قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } الآية . أخبرنا عبد الواحد المليحي ، حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار ، أخبرني الحسن بن محمد أنه سمع عبد الله بن أبي رافع يقول سمعت علياً رضي الله عنه يقول : " بعثني النبي صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها ، قال : فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة ، فقلنا : أخرجي الكتاب فقالت : ما معي كتاب ، فقلنا : لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب ، قال : فأخرجته من عقاصها ، فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا حاطب ما هذا ؟ قال : يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت امرأ ملصقاً في قريش -يقول كنت حليفاً ولم أكن من أنفسها- وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم ، فأحببت -إذ فاتني ذلك من النسب فيهم- أن أتخذ عندهم يداً يحمون قرابتي ، ولم أفعله ارتداداً عن ديني ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام ، فقال عمر : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال : إنه قد شهد بدراً ، وما يدريك لعل الله اطلع على منى شهد بدرا فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ، فأنزل الله تعالى هذه السورة : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة } إلى قوله : { سواء السبيل } " . قال المفسرون : نزلت الآية في حاطب بن أبي بلتعة كما جاء في الحديث ، وذلك أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف أتت المدينة من مكة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز لفتح مكة ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم أمسلمة جئت ؟ قالت : لا ، قال أمهاجرة جئت ؟ قالت : لا ، قال : فما جاء بك قالت : كنتم الأصل والعشيرة والموالي وقد ذهبت موالي وقد احتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتطعموني وتكسوني وتحملوني ، فقال لها : وأين أنت من شبان مكة ؟ وكانت مغنية نائحة ، قالت : ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر ، فحث رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وبني المطلب فأعطوها نفقة وكسوها وحملوها ، فأتاها حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزى ، فكتب معها إلى أهل مكة ، وأعطاها عشرة دنانير ، وكساها برداً ، على أن توصل الكتاب إلى أهل مكة ، وكتب في الكتاب : من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم ، فخذوا حذركم . فخرجت سارة ، ونزل جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما فعل ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وعماراً والزبير وطلحة والمقداد بن الأسود وأبا مرثد فرساناً ، فقال لهم : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين ، فخذوه منها وخلوا سبيلها ، وإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها . قال : فخرجوا حتى أدركوها في ذلك المكان الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا لها : أين الكتاب ؟ فحلفت بالله ما معها كتاب ، فبحثوها وفتشوا متاعها فلم يجدوا معها كتاباً ، فهموا بالرجوع ، فقال علي رضي الله عنه : والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسل سيفه فقال : أخرجي الكتاب وإلا لأجردنك ولأضربن عنقك . فلما رأت الجد أخرجته من ذؤابتها ، وكانت قد خبأته في شعرها ، فخلوا سبيلها ولم يتعرضوا لها ولا لما معها ، فرجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حاطب ، فأتاه فقال : هل تعرف الكتاب ؟ قال : نعم ، قال : فما حملك على ما صنعت ؟ فقال : يا رسول الله والله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ، ولا أحببتهم منذ فارقتهم ، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع عشيرته ، وكنت غريباً فيهم ، وكان أهلي بين ظهرانيهم ، فخشيت على أهلي ، فأردت أن أتخذ عندهم يداً ، وقد علمت أن الله ينزل بهم بأسه ، وأن كتابي لا يغني عنهم شيئاً ، فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعذره . فقام عمر بن الخطاب فقال : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ؟ فأنزل الله عز وجل في شأن حاطب : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } . { تلقون إليهم بالمودة } قيل : أي المودة ، والباء زائدة ، كقوله : { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم }( الحج- 25 ) وقال الزجاج : معناه تلقون إليهم أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وسره بالمودة التي بينكم وبينهم ، { وقد كفروا } الواو للحال ، أي : وحالهم أنهم كفروا ، { بما جاءكم من الحق } يعني القرآن { يخرجون الرسول وإياكم } من مكة ، { أن تؤمنوا } أي لأن آمنتم ، كأنه قال : يفعلون ذلك لإيمانكم ، { بالله ربكم إن كنتم خرجتم } هذا شرط جوابه متقدم وهو قوله : { لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم } { جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة } قال مقاتل : بالنصيحة ، { وأنا أعلم بما أخفيتم } من المودة للكفار ، { وما أعلنتم } أظهرتم بألسنتكم { ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل } أخطأ طريق الهدى .
{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } نزلت في حاطب ابن أبي بلتعة لما كتب إلى مشركي مكة ينذرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الخروج إليهم ، { تلقون إليهم بالمودة } أي تلقون إليهم أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وسره بالمودة التي بينكم وبينهم ، { وقد كفروا } أي وحالهم أنهم كافرون { بما جاءكم من الحق } دين الاسلام والقرآن ، { يخرجون الرسول وإياكم } أيها المؤمنون من مكة { أن تؤمنوا } لأن آمنتم { بالله ربكم إن كنتم خرجتم } من مكة { جهادا } للجهاد { في سبيلي وابتغاء مرضاتي } وجواب هذا الشرط متقدم وهو قوله :{ لا تتخذوا عدوي } أي لا تتخذوهم أولياء إن كنتم تبتغون مرضاتي وقوله : { تسرون إليهم بالمودة }كقوله { تلقون إليهم بالمودة } ، { وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم } وذلك أن الله أطلع نبيه عليه السلام على مكاتبة حاطب للمشركين حتى استرد الكتاب ممن دفعه إليه ليوصله إليهم ، { ومن يفعله منكم } أي الاسرار إليهم { فقد ضل سواء السبيل } أخطأ طريق الدين .
مدنية في قول الجميع ، وهي ثلاث عشرة آية ز
الممتحنة ( بكسر الحاء ) أي المختبرة ، أضيف الفعل إليها مجازا ، كما سميت سورة " التوبة " المبعثرة والفاضحة ؛ لما كشفت من عيوب المنافقين . ومن قال في هذه السورة : الممتحنة ( بفتح الحاء ) فإنه أضافها إلى المرأة التي نزلت فيها ، وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، قال الله تعالى : { فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن } [ الممتحنة : 10 ] الآية{[1]} . وهي امرأة عبدالرحمن بن عوف ، ولدت له إبراهيم بن عبدالرحمن .
قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } عدَّى اتخذ إلى مفعولين وهما { عدوكم أولياء } . والعدو فعول من عدا ، كعفو من عفا . ولكونه على زنة المصدر أوقع على الجماعة إيقاعه على الواحد .
الأولى- قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم } ، روى الأئمة - واللفظ لمسلم - عن علي رضي الله عنه قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال : ( ائتوا روضة خاخ{[14888]} فإن بها ظعينة{[14889]} معها كتاب فخذوه منها ) فانطلقنا تعادى{[14890]} بنا خيلنا ، فإذا نحن بالمرأة ، فقلنا : أخرجي الكتاب ، فقالت : ما معي كتاب ، فقلنا : لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب ، فأخرجته من عقاصها . فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه : من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا حاطب ما هذا ؟ قال لا تعجل علي يا رسول الله ، إني كنت أمرأ ملصقا في قريش قال سفيان : كان حليفا لهم ، ولم يكن من أنفسها وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليم ، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن اتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي ، ولم أفعله كفرا ولا ارتدادا عن ديني ، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( صدق ) . فقال عمر : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق . فقال : ( إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) فأنزل الله عز وجل : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء " . قيل : اسم المرأة سارة من موالي قريش . وكان في الكتاب : " أما بعد ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل ، وأقسم بالله لو لم يسر إليكم إلا وحده لأظفره الله بكم ، وأنجز له موعده فيكم ، فإن الله وليه وناصره . ذكره بعض المفسرين .
وذكر القشيري والثعلبي : أن حاطب بن أبي بلتعة كان رجلا من أهل اليمن ، وكان له حلف بمكة في بني أسد بن عبدالعزى رهط الزبير بن العوام ، وقيل : كان حليفا للزبير بن العوام ، فقدمت من مكة سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هشام بن عبد مناف إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز لفتح مكة . وقيل : كان هذا في زمن الحديبية ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمهاجرة جئت يا سارة ) . فقالت : لا . قال : ( أمسلمة جئت ) قالت : لا . قال : ( فما جاء بك ) قالت : كنتم الأهل والموالي والأصل والعشيرة ، وقد ذهب الموالي - تعني قتلوا يوم بدر - وقد احتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( فأين أنت عن شباب أهل مكة ) وكانت مغنية ، قالت : ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر . فحث رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبدالمطلب وبني المطلب على إعطائها ، فكسوها وأعطوها وحملوها فخرجت إلى مكة ، وأتاها حاطب فقال : أعطيك عشرة دنانير وبردا على أن تبلغي هذا الكتاب إلى أهل مكة . وكتب في الكتاب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم . فخرجت سارة ، ونزل جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فبعث عليا والزبير وأبا مرثد الغنوي . وفي رواية : عليا والزبير والمقداد . وفي رواية : أرسل عليا وعمار بن ياسر . وفي رواية : عليا وعمارا وعمر والزبير وطلحة والمقداد وأبا مرثد - وكانوا كلهم فرسانا - وقال لهم : ( انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة ومعها كتاب من حاطب إلى المشركين فخذوه منها وخلوا سبيلها فان لم تدفعه لكم فاضربوا عنقها ) فأدركوها في ذلك المكان ، فقالوا لها : أين الكتاب ؟ فحلفت ما معها كتاب ، ففتشوا أمتعتها فلم يجدوا معها كتابا ، فهموا بالرجوع فقال علي : والله ما كَذَبَنا ولا كَذَّبْنا ! وسل سيفه وقال : أخرجي الكتاب وإلا والله لأجردنك ولأضربن عنقك ، فلما رأت الجد أخرجته من ذؤابتها - وفي رواية من حجزتها{[14891]} - فخلوا سبيلها ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأرسل إلى حاطب فقال : ( هل تعرف الكتاب ؟ ) قال نعم . وذكر الحديث بنحو ما تقدم . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمن جميع الناس يوم الفتح إلا أربعة هي أحدهم .
الثانية- السورة أصل في النهي عن مولاة الكفار . وقد مضى ذلك في غير موضع{[14892]} . من ذلك قوله تعالى : { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين } [ آل عمران : 28 ] . { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم } [ آل عمران : 118 ] . { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء } [ المائدة : 51 ] ومثله كثير . وذكر أن حاطبا لما سمع { يا أيها الذين آمنوا } غشي عليه من الفرح بخطاب الإيمان .
الثالثة- قوله تعالى : { تلقون إليهم بالمودة } يعني بالظاهر ؛ لأن قلب حاطب كان سليما ، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم : ( أما صاحبكم فقد صدق ) وهذا نص في سلامة فؤاده وخلوص اعتقاده . والباء في " بالمودة " زائدة ، كما تقول : قرأت السورة وقرأت بالسورة ، ورميت إليه ما في نفسي وبما في نفسي . ويجوز أن تكون ثابتة على أن مفعول " تلقون " محذوف ، معناه تلقون إليهم أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب المودة التي بينكم وبينهم . وكذلك { تسرون إليهم بالمودة } أي بسبب المودة . وقال الفراء : { تلقون إليهم بالمودة } من صلة " أولياء " ودخول الباء في المودة وخروجها سواء . ويجوز أن تتعلق ب " لا تتخذوا " حالا من ضميره . و " أولياء " صفة له ، ويجوز أن تكون استئنافا .
ومعنى { تلقون إليهم بالمودة } تخبرونهم بسرائر المسلمين وتنصحون لهم ، وقاله الزجاج .
الرابعة- من كثر تطلعه على عورات المسلمين وينبه عليهم ويعرف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافرا إذا كان فعله لغرض دنيوي واعتقاده على ذلك سليم ، كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين .
الخامسة- إذا قلنا لا يكون بذلك كافرا فهل يقتل بذلك حدا أم لا ؟ اختلف الناس فيه ، فقال مالك وابن القاسم وأشهب : يجتهد في ذلك الإمام . وقال عبدالملك : إذا كانت عادته تلك قتل ؛ لأنه جاسوس ، وقد قال مالك بقتل الجاسوس - وهو صحيح لإضراره بالمسلمين وسعيه بالفساد في الأرض . ولعل ابن الماجشون إنما اتخذ التكرار في هذا ؛ لأن حاطبا أخذ في أول فعله . والله أعلم .
السادسة- فإن كان الجاسوس كافرا فقال الأوزاعي : يكون نقضا لعهده . وقال أصبغ : الجاسوس الحربي يقتل ، والجاسوس المسلم والذمي يعاقبان إلا إن تظاهرا على الإسلام فيقتلان . وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بعين للمشركين اسمه فرات بن حيان ، فأمر به أن يقتل ، فصاح : يا معشر الأنصار ، أقتل وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ! فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فخلى سبيله . ثم قال : ( إن منكم من أكله إلى إيمانه منهم فرات بن حيان ) .
وقوله : { وقد كفروا } حال ، إما من { لا تتخذوا } وإما من { تلقون } أي لا تتولوهم أو توادوهم ، وهذه حالهم . وقرأ الجحدري { لما جاءكم } أي كفروا لأجل ما جاءكم من الحق .
السابعة- قوله تعالى : { يخرجون الرسول } استئناف كلام كالتفسير لكفرهم وعتوهم ، أو حال من { كفروا } . { وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم } تعليل ل { يخرجون } المعنى يخرجون الرسول ويخرجونكم من مكة ؛ لأن تؤمنوا بالله أي لأجل إيمانكم بالله . قال ابن عباس : وكان حاطب ممن أخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي . وقيل : في الكلام حذف ، والمعنى إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي ، فلا تلقوا إليهم بالمودة . وقيل : { إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي } شرط وجوابه مقدم ، والمعنى إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء . ونصب " جهادا " و " ابتغاء " لأنه مفعول . وقوله : { تسرون إليهم بالمودة } بدل من " تلقون " ومبين عنه ، والأفعال تبدل من الأفعال ، كما قال تعالى : { ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب{[14893]} } [ الفرقان : 68 ] . وأنشد سيبويه :
متى تأتِنَا تُلْمِمْ بنا في ديارنا *** تجدْ حَطَباً جَزْلاً وناراً تَأَجَّجَا
وقيل : هو على تقدير أنتم تسرون إليهم بالمودة ، فيكون استئنافا . وهذا كله معاتبة لحاطب . وهو يدل على فضله وكرامته ونصيحته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق إيمانه ، فإن المعاتبة لا تكون إلا من محب لحبيبه{[14894]} . كما قال :
أعاتب ذا المودة من صديقٍ *** إذا ما رابني منه اجتنابُ
إذا ذهب العتاب فليس وُدٌّ *** ويبقى الود ما بقي العتابُ
ومعنى { بالمودة } أي بالنصيحة في الكتاب إليهم . والباء زائدة كما ذكرنا ، أو ثابتة غير زائدة .
قوله تعالى : { وأنا أعلم بما أخفيتم } أضمرتم { وما أعلنتم } أظهرتم . والباء في " بما " زائدة ، يقال : علمت كذا وعلمت بكذا . وقيل : وأنا اعلم من كل أحد بما تخفون وما تعلنون ، فحذف من كل أحد . كما يقال : فلان اعلم وأفضل من غيره . وقال ابن عباس : وأنا اعلم بما أخفيتم في صدوركم ، وما أظهرتم بألسنتكم من الإقرار والتوحيد . { ومن يفعله منكم } أي من يسر إليهم ويكاتبهم منكم { فقد ضل سواء السبيل } أي أخطأ قصد الطريق .