التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَهَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗۖ فَقَدۡ جَآءَ أَشۡرَاطُهَاۚ فَأَنَّىٰ لَهُمۡ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ ذِكۡرَىٰهُمۡ} (18)

{ فهل ينظرون إلآ الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشارطها }

تفريع على ما مضى من وصف أحوال الكافرين من قوله : { أفلم يسيروا في الأرض } إلى قوله : { واتبعوا أهواءهم } [ محمد : 10 16 ] الشاملة لأحوال الفريقين ففرع عليها أن كلا الفريقين ينتظرون حلول الساعة لينالوا جزاءهم على سوء كفرهم فضمير ينظرون مراد به الكافرون لأن الكلام تهديد ووعيد ، ولأن المؤمنين ينتظرون أموراً أخر مثل النصر والشهادة ، قال تعالى : { قل هل تَربَّصُون بنا إلا إحدى الحُسْنَيْينِ } [ التوبة : 52 ] الآية . والنظر هنا بمعنى الانتظار كما في قوله تعالى : { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك } [ الأنعام : 158 ] الآية .

والاستفهام إنكار مشوب بتهكم ، وهو إنكار وتهكم على غائبين ، موجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أي لا تحسب تأخير مؤاخذتهم إفلاتاً من العقاب ، فإنه مُرجَوْن إلى الساعة .

وهذا الاستفهام الإنكاري ناظر إلى قوله آنفاً { والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم } [ محمد : 12 ] .

والقصر الذي أفاده الاستثناء قصر ادعائي ، نُزل انتظارهم ما يأملونه من المرغوبات في الدنيا منزلة العدم لضآلة أمره بعد أن نُزلوا منزلة من ينتظرون فيما ينتظرون الساعة لأنهم لتحقق حلوله عليهم جديرون بأن يكونوا من منتظريها .

و { أن تأتيهم } بدل اشتمال من الساعة . و { بغتة } حال من الساعة قال تعالى : { لا تأتيكم إلا بغتة } [ الأعراف : 187 ] . والبغتة : الفجأة ، وهو مصدر بمعنى : المرة ، والمراد به هنا الوصف ، أي مباغتة لهم .

ومعنى الكلام : أن الساعة موعدهم وأن الساعة قريبة منهم ، فحالهم كحال من ينتظر شيئاً فإنما يكون الانتظار إذا اقترب موعد الشيء ، هذه الاستعارة تهكمية .

والفاء من قوله : { فقد جاء أشراطها } فاء الفصيحة كالتي في قول عباس بن الأحنف :

قالوا خراسانُ أقصى ما يراد بنا *** ثم القفول فقد جئنا خراسانا

وهذه الفصيحة تفيد معنى تعليل قرب مؤاخذتهم .

والأشراط : جمع شَرَط بفتحتين ، وهو : العلامة والأمارة على وجود شيء أو على وصفه . وعلامات الساعة هي علامات كونها قريبة . وهذا القرب يتصور بصورتين :

إحداهما أن وقت الساعة قريب قرباً نسبياً بالنسبة إلى طول مدة هذا العالم ومن عليه من الخلق .

والثانية : أن ابتداء مشاهدة أحوال الساعة يحصل لكل أحد بموته فإن روحه إذا خلصت عن جسده شاهدت مصيرها مشاهدة إجمالية وبه فسر حديث أبي هريرة مرفوعاً « القبر روضة من رياض الجنة أو حفر من حفر النار » رواه الترمذي . وهو ضعيف ويفسره حديث ابن عمر مرفوعاً « إذا مات الميت عرض عليه مقعده بالغداة والعشي فإن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ثم يقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة » ونهاية حياة المرء قريبة وإن طال العمر .

والأشراط بالنسبة للصورة الأولى : الحوادث التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تقع بين يدي الساعة ، وأولها بعثته لأنه آخر الرسل وشريعته آخر الشرائع ثم ما يكون بعد ذلك ، وبالنسبة للصورة الثانية أشراطها الأمراض والشيخوخة .

{ فأنى لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذكراهم } .

تفريع على { فقد جاء أشراطها } . و { أنّى } اسم يدل على الحالة ، ويضمّن معنى الاستفهام كثيراً وهو هنا استفهام إنكاري ، أي كيف يحصل لهم الذكرى إذا جاءتهم الساعة ، والمقصود : إنكار الانتفاع بالذكرى حينئذٍ .

و { أنَّى } مبتدأ ثان مقدم لأن الاستفهام له الصدارة . و { ذكراهم } مبتدأ أول و { لهم } خبر عن { أنّى } ، وهذا التركيب مثل قوله تعالى : { أنّى لهم الذكرى } في سورة الدخان ( 13 ) ، وضمير جاءتهم } عائد إلى { الساعة } .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَهَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗۖ فَقَدۡ جَآءَ أَشۡرَاطُهَاۚ فَأَنَّىٰ لَهُمۡ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ ذِكۡرَىٰهُمۡ} (18)

قوله تعالى : " فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة " أي فجأة . وهذا وعيد للكفار . " فقد جاء أشراطها " أي أماراتها وعلاماتها . وكانوا قد قرؤوا في كتبهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء ، فبعثه من أشراطها وأدلتها ، قاله الضحاك والحسن . وفي الصحيح عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ بعثت أنا والساعة كهاتين ] وضم السبابة والوسطى ، لفظ مسلم : وخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه . ويروى [ بعثت والساعة كفرسي رهان ] . وقيل : أشراط الساعة أسبابها التي هي دون معظمها . ومنه يقال للدون من الناس : الشرط . وقيل : يعني علامات الساعة انشقاق القمر والدخان ، قال الحسن أيضا . وعن الكلبي : كثرة المال والتجارة وشهادة الزور وقطع الأرحام ، وقلة الكرام وكثرة اللئام . وقد أتينا على هذا الباب في كتاب " التذكرة " مستوفى والحمد لله . وواحد الأشراط شرط ، وأصله الأعلام . ومنه قيل الشرط ، لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها . ومنه الشرط في البيع وغيره . قال أبو الأسود :

فإن كنت قد أزمعت بالصَّرْمِ بيننا *** فقد جعلتِ أشراط أوله تبدو

ويقال : أشرط فلان نفسه في عمل كذا أي أعلمها وجعلها له . قال أوس بن حجر يصف رجلا تدلى بحبل من رأس جبل إلى نبعة{[13932]} يقطعها ليتخذ منها قوسا :

فأشرط نفسَه فيها وهو مُعْصِمٌ *** وألقى بأسبابٍ له وتوكلا

" أن تأتيهم بغتة " " أن " بدل اشتمال من " الساعة " ، نحو قوله : " أن تطؤوهم " [ الفتح : 25 ] من قوله : " رجال مؤمنون ونساء مؤمنات " {[13933]} [ الفتح : 25 ] . وقرئ " بغتة " بوزن جَرَبَّة{[13934]} ، وهي غريبة لم ترد في المصادر أختها ، وهي مروية عن أبي عمرو . الزمخشري : وما أخوفني أن تكون غلطة من الراوي عن أبي عمرو ، وأن يكون الصواب " بغتة " بفتح الغين من غير تشديد ، كقراءة الحسن . وروى أبو جعفر الرؤاسي وغيره من أهل مكة " إن تأتهم بغتة " . قال المهدوي : ومن قرأ " إن تأتهم بغتة " كان الوقف على " الساعة " ثم استأنف الشرط . وما يحتمله الكلام من الشك مردود إلى الخلق ، كأنه قال : إن شكوا في مجيئها " فقد جاء أشراطها " .

قوله تعالى : " فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم " " ذكراهم " ابتداء و " أنى لهم " الخبر . والضمير المرفوع في " جاءتهم " للساعة ، التقدير : فمن أين لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة ، قال معناه قتادة وغيره . وقيل : فكيف لهم بالنجاة إذا جاءتهم الذكرى عند مجيء الساعة ، قاله ابن زيد . وفي الذكرى وجهان : أحدهما : تذكيرهم بما عملوه من خير أو شر . الثاني : هو دعاؤهم بأسمائهم تبشيرا وتخويفا ، روى أبان عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ أحسنوا أسماءكم فإنكم تدعون بها يوم القيامة يا فلان قم إلى نورك يا فلان قم لا نور لك ] ذكره الماوردي .


[13932]:النبعة (واحدة النبع): شجرة من أشجار الجبال يتخذ منها القسيّ.
[13933]:آية 25 سورة الفتح.
[13934]:الجربة (الفتح والتشديد): القطيع من حمر الوحش. وقد يقال للأقوياء من الناس إذا كانوا جماعة متساوين: جربة.