جوار حسان مزينات في النوم ، فقال لمن أنتن بارك الله فيكن فقلن : نحن لمن قَرَأَنَا ، نحن الحواميم .
قوله تعالى : " حم " اختلف في معناه ، فقال عكرمة : قال النبي صلى الله عليه وسلم :( " حم " اسم من أسماء الله تعالى وهي مفاتيح خزائن ربك ) قال ابن عباس : " حم " اسم الله الأعظم . وعنه : " الر " و " حم " و " ن " حروف الرحمن مقطعة . وعنه أيضا : اسم من أسماء الله تعالى أقسم به . وقال قتادة : إنه اسم من أسماء القرآن . مجاهد : فواتح السور . وقال عطاء الخراساني : الحاء افتتاح اسمه حميد وحنان وحليم وحكيم ، والميم افتتاح اسمه ملك ومجيد ومنان ومتكبر ومصور ، يدل عليه ما روى أنس أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : ما " حم " فإنا لا نعرفها في لساننا ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( بدء أسماء وفواتح سور ) وقال الضحاك والكسائي : معناه قضي ما هو كائن . كأنه أراد الإشارة إلى تهجي " حم " ؛ لأنها تصير حم بضم الحاء وتشديد الميم ، أي قضي ووقع . وقال كعب بن مالك :
فلما تَلاَقَيْنَا ودارَتْ بنا الرَّحَى *** وليسَ لأمر حَمَّه الله مَدْفَعُ
وعنه أيضا : إن المعنى حم أمر الله أي قرب ، كما قال الشاعر :
قد حُمَّ يومي فسُرَّ قومٌ *** قومٌ بهم غفلةٌ ونومُ
ومنه سميت الحمى ؛ لأنها تقرب من المنية . والمعنى المراد قرب نصره لأوليائه ، وانتقامه من أعدائه كيوم بدر . وقيل : حروف هجاء . قال الجرمي : ولهذا تقرأ ساكنة الحروف فخرجت مخرج التهجي وإذا سميت سورة بشيء من هذه الحروف أعربت ، فتقول : قرأت " حم " فتنصب ، قال الشاعر{[13354]} :
يُذَكِّرُنِي حاميمَ والرُّمْحُ شَاجِرٌ فهلاَّ *** تلا حاميمَ قبل التَّقَدُّمِ
وقرأ عيسى بن عمر الثقفي : " حم " بفتح الميم على معنى اقرأ حم أو لالتقاء الساكنين . ابن أبي إسحاق وأبو السمال بكسرها . والإمالة والكسر للالتقاء الساكنين ، أو على وجه القسم . وقرأ أبو جعفر بقطع الحاء من الميم . الباقون بالوصل . وكذلك في " حم . عسق " . وقرأ أبو عمرو وأبو بكر وحمزة والكسائي وخلف وابن ذكوان بالإمالة في الحاء . وروي عن أبي عمرو بين اللفظين وهي قراءة نافع وأبي جعفر وشيبة . الباقون بالفتح مشبعا .