أُعقب أمره بالصبر على ما يقولونه بنهيه عن الإعجاب بما يَنْعَم به من تَنعّم من المشركين بأموال وبنين في حين كفرهم بالله بأن ذلك لحِكَم يعلمها الله تعالى ، منها إقامة الحجّة عليهم ، كما قال تعالى : { أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون } المؤمنون : 55 ، 56 ) .
وذكر الأزواج هنا لدلالته على العَائلات والبيوت ، أي إلى ما متعناهم وأزواجَهم به من المتع ؛ فكلّ زوج ممتّع بمتعة في زوجه مما يحسن في نظر كل من محاسن قرينه وما يقارن ذلك من محاسن مشتركة بين الزوجين كالبنين والرياش والمنازل والخدم .
ومدّ العينين : مستعمل في إطالة النظر للتعجيب لا للإعجاب ، شبه ذلك بمد اليد لتناول شيء مشتهى . وقد تقدم نظيره في آخر سورة الحِجْر .
والزَهرة بفتح الزاي وسكون الهاء : واحدة الزهْر ، وهو نَوْر الشجر والنباتتِ . وتستعار للزينة المعجِبة المبهتة ، لأن منظر الزّهرة يزين النبات ويُعجب الناظر ، فزهرة الحياة : زينة الحياة ، أي زينة أمور الحياة من اللّباس والأنعام والجنان والنساء والبنين ، كقوله تعالى : { فمتاع الحياة الدنيا وزينتها } [ القصص : 60 ] .
وانتصب { زهرة الحياة الدنيا } على الحال من اسم الموصول في قوله { ما متعنا به أزواجاً منهم . وقرأ الجمهور زهْرة بسكون الهاء . وقرأه يعقوب بفتح الهاء وهي لغة .
لنفتنهم } متعلق ب { متعنا } . و ( في ) للظرفية المجازية ، أي ليحصل فتنتهم في خلاله ، ففي كلّ صنف من ذلك المتاع فتنة مناسبة له . واللاّم للعلّة المجازية التي هي عاقبة الشيء ، مثل قوله تعالى : { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً } [ القصص : 68 ] .
وإنما متّعهم الله بزهرة الدنيا لأسباب كثيرة متسلسلة عن نُظُم الاجتماع فكانت لهم فتنة في دينهم ، فجُعل الحاصلُ بمنزلة الباعث .
والفتنة : اضطراب النفس وتبلبل البال من خوف أو توقع أو التواء الأمور ، وكانوا لا يخلُون من ذلك ، فَلشركهم يقذف الله في قلوبهم الغم والتوقع ، وفتنتُهم في الآخرة ظاهرة . فالظرفية هنا كالتي في قول سبَرة بن عَمرو الفَقْعسي :
نُحابي بها أكفَاءَنا ونُهينها *** ونشرب في أثمانها ونقامر
وقوله تعالى : { وارزقوهم فيها واكسوهم } في سورة النساء ( 5 ) .
وجملة { ورزق ربك خير وأبقى } تذييل ، لأن قوله { ولا تمدن عينيك } إلى آخره يفيد أن ما يبدو للناظر من حسن شارتهم مشوب ومبطّن بفتنة في النفس وشقاء في العيش وعقاب عليه في الآخرة ، فذيل بأن الرزق الميسّر من الله للمؤمنين خير من ذلك وأبقى في الدنيا ومنفعته باقية في الآخرة لما يقارنه في الدنيا من الشكر .
فإضافة { رزق ربك } إضافة تشريف ، وإلا فإن الرزق كلّه من الله ، ولكن رزق الكافرين لما خالطه وحف به حال أصحابه من غضب الله عليهم ، ولما فيه من التبعة على أصحابه في الدنيا والآخرة لكفرانهم النعمة جعل كالمنكور انتسابه إلى الله ، وجعل رزق الله هو السالم من ملابسة الكفران ومن تبعات ذلك .
و { خير } تفضيل ، والخيرية حقيقة اعتبارية تختلف باختلاف نواحيها . فمنها : خير لصاحبه في العاجل شرّ عليه في الآجل ، ومنها خير مشوب بشرور وفتن ، وخير صَاف من ذلك ، ومنها ملائم ملاءَمَةً قوية ، وخير ملائم ملاءمة ضعيفة ، فالتفضيل باعتبار توفر السلامة من العواقب السيّئة والفتن كالمقرون بالقناعة ، فتفضيل الخيرية جاء مجملاً يظهر بالتدبر .
{ وأبقى } تفضيل على ما مُتّع به الكافرون لأنّ في رزق الكافرين بقاءً ، وهو أيضاً يظهر بقاؤه بالتدبّر فيما يحف به وعواقبه .
اتجه إلى ربك بالعبادة ( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم )من عرض الحياة الدنيا ، من زينة ومتاع ومال وأولاد وجاه وسلطان . ( زهرة الحياة الدنيا )التي تطلعها كما يطلع النبات زهرته لامعة جذابة . والزهرة سريعة الذبول على ما بها من رواء وزواق . فإنما نمتعهم بها ابتلاء ( لنفتنهم فيه )فنكشف عن معادنهم ، بسلوكهم مع هذه النعمة وذلك المتاع . وهو متاع زائل كالزهرة سرعان ما تذبل ( ورزق ربك خير وأبقى )وهو رزق للنعمة لا للفتنة . رزق طيب خير باق لا يذبل ولا يخدع ولا يفتن .
وما هي دعوة للزهد في طيبات الحياة ، ولكنها دعوة إلى الاعتزاز بالقيم الأصيلة الباقية وبالصلة بالله والرضى به . فلا تتهاوى النفوس أمام زينة الثراء ، ولا تفقد اعتزازها بالقيم العليا ، وتبقى دائما تحس حرية الاستعلاء على الزخارف الباطلة التي تبهر الأنظار . .
قوله تعالى : " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به " وقد تقدم معناه في " الحجر " {[11205]} . " أزواجا " مفعول ب " متعنا " . و " زهرة " نصب على الحال . وقال الزجاج : " زهرة " منصوبة بمعنى " متعنا " لأن معناه جعلنا لهم الحياة الدنيا زهرة ، أو بفعل مضمر وهو " جعلنا " أي جعلنا لهم زهرة الحياة الدنيا ، عن الزجاج أيضا . وقيل : هي بدل من الهاء في " به " على الموضع كما تقول : مررت به أخاك . وأشار الفراء إلى نصبه على الحال ، والعامل فيه " متعنا " قال : كما تقول مررت به المسكين ، وقدره : متعناهم به زهرة الحياة في الدنيا وزينة فيها . ويجوز أن على المصدر مثل " صنع الله " و " وعد الله " وفيه نظر . والأحسن أن ينتصب على الحال ويحذف التنوين لسكونه وسكون اللام من الحياة ، كما قرئ " ولا الليل سابق النهار{[11206]} " بنصب النهار بسابق على تقدير حذف التنوين لسكونه وسكون اللام ، وتكون " الحياة " مخفوضة على البدل من " ما " في قوله : " إلى ما متعنا به " فيكون التقدير : ولا تمدن عينيك إلى الحياة الدنيا زهرة أي في حال زهرتها . ولا يحسن أن يكون " زهرة " بدلا من " ما " على الموضع في قوله : " إلى ما متعنا " لأن " لنفتنهم " متعلق و " متعنا " و " زهرة الحياة الدنيا " يعني زينتها بالنبات . والزهرة ، بالفتح في الزاي والهاء نور النبات . والزهرة بضم الزاي وفتح الهاء النجم . وبنو زهرة بسكون الهاء ، قاله ابن عزيز . وقرأ عيسى بن عمر " زهرة " بفتح الهاء مثل نهر ونهر . ويقال : سراج زاهر أي له بريق . وزهر الأشجار ما يروق من ألوانها . وفي الحديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم أزهر اللون أي نير اللون ، يقال لكل شيء مستنير : زاهر ، وهو أحسن الألوان . " لنفتنهم فيه " أي لنبتليهم . وقيل : لنجعل ذلك فتنة لهم وضلالا ، ومعنى الآية : لا تجعل يا محمد لزهرة الدنيا وزنا ، فإنه لا بقاء لها . " ولا تمدن " أبلغ من لا تنظرن ؛ لأن الذي يمد بصره ، إنما يحمله على ذلك حرص مقترن ، والذي ينظر قد لا يكون ذلك معه .
مسألة : قال بعض الناس سبب نزول هذه الآية ما رواه أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : نزل ضيف برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأرسلني عليه السلام إلى رجل من اليهود ، وقال قل له يقول لك محمد : نزل بنا ضيف ولم يلق عندنا بعض الذي يصلحه ، فبعني كذا وكذا من الدقيق ، أو أسلفني إلى هلال رجب فقال : لا ، إلا برهن . قال : فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال : " والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض ولو أسلفني أو باعني لأديت إليه اذهب بدرعي إليه " ونزلت الآية تعزية له عن الدنيا . قال ابن عطية وهذا معترض أن يكون سببا ؛ لأن السورة مكية والقصة المذكورة مدنية في آخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه مات ودرعه مرهونة عند يهودي بهذه القصة التي ذكرت ، وإنما الظاهر أن الآية متناسقة مع ما قبلها ، وذلك أن الله تعالى وبخهم على ترك الاعتبار بالأمم السالفة ثم توعدهم بالعذاب المؤجل ، ثم أمر نبيه بالاحتقار لشأنهم ، والصبر على أقوالهم ، والإعراض عن أموالهم وما في أيديهم من الدنيا ؛ إذ ذلك منصرم عنهم صائر إلى خزي .
قلت : وكذلك ما روي عنه عليه السلام أنه مر بإبل بني المصطلق وقد عَبِست{[11207]} في أبوالها [ وأبعارها ]{[11208]} من السِّمن فتقنع بثوبه ثم مضى ؛ لقوله عز وجل : " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم " الآية . ثم سلاه فقال : " ورزق ربك خير وأبقى " أي ثواب الله على الصبر وقلة المبالاة بالدنيا أولى ؛ لأنه يبقى والدنيا تفنى . وقيل : يعني بهذا الرزق ما يفتح الله على المؤمنين من البلاد والغنائم .