فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَٰدٗا فِي سَبِيلِي وَٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِيۚ تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} (1)

مقدمة السورة:

( 60 ) سورة الممتحنة مدنية وآياتها ثلاث عشرة ، كلماتها : 348 ؛ حروفها : 151 .

بسم الله الرحمان الرحيم :

{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل ( 1 ) } .

ينادي المولى- تبارك وتعالى- أهل التصديق به وبما عهد إليهم من أماناته أن احذروا موالاة أعدائي أعدائكم الكافرين ، ولاتكن بينكم وبينهم رابطة حب ومودة أو نصرة ، وكيف تحب من جحد الحق وناوأك فيه ، وأخرج نبيك وأخرجك معه من بلد الله الأمين ، وإنما كان إخراجكم بسبب إيمانكم بربكم ؛ فمن كان منكم قد هاجر يبتغي نصرة الدين ومرضاة رب العالمين فليس له أن يوالي المشركين الفجار المجرمين ، لا يستعلن بذلك ولا يستسر به ، فإني أعلم ما ظهر وما بطن ، وما تبدون وما تكتمون ، ومن يتولهم منكم فقد حاد عن الطريق السوي ، ووقع في التخبط والحيرة والضلال .

روى الإمام مسلم في صحيحه [ باب من فضائل حاطب بن أبي بلتعة وأهل بدر رضي الله عنهم ] : حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن الحسن بن محمد أخبرني عبيد الله بن أبي رافع وهو كاتب علي قال : سمعت عليا رضي الله عنه وهو يقول : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال : ( ائتوا روضة خاخ{[6585]} فإن بها ظعينة{[6586]} معها كتاب فخدوه منها ) فانطلقنا تعادي{[6587]} بنا خيلنا فإذا نحن بالمرأة فقلنا : أخرجي الكتاب ؛ فقالت : ما معي كتاب . فقلنا : لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب{[6588]} فأخرجته من عقاصها{[6589]} فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه : من خاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا حاطب ما هذا ) ؟ ! قال : لا تعجل علي يا رسول الله إني كنت أمرا ملصقا في قريش- قال سفيان : كان حليفا لهم ولم يكن من أنفسها- وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم ، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي ؛ ولم أفعله كفرا ، ولا ارتدادا عن ديني ، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( صدق ) . فقال عمر : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق ؛ فقال : ( إنه شهيد بدرا وما يدرك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) فأنزل الله عز وجل : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء . . . } .

[ السورة أصل في النهي عن موالاة الكفار . . من ذلك قوله تعالى : { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين }{[6590]} . { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون . ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ . . . }{[6591]} .

{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولاهم منكم فإنه منهم . . . }{[6592]} ، من كثر تطلعه على عورات المسلمين . . . ويعرف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافرا إذا كان فعله لغرض دنيوي . . . ولم ينو الردة عن الدين . . وقال عبد الملك : إذا كانت عادته تلك قتل لأنه جاسوس ، وقد قال مالك بقتل الجاسوس ، وهو صحيح لإضراره بالمسلمين وسعيه في الأرض بالفساد . . وقال أصبغ : الجاسوس الحربي يقتل ، والجاسوس المسلم والذمي يعاقبان إلا إن تظاهرا على الإسلام فيقتلان ]{[6593]} .


[6585]:- موضع بين مكة والمدينة بقرب المدينة.
[6586]:أي امرأة في هودج.
[6587]:- تجري.
[6588]:- يعني: إذا لم تخرج الكتاب فسيفتشون ثيابها حتى يعثروا عليه.
[6589]:- ضفائر شعرها.
[6590]:- سورة آل عمران. من الآية 28.
[6591]:- سورة آل عمران. الآية 118؛ ومن الآية 119.
[6592]:- سورة المائدة. من الآية 51.
[6593]:- ما بين العارضتين مقتبس من الجامع لأحكام القرآن جـ18 ص 52-53.