{ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول } بالطاعة . { إذا دعاكم } وحد الضمير فيه لما سبق ولان دعوة الله تسمع من الرسول . وروي أنه عليه الصلاة والسلام مر على أبي وهو يصلي فدعاه فعجل في صلاته ثم جاء فقال : ما منعك عن إجابتي قال : كنت أصلي ، قال : " ألم تخبر فيما أوحي إلي " { استجيبوا لله وللرسول } . واختلف فيه فقيل هذا لأن إجابته لا تقطع الصلاة فإن الصلاة أيضا إجابة . وقيل لأن دعاءه كان لأمر لا يحتمل التأخير وللمصلي أن يقطع الصلاة لمثله وظاهر الحديث يناسب الأول . { لما يحييكم } من العلوم الدينية فإنها حياة القلب والجهل موته . قال :
لا تعجبن الجهول حلّته *** فذاك ميتٌ وثوبه كفن
أو مما يورثكم الحياة الأبدية في النعيم الدائم من العقائد والأعمال ، أو من الجهاد فإنه سبب بقائكم إذ لو تركوه لغلبهم العدو وقتلهم ، أو الشهادة لقوله تعالى : { بل أحياء عند ربهم يرزقون } . { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } تمثيل لغاية قربه من العبد كقوله تعالى : { ونحن اقرب إليه من حبل الوريد } وتنبيه على أنه مطلع على مكنونات القلوب مما عسى يغفل عنه صاحبها ، أو حث على المبادرة إلى إخلاص القلوب وتصفيتها قبل أن يحول الله بينه وبين قلبه بالموت أو غيره ، أو تصوير وتخييل لتملكه على العبد قلبه فيفسخ عزائمه ويغير مقاصده ويحول بينه وبين الكفر إن أراد سعادته ، وبينه وبين الإيمان إن قضى شقاوته . وقرئ " بين المرِّ " بالتشديد على حذف الهمزة وإلقاء حركتها على الراء وإجراء الوصل الوقف على لغة من يشدد فيه . { وأنه إليه تحشرون } فيجازيكم بأعمالكم .
أجاب واستجاب بمعنى مثل أوقد واستوقد ، وقيل للاستجابة مزية وخصوصية بأنها تكون طوعاً لا كرهاً ، وفَرْقٌ بين من يجيب لخوفٍ أو طمع وبين من يستجيب لا بِعِوَضٍ ولا على ملاحظة غَرَضٍ . وحقُّ الاستجابة أن تجيب بالكلية من غير أَنْ تَذَرَ من المستطاع بقية .
والمستجيبُ لربه محوٌ عن كلِّه باستيلاء الحقيقة ، والمستجيب للرسول - صلى الله عليه وسلم وعلى آله - قائم بشريعته من غير إخلال بشيء من أحكامها . وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالاستجابة له - سبحانه ، وبالاستجابة للرسول ؛ فالعبدُ المستجيبُ - على الحقيقة - من قام بالله سرَّاً ، واتصف بالشرع جهراً فيُفْرِده الحقُّ - سبحانه - بحقائق الجمع و ( . . . ) في مشاهدة الفرق ، فلا يكون للحدثان في مشرب حقائقه تكدير ، ولا لمطالبات الشرع على أحواله نكير .
قوله جلّ ذكره : { لِمَا يُحْيِيكُمْ } .
إذْ لمَّا أفناهم عنهم أحياهم به .
ويقال العابدون أحياهم بطاعته بعد ما أفناهم عن مخالفته ، وأما العالِمون فأحياهم بدلائل ربوبيته ، بعد ما أفناهم عن الجهل وظلمته . وأما المؤمنون فأحياهم بنور موافقته بعد ما أفناهم بسيوف مجاهدتهم . وأمَّا الموَحِّدونَ فأحياهم بنور توحيده بعد ما أفناهم عن الإحساس بكل غير ، والملاحظة لكل حدثان .
قوله جلّ ذكره : { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } .
يصون القلب عن تقليب أربابها فيُقلِّبها كما يشاء هو ، من بيان هداية وضلال ، وغَيبةٍ ووصالٍ ، وحُجْبةٍ وقُرْبة ، ويقينٍ ومرية ، وأُنْسٍ ووحشة .
ويقال صان قلوب العُبَّادِ عن الجنوح إلى الكسل ، فجدُّوا في معاملاتهم ، وصان قلوب المريدين عن التعريج في أوطان الفشل فصدقوا في منازلاتهم ، وصان قلوب العارفين - على حدِّ الاستقامة - عن الميْل فتحققوا بدوام مواصلاتهم .
ويقال حال بينهم وبين قلوبهم لئلا يكون لهم رجوعٌ إلا إلى الله ، فإذا سنح لهم أمر فليس لهم إلا الأغيار سبيل ، ولا على قلوبهم تعويل . وكم بين من يرجع عند سوانحه إلى قلبه وبين من لا يهتدي إلى شيء إلا إلى ربِّه ! كما قيل :
لا يهتدي قلبي إلى غيركم *** لأنه سُدَّ عليه الطريق
ويقال العلماء هم الذين وجدوا قلوبهم ، قال تعالى :{ إنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ }[ ق : 37 ] والعارفون هم الذين فقدوا قلوبهم .
قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول } ، يقول : أجيبوهما بالطاعة .
قوله تعالى : { إذا دعاكم } ، الرسول صلى الله عليه وسلم .
قوله تعالى : { لما يحييكم } ، أي : إلى ما يحييكم ، قال السدي : هو الإيمان ، لأن الكافر ميت فيحيا بالإيمان ، وقال قتادة : هو القرآن فيه الحياة ، وبه النجاة والعصمة في الدارين ، وقال مجاهد : هو الحق ، وقال ابن إسحاق : هو الجهاد أعزكم الله به بعد الذل ، وقال القتيبي : بل الشهادة ، قال الله تعالى في الشهداء { بل أحياء عند ربهم يرزقون } [ آل عمران : 169 ] وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على أبي بن كعب ، رضي الله عنه ، وهو يصلي ، فدعاه فعجل أبي في صلاته ، ثم جاء ، فقال رسول الله : ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك ؟ قال : كنت في الصلاة ، قال : أليس يقول الله عز وجل : { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } ؟ فقال :لا جرم يا رسول الله ، لا تدعوني إلا أجبت وإن كنت مصلياً .
قوله تعالى : { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } ، قال سعيد بن جبير وعطاء : يحول بين المؤمن والكفر ، وبين الكفر والإيمان . وقال الضحاك : يحول بين الكافر والطاعة ، ويحول بين المؤمن والمعصية . وقال مجاهد : يحول بين المرء وقلبه فلا يعقل ولا يدري ما يعمل ، وقال السدي : يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن ، ولا أن يكفر إلا بإذنه . وقيل : هو أن القوم لما دعوا إلى القتال في حالة الضعف ساءت ظنونهم ، واختلجت صدورهم ، فقيل لهم : قاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ، فيبدل الخوف أمناً ، والجبن جرأةً وشجاعة .
قوله تعالى : { وأنه إليه تحشرون } ، فيجزيكم بأعمالكم .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أحمد بن الحسن الحيري ، أنا حاطب بن أحمد الطوسي ، أنا محمد بن حماد ، ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ، قالوا : يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا ؟ قال : القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء .
قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحيكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقبله وأنه إليه تحشرون } .
ذلك نداء كريم ومؤثر من الله رب العالمين للناس أن يستجيبوا لله ولرسوله الأمين . واستجابتهم تعني امتثالهم لأوامر الله وطاعته والمبادرة إلى طاعة الرسول الكريم إذا دعاهم لما يحييهم ؛ أي ينشر فيهم الحياة الكريمة الهانئة الفضلى . وذلك بالقرآن الذي جاء يحمل للبشرية خير الدنيا والآخرة . القرآن الكلام الرباني المعجز الذي حوى في كلماته وعباراته كل معاني الخير والصلاح ، وكل أسباب النجاة التي تفضي بالبشرية إلى الأمن والاستقرار والسلامة في هذه الدنيا ، وإلى الفوز بالجنة ، والمنجاة من النار يوم القيامة . لا جرم أن القرآن والإسلام هما الملاذ الوحيد للبشرية في كل مكان وزمان كيما تأمن من البلايا والقواصم والويلات في الدار الآخرة التي تتهاوى فيها جسوم الكافرين والظالمين والجاحدين وأبدانهم في قلب الجحيم التي تتهاوى فيما جسون الكافرين والظالمين والجاحدين وأبدانهم في قلب الجحيم لتذوق وبال أمرها من التنكيل والهوان ، فضلا عن الشرور والكوارث النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تتجرعها هذه البشرية في حياتها الدنيا ما دامت عاتية عن ذكر الله متمردة على منهجه الحكيم القويم . وبذلك فإن القرآن والإسلام حياة للناس . حياة أيما حياة . حياة راغدة كريمة فضلى تجد فيها البشرية أمنها وسعادتها واستقامتها ، وهي تمضي على طريق الله سالمة آمنة مجانبة لكل ظواهر الضلال والباطل كالشرور والمفاسد والأوضار التي ما زالت تتجرع مرارتها الخليقة في هذه الدنيا لعتوها وإدبارها عن منهج الله والاستعاضة عنه بقوانين البشر . قوانين الشرك والإفك والباطل .
قوله : { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } وهذه الآية تحمل عدة وجوه ، منها : أن الله يفرق بين المرء وقلبه بالموت فلا يمكنه بعد ذلك أن يستدرك ما فات . والمراد المبادرة بالتوبة من المعاصي والذنوب قبل فوات الأوان بالموت .
ومنها : أن الله يبدل قلب الإنسان من حال إلى حال . وقد سمي قلب الإنسان بهذا الاسم لتقلبه ؛ فهو بذلك قلب . أي يتقلب من حال إلى حال . والله جل وعلا مقلب القلوب من حال الأمن إلى حال الخوف ، ومن حال الخوف إلى حال الأمن . وقيل : لما خاف المسلمون يوم بدر كثرة العدو أعملهم الله أنه يحول بين المرء وقلبه . بأن يبدلهم بعد الخوف أمنا وشجاعة ، ويبدل عدوهم من الأمن خوفا ورعبا . وقيل غير ذلك .
قوله : { وأنه إليه تحشرون } وذلك تخويف للبشرية كلها يستوي فيها المؤمنون والكافرون . وذلك أن الله جامع الناس يوم القيامة فمجازيهم على أعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر .
وفي التعبير بالحشر ما يثير في النفس الخوف من ذلك اللقاء الجامع الحاشد ليعادوا المرء مع نفسه الحساب فيتعظ ويزدجر{[1645]} .