الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ} (24)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى - قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول " هذا الخطاب للمؤمنين المصدقين بلا خلاف . والاستجابة : الإجابة . و " يحييكم " أصله يحييكم ، حذفت الضمة من الياء لثقلها . ولا يجوز الإدغام . قال أبو عبيدة : معنى " استجيبوا " أجيبوا ، ولكن عرف الكلام أن يتعدى استجاب بلام ، ويتعدى أجاب دون لام . قال الله تعالى : " يا قومنا أجيبوا داعي الله{[7646]} " [ الأحقاف : 31 ] . وقد يتعدى استجاب بغير لام ، والشاهد له قول الشاعر{[7647]} :

وداع دعا يا من يجيب إلى النَّدَى *** فلم يسْتَجِبْهُ عند ذاك مجيب

تقول : أجابه وأجاب عن سؤاله . والمصدر الإجابة . والاسم الجابة ، بمنزلة الطاقة والطاعة . تقول : أساء سمعا فأساء جابة{[7648]} . هكذا يتكلم بهذا الحرف . والمجاوبة والتجاوب : التحاور . وتقول : إنه لحسن الجيبة ( بالكسر ) أي الجواب . " لما يحييكم " متعلق بقوله : " استجيبوا " . المعنى : استجيبوا لما يحييكم إذا دعاكم . وقيل : اللام بمعنى إلى ، أي إلى ما يحييكم ، أي يحيي دينكم ويعلمكم . وقيل : أي إلى ما يحيي به قلوبكم فتوحدوه ، وهذا إحياء مستعار ؛ لأنه من موت الكفر والجهل . وقال مجاهد والجمهور : المعنى استجيبوا للطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ونواهي ، ففيه الحياة الأبدية ، والنعمة السرمدية ، وقيل : المراد بقوله " لما يحييكم " الجهاد ، فإنه سبب الحياة في الظاهر ، لأن العدو إذا لم يغز غزا وفي غزوه الموت ، والموت في الجهاد الحياة الأبدية ، قال الله عز وجل : " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء{[7649]} " [ آل عمران : 169 ] والصحيح العموم كما قال الجمهور .

الثانية - روى البخاري عن أبي سعيد بن المعلى قال : كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه ، ثم أتيته فقلت : يا رسول الله ، إني كنت أصلي . فقال : " ألم يقل الله عز وجل " استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم " وذكر الحديث . وقد تقدم في الفاتحة{[7650]} . وقال الشافعي رحمه الله : هذا دليل على أن الفعل الفرض أو القول الفرض إذا أتي به في الصلاة لا تبطل ؛ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإجابة وإن كان في الصلاة .

قلت : وفيه حجة لقول الأوزاعي : لو أن رجلا يصلي فأبصر غلاما يريد أن يسقط في بئر فصاح به وانصرف إليه وانتهره لم يكن بذلك بأس . والله أعلم .

الثالثة - قوله تعالى : " واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه " قيل : إنه يقتضي النص منه على خلقه تعالى الكفر والإيمان فيحول بين المرء الكافر وبين الإيمان الذي أمره به ، فلا يكتسبه إذا لم يقدره عليه بل أقدره على ضده وهو الكفر . وهكذا المؤمن يحول بينه وبين الكفر . فبان بهذا النص أنه تعالى خالق لجميع اكتساب{[7651]} العباد خيرها وشرها . وهذا معنى قوله عليه السلام : " لا ، ومقلب القلوب " . وكان فعل الله تعالى ذلك عدلا فيمن أضله وخذله ؛ إذ لم يمنعهم حقا وجب عليه فتزول صفة العدل ، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم لا ما وجب لهم . قال السدي : يحول بين المرء وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن إلا بإذنه ، ولا يكفر أيضا إلا بإذنه ، أي بمشيئته . والقلب موضع الفكر . وقد تقدم في " البقرة{[7652]} " بيانه . وهو بيد الله ، متى شاء حال بين العبد وبينه بمرض أو آفة كيلا يعقل . أي بادروا إلى الاستجابة قبل ألا تتمكنوا منها بزوال العقل . وقال مجاهد : المعنى يحول بين المرء وعقله حتى لا يدري ما يصنع . وفي التنزيل : " إن في ذلك لذكرى لمن كان له{[7653]} قلب " [ ق : 37 ] أي عقل . وقيل : يحول بينه وبينه بالموت ، فلا يمكنه استدراك ما فات . وقيل : خاف المسلمون يوم بدر كثرة العدو فأعلمهم الله أنه يحول بين المرء وقلبه بأن يبدلهم بعد الخوف أمنا ، ويبدل عدوهم من الأمن خوفا . وقيل : المعنى يقلب الأمور من حال إلى حال ، وهذا جامع . واختيار الطبري أن يكون ذلك إخبارا من الله عز وجل بأنه أملك لقلوب العباد منهم ، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء ، حتى لا يدرك الإنسان شيئا إلا بمشيئة الله عز وجل . " وأنه إليه تحشرون " عطف . قال الفراء : ولو استأنفت فكسرت ، " وأنه " كان صوابا .


[7646]:راجع ج 16 ص 217.
[7647]:هو كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه أبا المغوار.
[7648]:أصل هذا المثل على ما ذكر الزبير بن بكار أنه كان لسهل بن عمرو بن مضعوف فقال له إنسان: أين أمك (بفتح الهمزة وتشديد الميم المضمومة) أي أين قصدك فظن أنه يقول له: أي أمك؛ (بضم الهمزة والميم) فقال: ذهبت تشتري دقيقا فقال أبوه: أساء سمعا. ...الخ (عن اللسان).
[7649]:راجع ج 4 ص 267.
[7650]:راجع ج 1 ص 108
[7651]:أي أفعالهم إذ هي مخلوقة له سبحانه والاكتساب للعبد.
[7652]:راجع ج 1 ص 187
[7653]:راجع ج 17 ص 22