أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{۞أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ} (16)

ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ألم يأت وقته يقال أني الأمر يأني أنيا وأنا إذا جاء إناه وقرئ ألم يئن بكسر الهمزة وسكون النون من آن يئين بمعنى أتى وألما يأن روي أن المؤمنين كانوا مجدبين بمكة فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه فنزلت وما نزل من الحق أي القرآن وهو عطف على الذكر عطف أحد الوصفين على الآخر ويجوز أن يراد بالذكر أن يذكر الله وقرأ نافع وحفص ويعقوب نزل بالتخفيف وقرئ أنزل ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل عطف على تخشع وقرأ رويس بالتاء والمراد النهي عن مماثلة أهل الكتاب فيما حكي عنهم بقوله فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم أي فطال عليهم الأجل لطول أعمارهم وآمالهم أو ما بينهم وبين أنبيائهم فقست قلوبهم وقرئ الأمد وهو الوقت الأطول وكثير منهم فاسقون خارجون عن دينهم رافضون لما في كتابهم من فرط القسوة .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{۞أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ} (16)

قوله جلّ ذكره : { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِيِنَ آمَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذَِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهُم الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } .

ألم يَحِنْ للذين آمنوا أن تتواضعَ قلوبُهم وتلين لذِكْر اللَّهِ وللقرآنِ وما فيه من العِبَر ؟ وألا يكونوا كالذين أوتوا الكتابَ من قبل ؟ وأراد بهم اليهودَ ، وكثيرٌ من اليهود فاسقون كافرون .

وأراد بطول الأمَدِ الفترةَ التي كانت بين موسى ونبيِّنا صلى الله عليه وسلم ، وفي الخبر : " أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أَصابتهم ملالةٌ فقالوا : لو حَدّثْتنا " .

فأنزل اللَّهُ تعالى : { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ } [ الزمر : 23 ] . فبعد مُدَّةٍ قالوا :

لو قَصَصْتَ علينا !

فأنزل اللَّهُ تعالى : { نَّحْن نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ } [ الكهف : 13 ] فبعد مدةٍ قالوا : لو ذَكَّرتَنا ووَعَظْتَنا !

فأنزل الله تعالى هذه السورة .

وفي هذه الآية ما يشبه الاستبطاء .

وإن قسوة القلب تحصل من اتباع الشهوة ، والشهوة والصفة لا تجتمعان ؛ فإذا حَصَلت الشهوةُ رَحَلت الصفوة . وموجِبُ القسوة هو انحرافُ القلب عن مراقبة الربِّ . ويقال : موجب القسوة أوَّلُه خَطْرة - فإلمَّ تُتَداركْ صارت فكرة ، وإلمّ تُتدَاركْ صارت عزيمة ، فإن لم تُتَدَاركْ جَرَت المخالفة ، فإن لم تُتداركْ بالتلافي صارت قسوةً وبعدئذ تصير طَبعاً ورَيْناً .