{ ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ذلك الثواب الذي يبشرهم الله به فحذف الجار ثم العائد ، أو ذلك التبشير الذي يبشره الله عباده . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي " يبشر " من بشره وقرئ " يبشر " من أبشره . { قل لا أسألكم عليه } على ما أتعاطاه من التبليغ والبشارة . { أجرا } نفعا منكم . { إلا المودة في القربى } أي تودوني لقرابتي منكم ، أو تودوا قرابتي ، وقيل الاستثناء منقطع والمعنى : لا أسألكم أجرا قط ولكني أسالكم المودة ، و{ في القربى } حال منها أي{ إلا المودة } ثابتة في ذوي { القربى } متمكنة في أهلها ، أو في حق القرابة ومن أجلها كما جاء في الحديث " الحب في الله والبغض في الله " . روي : أنها لما نزلت قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودتهم علينا قال : " علي وفاطمة وابناهما " . وقيل { القربى } التقرب إلى الله أي إلا تودوا الله ورسوله في تقربكم إليه بالطاعة والعمل الصالح ، وقرئ " إلا مودة في القربى " . { ومن يقترف حسنة } ومن يكتسب طاعة سيما حب آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ومودته لهم . { نزد له فيها حسنا } في الحسنة بمضاعفة الثواب ، وقرئ " يزد " أي يزد الله وحسنى . { إن الله غفور } لمن أذنب . { شكور } لمن أطاع بتوفية الثواب والتفضل عليه بالزيادة .
قوله جل ذكره : { ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } .
ذلك الذي يُبَشِّرُ اللَّهُ عبادَه قد مضى ذِكْرُه في القرآن متفرقاً ؛ من أوصاف الجنة وأطايبها ، وما وَعَدَ اللَّهُ من المثوبة . . . ونحو ذلك .
قوله جلّ ذكره : { قُل لاَّ أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } .
قُلْ - يا محمد - لا أسألكم عليه أجراً . مَنْ بَشَّرَ أحداً بالخير طَلَبَ عليه أجراً ، ولكنَّ اللَّهَ - وقد بَشَّرَ المؤمنين على لسان نبيِّه بما لهم من الكرامات الأبدية - لم يطلب عليه أجراً ؛ فاللَّهُ – سبحانه - لا يطلب عِوَضاً ، وكذلك نبيُّه - صلى الله عليه وسلم - لا يسأل أجراً ؛ فإن المؤمنَ قد أخذ من الله خُلُقَاً حَسَناً . . . فمتى يطلب الرسولُ منهم أجراً ؟ ! وهو - صلوات الله عليه - يشفع لكلِّ مَنْ آمن به ، والله - سبحانه - يعطي الثوابَ لكل مَنْ آمن به .
{ إلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } : أراد أن تثبت مودتك في القربى ؛ فتودّ منْ يتقرَّب إلى الله في طاعته .
قوله جلّ ذكره : { وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ } .
تضعيف الثواب في الآخرة للواحدِ من عَشَرة إلى سبعمائة . . . هذه هي الزيادة .
ويقال : الزيادة هي زيادة التوفيق في الدنيا .
ويقال : إذا أتى زيادة في المجاهدة تفضَّلْنا بزيادة . . وهي تحقيق المشاهدة .
ويقال مَنْ يقترِفْ حسنةَ الوظائف نَزِدْ له فيها حُسْنَ اللطائف .
ويقال : تلك الزيادة لا يصل إليها العبدُ بوسعه ؛ فهي مما لا يدخل تحت طَوْقِ البَشَر .
في القربى : في القرابة التي بيني وبينكم ، أو في قرابتي من أهل بيتي .
بعد أن ذكر الله في الآيات السالفة ما أعدَّ للمؤمنين في أطيبِ أماكنِ الجنّات - بين هنا أن ذلك الفضلَ الكبير هو الذي يبشّر به عبادَه المؤمنين . فقل لهم أيها الرسول : أنا لا أطلب منكم أجراً على تبليغ الرسالة ، وكل ما أطلبه منكم أن توادّوني مراعاةً للقرابة التي بيني وبينكم . ويدخل في ذلك مودّة النبي صلى الله عليه وسلم ومودّة قرابته من أهل بيته . ومن يعمل عملا صالحا يضاعف الله له جزاءه ، إن الله واسع المغفرة للمذنبين .
قوله تعالى : { ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ( 23 ) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } .
يبشر الله عباده المؤمنين الصالحين بالنعيم المقيم في روضات الجنات . وهو قوله : { ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } والإشارة عائدة إلى الفضل الكبير . وثمة حذف . والتقدير هو : ذلك الذي يبشر الله به عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ؛ فقد عجَّل الله لهم البشرى ليتعجلوا السرور ويزدادوا رغبة في الطاعة وعمل الصالحات .
قوله : { قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا } قال ابن عباس : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يديه لذلك سعة فقال الأنصار : إن هذا الرجل قد هداكم الله تعالى به وهو ابن أختكم وتنوبه نوائب وحقوق وليس في يده لذلك سعة ، فاجمعوا له من أموالكم ما لا يضرُّكم ففعلوا ثم أتوا به فقالوا : يا رسول الله إنك ابن أختنا وقد هدانا الله تعالى على يديك وتنوبك نوائب وحقوق ، وليست لك عندنا سعة فرأينا أن نجمع لك من أموالنا فنأتيك به فتستعين على ما ينوبك وهو هذا فنزلت هذه الآية .
وقيل : اجتمع المشركون ف مجمع لهم ، فقال بعضهم لبعض : أترون محمدا صلى الله عليه وسلم يسأل على ما يتعاطاه أجرا . فأنزل الله تعالى هذه الآية{[4101]} { قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا } يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لقريش : لا أسألكم على دعائي لكم وتبليغي إياكم رسالة الله أجرا أو جعلا . والجعل بالضم ، هو ما جُعل للإنسان من شيء على فعل . وكذا الجعالة . {[4102]}
قوله : { إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } { المودّة } منصوب على الاستثناء من غير الجنس{[4103]} والمعنى : إلا أن تودوني لقرابتي منكم فتحفظوني . قال ابن عباس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوسط الناس في قريش . فليس بطن من بطونهم إلا قد ولده . فقال الله له : { قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } أي لا أسألكم ثوابا ولا نفعا إلا أن تودوني في قرابتي منكم فتراعوا ما بيني وبينكم فتصدقوني . والمراد بالقربى هنا ، قرابة الرحم . فكأنه قال لقريش : اتبعوني للقرابة إن لم تتبعوني للنبوة وتذكِّرنا هذه الآية بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجوب حبهم وإكرامهم وعدم الإساءة إليهم بقول أو فعل . وأيما إساءة من ذلك على أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الأبرار الأطهار ، فإنها ( الإساءة ) عصيان وخطيئة . وأهل بيته عليه الصلاة والسلام من ذرية طاهرة فُضْلى بل إن هذا البيت المصون الطهور لهو أشرف بيت على وجه الأرض ، ولاسيما إن كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة ، ملتزمين شرع الله وأحكام دينه الحنيف .
قوله : { وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا } { يَقْتَرِفْ } من الاقتراف وهو الاكتساب . يعني ومن يكتسب حسنة ، وهو أن يعمل عملا فيه طاعة لله { نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا } أي نضاعف له الحسنة بعشر أمثالها فأكثر { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ } غفور لذنوب عباده ، شكور لحسناتهم وطاعاتهم .